سلام طه

وقائع أقدم ثورة في بلاد سومر

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

نُشرت في صحيفة المدى البغدادية ( العدد  - 4554 /لزيارة موقع الصحيفة  أضغط هنا من فضلك  ) - 25 تشرين الثاني 2019

لتحميل نسخة الكترونية من المقال ( أضغط هنا من فضلك).

 

عبد السلام صبحي طه


سقطت الامبراطورية الأكدية عام 2159 ق.م تحت وطأة تغير الظروف المناخية والجفاف والاضطرابات التي عصفت بالبلاد في السنوات الاخيرة من حكم رجل أكد القوي الامبرطور نرام سن ( واسمه يعني محبوب إله القمر سن، 2254- 2218 ق.م)، والتي تم تبريرها لاحقا على أنها غضب الالهة بحق هذا الملك المتجبر، والذي جاهر بإلوهيته، وأعتمر التاج المقرّن الشهير بظهوره به في حضرة الإلهة عشتار في الاختام والمنحوتات مما يُعد نوعاً من تطاول على الأعراف السائدة. إستمر تدهور الاوضاع الاقتصادية والسياسية إثر ذلك في بلاد النهرين، وحاول خلفاؤه، ومنهم إبنه شار گلي شري (وهو لقب باللغة الاكدية و يعني رأس او ملك الملوك، 2223- 2198 ق.م) إنقاذ البلاد من دون جدوى، وأنتهى الأمر برمته بأن دخلت البلاد أقوام أجنبية تُدعى بالگوتيين(1)، وهم من سكان المناطق الجبلية (جبال زاگروس) المتاخمة لحدود العراق الشرقية مع ايران الحالية، هؤلاء الاقوام كانوا متوحشين بحسب المدونات التي وردتنا منذ عهد العاهل نارام سن(2)، لم يُخلف هؤلاء المحتلين اي وثائق مدونة بلغتهم، ولا نعرف عنهم سوى اسماء لحكامهم (وعددهم واحد وعشرون ملكاً)، حكموا لمدة اربع وتسعين سنة واربعين يوما (2210– 2116 ق.م)(3) . وقد وردت في ثبت اسماء الملوك السومريين قائمة باسمائهم، وغلبت على اسماء المتأخرين منهم الصيغ الاكدية، دلالة على اندماجهم الثقافي مع سكان البلاد، وهو ما حصل لاحقاً مع جميع المحتلين ، حيث تذوب ثقافتهم الاصلية في ثقافة أهل العراق القدماء، أما موطنهم الاصلي فربما يكون الى الجنوب من منطقة شهرزور الحالية (والتي هي موطن اقوام اخرى تدعى اللولوبيين، والاسم من الاصل " لو" وتعني انسان بدائي او متوحش)، والتي شملت منطقة الزاب الاسفل. وورد ذِكر هذه الاقوام في احدى وثائق مملكة ماري (تل الحريري بالقرب من دير الزور الحالية على الفرات في سوريا) بالاسم (قوتو) في مطلع الالف الثاني ق.م. ومن الجدير بالذكر ان اسم الجبل الذي استقرت عليه سفينة بطل الطوفان البابلي ( اوتو نفشتم ) في ملحمة گلگامش،هو (جبل نصير وورد في بعض الدراسات بالاسم جبل گوتيم)، وقد أشاعوا الرعب في بلاد سومر وأكد برمتها، وخربوا مدنها وعم الخوف والذعر بين السكان، ولكنهم على ما يبدو قد إنسحبوا في النهاية الى شمال العراق و اختاروا مدينة آرابخا ( كركوك الحالية ) مركزاً لهم حتى تم طردهم منها(4) .
بعد هذا التقديم لتلك الفترة المظلمة من تاريخ بلاد النهرين نصل الى بوابات عصر مشرق جديد .
ففي أواخر حكم الگوتيين، اخذت دويلات المدن السومرية القديمة بالثورة على المتسلطين من حكام گوتيم واخرهم كان يدعى (تريقان) الذي حكم اربعون يوما فقط، في تلك الاثناء يظهر في مدينة اوروك امير سومري يدعى (أوتوحيكال) ليحكمها بشكل شبه مستقل ويؤسس لسلالة اوروك الخامسة.

 

stone monument inscribed with the name of Utu hegal Iraq. The British Museum London

 

شكل (1)، كسرة حجرية من اور، يرد في النص اسم الملك (أوتوحيكال) او (اوتوحينگال) ملك اوروك، ترقى الكسرة الى حوالي 2125 ق.م محفوظة في المتحف البريطاني، (حقوق الصورة د. أسامة شكر امين).

 

 

AN00146466 001 l

شكل(2)، (نقش الملك أوتوحيكال محفوظ في المتحف البريطاني بالرقم المتحفي 119064، (حقوق الصورة المُتحف البريطاني ).

 

يُخلف لنا (أوتوحيكال)، نصاً مهماً يلقي الضوء على تفصيلة منازلته لجيش تريقان وطرده للگوتيين من ارض البلاد، فيما يليقراءة كاملة للنص الاصلي قام بها عالم السومريات صموئيل نوح كريمر في مؤلفه ( السومريون ) والتعريب للاستاذ فيصل الوائلي:
نص الملك أوتوحيكال (1)
"إنليل ملك الاقطار كلها، كلف أوتوحيكال الرجل القوي، ملك اوروك، ملك مناطق العالم الاربع، الملك الذي ليس بوسع أحد ان يخالف امره، بتحطيم أسم ملك گوتيم ، ثعبان وعقرب الجبل، الذي حمل سلاحه ضد الآلهة، والذي نقل ملكية بلاد سومر الى بلاد (اجنبية) والذي ملأ سومر بالعداوة، والذي فصل الزوجة ممن كان له زوجة، الذي سلب الطفل ممن كان له طفل واوجد العداوة والعصيان في البلاد.
بعدئذ توجه الى (إينانا) ملكته وابتهل اليها، يا مليكتي، أيتها اللبوة في المعركة يا من تهاجم الاقطار (الاجنبية) كلها لقد كلفني إنليل بأعادة ملكية بلاد سومر فكوني حليفتي (في هذا العمل)،إن تريقان ملك گوتيم قد عين (النص مخروم )، وعلى الرغم من ان احدا لم يتقدم ضده، إستولى على دجلة وساحل البحر، لقد أغلق في بلاد سومر الحقول السفلى وسد الطرقات العليا، وجعل الأعشاب الضارة تنمو عالياً في طرقات البلاد.
أوتوحيكال الملك الذي منحه إنليل القوة ، الذي اختارته إينانا في قلبها، الرجل القوي ، تقدم نحو المعركة من الوركاء ضده (اي ضد تريقان)، وفي بيت (الإله) إشكور( إله الرعد والعواصف)، قدم قرباناً وخاطب مدينته: ان إنليل اعطاني بلاد گوتيم، ووضعت اينانا مليكتي، كحليفة لي، مصيري برعاية دوموزي، ووهبتني أما – اوشم - جال (اي ثعبان) السماء - گلگامش، إبن (الإلهة) ننسون ليكون مشيكماً لي.
لقد امتلأت نفوس مواطني اوروك ومواطني كُلاّب (من احياءأوروك) بالفرح، وكرجل واحد سار (سكان) مدينته وراءه، وقاد هو القوات المختارة (من بينهم).
وبعد مغادرة بيت إشكور، قدم قرباناً في اليوم الرابع في "ناجسو" (نهر ايتمورن جال)، وفي اليوم الخامس قدم قرباناً في مزار الإلهة (إيلي تابا)، لقد أسر "اور- نينازو" و "نابي" – "إنليل" " شكاناك" "تريقان"، الذين ارسلهما سفيرين الى بلاد سومر وطوق ايديهما بأطواق من الخشب.
وبعد ان غادر أوتوحيكال مزار إيلي تابا، قدم في اليوم السادس قرباناً في (مورو) وذهب امام إشكور وتضرع اليه: "يا إشكور، لقد اعطاني إنليل اسلحة ، فكن انت حليفاً لي (في هذا).
وفي تلك الليلة نفسها....، وذهب الى أوتو وتضرع اليه : يا "أوتو" إن إنليل قد اعطاني گوتيم، كُن أنت حليفاً لي (في هذا).
في ذلك المكان جَمعت (بلاد) گوتيم قواتها وارسلت الجيوش ضده، الا ان أوتوحيكال، الرجل القوي، اوقع بهم الهزيمة وأسر شكاناك هم (اي قائدهم).
ثم هرب تريقان ملك گوتيم وحده وعاد الى ( بلاد گوتيم)، وفي "دوبروم" (شمال مدينة بعقوبة الحالية) حيث لجأ، عومل برفق ولكن لما كان رجال "دوبروم" يعرفون بأن أوتو حيكال كان هو الملك الذي وهبه إنليل القوة، ولم يطلقوا سراح تريقان، وأسَر رسول أوتوحيكال (تريقان) مع عائلته في دوبروم، وقيد يديه باطواق من الخشب، ووضع عصابة على عينيه، ثم جُلِب تريقان بعد ذلك الى حضرة "أوتوحيكال " والقى بنفسه على قدميه، فداس أوتوحيكال بقدمه على رقبته، ثم تضرع (النص مخروم).. ال (گوتي) عقرب وثعبان الجبل ونقل (... مخروم) من منطقتها ، وهكذا عادت الملكية الى بلاد سومر."

 

 Part of a stone monument inscribed with the name of Utu hegal king of Uruk. Circa 2125 BCE. From Ur Iraq. The British Museum London
شكل (3) رسم توضيحي يظهر احتفال ملك اوروك أوتوحيكال بالنصرعلى تريقان، حقوق الصورة 'Hutchinson's History of the Nations'

 

خَلدت هذه المأثرة في ذاكرة الأجيال العراقية اللاحقة و تم استذكارها في أزمان تلتها بقرون، وظهرت بهيئة نصوص فأل (فأل الملك تريقان الذي هرب وسط جموعه) وآخر اختص ب(فأل خسوف القمر في الرابع عشر من شهر تموز) والذي اقترن بنشوب ثورة على الكوتيين وسقوطهم.
حكم الملك أوتوحيكال بحسب ثبت الملوك السومريين لمدة سبعة سنوات ونصف (2116– 2110 ق.م)، والثبت عبارة عن ( قائمة مطولة ومفصلة شملت الملوك الذين حكموا بلاد سومر منذ عصور ما قبل الطوفان ثم السلالات التي حكمت من بعد ذلك، الى الزمن الذي جُمع فيه الثبت وافضل من قام بجهد الدراسة فيها عالم السومريات ياكوبسن في مؤلفه - ثبت ملوك سومر )، و يُرجّح ان فكرة تدوين ثبت الملوك بحد ذاتها قد تمت إبان فترة حكم أوتوحيكال، واصبحت تقليداً سار على نهجه بقية ملوك البلاد من بعده، وقد وردتنا لاحقاً (قوائم للملوك البابليين والاشوريين)، وتشير البحوث التي اجريت حول هذا التقليد، الى انه ربما كان نوع من الاستلهام للروح الوطنية المحلية ورغبتها بالتحرر من الاحتلال الاجنبي وتدوين تراث البلاد وسلالاتها الحاكمة، ويرد في نص فأل (أن أوتوحيكال قد مات جراء غرقه في النهر). ولكن المثبت ان حكمه قد انتهى على يد صهره وحاكم مدينة أور (أور نامو) وهو الذي انتقلت راية ملكية سومر الى مدينته اور من بعد اوروك ، لينبعث من هناك ما يمكن اعتباره اخر عصر سومري مجيد في تاريخ العراق القديم (سلالة اور الثالثة 2111-2003 ق.م).

 

 

vase utu hegal british museum
شكل (4)،زهرية من البرونز مدون عليها نص لملك اوروك السومري أوتوحيكال وترقى الى حوالي (2123- 2113 ق.م) محفوظة في المتحف البريطاني(1999,0731.1).

ترجمة النص المسماري المدون على الزهرية :
"أنا أوتوحيكال ملك اوروك القوي، ملك الجهات الاربعة، من يمحو ختمي هذا و يضع اسمه بدلا منه، او من يضع يده عليه ويغيره، فعسى ان يتقلص ملكه وينمحي نسله ويلعنه ملك السماوات آنو وسيدة أوروك إينانا".

مراجع
(1) السومريون، صموئيل نوح كريمر، ، ترجمة د. فيصل الوائلي.
(2) أسطورة نرام سن ،طه باقر
(3) كنوز المتحف العراقي، د. فرج بصمه جي.
(4) مقدمة في تاريخ الحضارات ، الوجيز في تأريخ حضارة بلاد الرافدين، طه باقر

 

Write comment (0 Comments)

المؤامرة الدولية في سرقة الآثار العربية - ندوة برنامج لعبة الامم على قناة ميادين

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

قناة الميادين اللبنانية - برنامج لعبة الامم ( اضغط هنا من فضلك لمشاهدته على القناة )

عرض اللقاء في 4 أيلول 2019

الاعداد والتقديم السيد سامي كليب

 المشاركين بالندوة :

د. عبد الأمير الحمداني – وزير الثقافة العراقي، عبد السلام صبحي طه – باحث وخبير في شؤون الآثار العراقية

لم يتعرّض تراثٌ ثقافي في العالم إلى تخريب ودمار وسرقة، مثلما تعرض له التراث العراقي. من نهب ودمر الآثار في العراق وسوريا ولماذا؟ هل المال هو المقصود أم

محو التاريخ وتزوير الرواية؟ أي علاقة لإسرائيل بما نهب ودمر؟ ماذا عن دول الجوار العربية وتركيا وأميركا؟ وهل الآمال باستعادة هذه الآثار واقعية؟

 

 maydiaen 4 Sept

 

Write comment (1 Comment)

ريادة بلاد النهرين في انشاء المتاحف : (2) متحف العاهل نبوخذ نصّر الثاني في بابل

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

نُشر المقال في مجلة بين نهرين العدد ( 123  ) - العدد الخاص ببابل ( سرّة الارض )

عبدالسلام صبحي طه 

 

في  هذا المقال ( اضغط هنا من فضلك - لتنزيل المقال كاملا  ) سنحاول استكمال ما كنا قد بدأناه في القسم الاول عن الريادة المتحفية لسكان بلاد النهرين، والذي كنا قد قدمنا فيه سيرة أقدم سيدة متحفية معروفة لحد الان في التاريخ ( الاميرة الكاهنة - بيل شالتي ننار ) ، في هذا القسم سنتناول متحف اقدم ، ونقصد به، ذاك  الذي انشأه العاهل البابلي الكلدي  نبو كودوري اوصّر الثاني ( نبوخذ نصّر ) في قصره في بابل و نفصّل لما تم العثور عليه هناك.

 

 

cover

6a

 

 

 

 

 6b

 

Write comment (0 Comments)

ريادة بلاد النهرين في انشاء المتاحف : (1) سيرة اقدم امينة متحف في التاريخ ، الاميرة الكاهنة بيل شالتي ننار

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم

نشرت على صفحات  مجلة بين نهرين ( العدد 122 لشهر تموز 2019 - اضغط هنا من فضلك  لتحميل نسخة الكترونية ).

 سيرة اقدم امينة متحف في التاريخ  ( بيل شالتي ننار) ،اميرة من بابل وكاهنة عظمى في اور .

عبدالسلام صبحي طه

 

يقول عالم الآشوريات الألماني بينو لاندسبيرغر:   " أُطالب بالاستقلالية الثقافية لبلاد ما بين النهرين, ليس علينا أن نفسر هذا العالم من خلال الكتاب المقدس من الآن فصاعداً, لقد أثبت سكان تلك البلاد أنهم أقاموا وبجدارة عالماً مستقلاً لهم، يحمل قيمته بذاته ووضوحه بداخله".

ولا غرابة في هذا القول المُنصف بحق أهل هذه البلاد، فهم الذين اخترعوا الكتابة، واهتموا بالتوثيق وإنشاء المكتبات في سبار ونينوى منذ نعومة أظفار القصب والصلصال، في الوقت الذي كان العالم، بجهاته الأربع، غاطاً في سباته، او يحدق في ريادتهم ليتعلم منهم أصول المشي.

في الأسطر الآتية سنقف على منجز آخر، يُعد العراقيون القدماء اقدم مَن اهتم  به، وهو اهتمام حكامهم باقتناء وجمع عاديات وقطع قديمة من أرجاء بلاد النهرين والمناطق التي أخضعوها لحكمهم، وإنشاء وتجهيز قاعات لعرضها تشبه ما يُعرف اليوم بالمتاحف.

 

مُتحف القلعة الملكية في بابل ( سيتم تناوله بتفصيل  في مقال  في العدد 123 لشهر اب 2019  - اضغط هنا للتحميل من فضلك).

عثرت البعثة التنقيبية الألمانية، أثناء عملها في مدينة بابل، حيث موقع القصر المركزي للملك البابلي الكلدي نبوخذ نصّر الثاني (604– 562 ق.م)، على مجموعات مختلفة من الآثار الحجرية والرُقم الطينية مع تماثيل لبعض ملوك العراق القديم، ابتداءً من العصر السومري الحديث، إلى الآشوري، مروراً بالبابلي القديم، ومن بينها أسد بابل الشهير. وربما كانت بعض المعروضات غنائم حملاته الحربية على المدن الآرامية في سوريا، والحيثية في الأناضول. ويشير رقيم مسماري طيني عُثر عليه في الموقع إلى أن الملك سمح لأهل البلاد بزيارة هذا المُتحف، كما في النص الآتي: "لتشاهدها كل الشعوب". كما وجِدت رفوف مكتبة للرقم الطينية ملحقة بالمُتحف، وقد ورد في بعضها باللغة البابلية: "نسخة من بابل، قصر الملك نبوكودوري أوصّر، ملك بابل".

ويحتفظ البيرغامون في مجمع متاحف الدولة في برلين بمعظم موجودات هذا المتحف. وقد وثقها العالم الألماني أونغر في كتابه عن بابل، وهو الذي أطلق على القاعة اسم مُتحف القلعة.

 

 

مُتحف بل شالتي ننار في أور

خلال التنقيبات التي أجراها الآثاري البريطاني ليونارد وولي في مدينة أور إبان عشرينيات القرن المنصرم، عثر في حي المعابد جنوب شرق الزقورة على بناية بأبعاد(95 م x 50 م) يرقى زمن إنشائها إلى الملك السومري أمّار سين (2046- 2038 ق. م) ، وحال استكماله الحفريات في الموقع تبين له أنها بناء مستطيل الشكل يضم قسمين متشابهين شمالاً وجنوباً، ويفصل بينهما ممر طويل، وأنها في الحقيقة كانت بناية معبد سُميت (گي- بار- كو/ GI – Par – Ku).

كي باركو

لقد اهتم الملك البابلي الكلدي نبونئيد (555- 539 ق. م) بمدينة أور، وقام بحملة ترميمات واسعة ضمت الزقورة القديمة (إي– تيمين– ني- كور)، واعادة بناء الغرفة الزرقاء على قمتها. وهي غرفة كانت قد شيدتها اميرة من سلالة لارسا( القرن الثامن عشر ق.م )، وشملت ترميماته تقوية وتجديد جدران المعبد على نمط وتخطيط البناء الاصلي. يعود المعبد (الدير) لابنته الاميرة (بِل- شالتي- ننار أو نانا Bêl-Šhalti-Nannar  )، ولها اسم آخر هو (إيني گالدي نانا (Ennigaldi – Nanna /حيث يرد في نص له يقول: "أنا شيدت بيت جديد لأبنتي بِل- شالتي- ننار كاهنة سين، أنا قدمت ابنتي إلى الإله سين"، "لعل بِل- شالتي- ننار ابنتي، محبوبة قلبي، تكون قوية أمامهم، وتسود كلمتها". وهذه إشارة إلى أنها كانت تتمتع بمرتبة كاهنة عظمى (إنتو) مكرسة لإله القمر (ننار، او نانا السومري، وهو ذاته سين في الأكدية) وهيكله في أور، وكذا كانت جدتها لأبيها (أدد– كوبي) الكاهنة المعمرة في معبد إله القمر (سين) في مدينة حرّان ( وهي جزء من الشمال التاريخي للعراق)، وهو على ما يبدو نوع من عُرف نهريني وُجدت له جذور ترقى إلى عصور أقدم حين عيّن شروكين (سرجون) الأكدي (2334- 2279 ق. م) ابنته أنخيدوانا (حليلة السماء) كاهنة عظمى في أور، وهي التي أشتهرت بكونها أول شاعرة في التاريخ. وكانت هذه البناية بمنزلة  ما يعرف اليوم بدير للكاهنات. وفي جزء منها وُجد مجمع  لسكنهن، ومدرسة ملحقة ربما هي الأقدم في أور والعالم القديم، والتي كانت قد تأسست إبان العصر الكيشي (القرن الخامس عشر ق. م)، الأمر الذي يجعلها احدى أعرق المدارس حتى في عالمنا الحالي (استمرت إلى ما يربو على 8 قرون)، وكان يجري فيها تعليم الطقوس الدينية و الكتابة واللغة السومرية (الإيم– سال) او لغة النساء .

 شُيدت البناية على قطعة أرض شبه منحرفة بالقرب من مرفأ ميناء أور الشمالي، وعلى بعد حوالي (160) متر جنوب شرقي الزقورة، ووُجد في داخلها العديد من الممرات والقاعات المختلفة الحجم، وقد عُثر في احدى هذه القاعات على قطع أثرية من مراحل تاريخية اقدم من الطبقة التاريخية لموقع التنقيب آنذاك (العصر البابلي الحديث، القرن السادس ق. م)، بعضها كان يرقى إلى عصر دولة أور الثالثة (2100 ق. م) والعصور التي تلته، واستقر رأي الباحثين، ومنهم وولي، على أن هذه القاعة ربما تمثّل، بما تحويه من تحف متنوعة، أحد أقدم المتاحف، وأن مسؤولته الأميرة– الكاهنة بِل شاتلي ننار هي اول أمينة متحف في التاريخ.

 كان الملك نبونئيد مهتماً، على ما يبدو، بجمع اللقى القديمة التي يعثر عليها خلال عمليات الترميمات في المعابد والمراكز الإدارية المهمة في عموم بلاد النهرين، ومنها حي المعابد المقدس قرب زقورة أور،  التي وضع أسسها الملك السومري (أور نامو) وأتم بناءها ابنه شولگي. والظاهر أن ابنة نبونئيد ورثت عن أبيها هوس تجميع الآثار والتحف وعرضها في تلك القاعة. وتذهب احدى مدارس الرأي بهذا الخصوص إلى أن الأسباب التي دفعت هذا الملك إلى البحث عن شواهد الماضي وتجميع اللقى، ومن ثم عرضها في قاعة متحفية، ربما كانت لتعزيز الشعور بالانتماء، وبث روح الوطنية لدى السكان في وسط وجنوب بلاد النهرين، لمقاومة الخطر الآتي من الدولة الأخمينية من جهة الشرق وسعيها لغزو بابل، ولهذا عمد نبونئيد إلى الأخذ بتعابير النقوش القديمة، التي تعود إلى ما لا يقل عن 15 قرناً مضت، لتوظَّف من جديد في النقوش البابلية الحديثة، بالإضافة إلى الأخذ بكلمات من اللغة السومرية القديمة، ونظام كتابتها. ولدينا شواهد كتابية كثيرة تشير إلى فخر أهل البلاد بكونهم أكديين ولأسلافهم منجز ثر، ولا أدل على ذلك من أن مسلّتي النصر لنارام سن والشريعة لحمورابي كانتا منتصبتين إلى ما يربو تقريبا على ألف سنة للأولى، و500 سنة للثانية في أنحاء العراق القديم حتى استولى عليهما الغزاة من عيلام سنة 1158 ق. م.

شروحات مُتحفية 

الكشف المدهش هو ما وُجد من رُقم طينية أسطوانية الشكل مدون عليها بالخط المسماري شروحات التحف والعاديات في تلك القاعة، وبلغتين (السومرية  والأكدية). وفي الصورة المرفقة أسطوانة طينية بابلية كلدية فيها شروحات لقطعة متحفية ترقى إلى عصر الملك بور- سين  من سلالة إيسن (1895– 1874 ق. م)، وهو بالضبط ما متّبع في متاحف العالم في عصرنا الحالي.

 

Clay Label from bel shatli ninar museum

أسطوانة طينية مدونة في العصر البابلي الحديث ( قرن 6 ق.م ) فيها شروحات قطعة مُتحفية ترقى إلى عصر الملك بور- سين  من سلالة إيسن (القرن 19  ق. م)، مُتحف بيل شالتي ننار في أور

 

وأورد هنا بعض اللقى التي وُجدت في قاعة العاديات، والتي يتقاسمها الآن كل من من المُتحفين البريطاني وبنسلفانيا:

  • جزء من تمثال من حجر الديوريت يعود للملك شولگي، وقد جرى ترميمه بعناية ليبدو نظيفاً مع الحفاظ على الكتابة، وهو مكرّس للإلهة ننسون (سيدة البقرة البرية)، التي هي أم البطل الأسطوري ﮔلـﮔامش، والإلهة الحامية لـگودايا حاكم لـﮔش.
  • مخروط أساس من الصلصال يوضع عادةً تحت أسس الأبنية، ويعود إلى كودور مابوك، أحد ملوك لارسا، ويرقى إلى (1700 ق. م) مع رُقم طينية.
  • آجُرّة طينية عليها اسم الملك بور- سين من سلالة إيسن الأولى (1895- 1874 ق. م) منسوخة من قبل كاتب اسمه نبو شوم ايدينا.
  • حجر حدود (كُدُرُّ)* أسود اللون يعود إلى الحقبة الكيشية (حوالي القرن الرابع عشر ق. م)، وقد سُجل عليه منح أرض وتحديد مساحتها، وكيفية الحصول على الهبة من الملك، ونُقشت عليه لعنات، إلى جانب رسم ثعبان مع رموز الآلهة المختلفة.
  • رأس صولجان من الحجر خالٍ من النقوش، وتماثيل صغيرة على شكل كلاب من الطين (الكلب يمثل آلهة الشفاء كولا).

من خلال استعراضنا اعلاه، تكشفت لنا مرة اخرى ريادة العراقيين القدماء في مجال المنجز المعرفي والذي يُضاف إلى مجالات أخرى معروفة، ليثبتوا وعن جدارة صدق المقولة الشهيرة لعالم السومريات صموئيل نوح كريمر أن " التاريخ بدأ من سومر".

 

__________________________________

* كُدُرُّ (كودورو) كلمة أكدية تعني حدود أو حجر حدود تُستخدم لتحديد الملكيات الخاصة من الأراضي، وكسند ملكية قانونية في الوقت نفسه، كما يقول الباحث خالد حيدر العبيدي، وهي الأصل في كلمة ( قُطر وجمعها أقطار) وكذلك ( كُتُر) المستخدمة في اللهجة العراقية المحلية (الكاتب).

نموذج لحجر كودورو من العصر الكيشي

 حجر الحدود (كُدُرُّ) الذي عُثر عليه في أور -  العصر البابلي الكيشي ( حوالي القرن 15 ق. م ) ، مُتحف بل شالتي ننار في أور

 

المراجع:

 1- بابل، د. مؤيد سعيد بسيم، عمان، 2011.

 2- أور الكلديين، ليونارد وولي، لندن، الطبعة الثانية، 1950.

 3- أحجار كودورو البابلية، خالد حيدر العبيدي، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الموصل، 2001.

 

________________________________________________

 

 

 

Write comment (0 Comments)

الآثار العراقية سيرة حياة الحضارة وسجلُّها المجيد - ملحق الشبكة العراقية

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

بقلم ريا عاصي

 مجلة الشبكة العراقية ( اضغط هنا من فضلك )3 2

أذكر ذلك اليوم جيداً، يوم كان عمر ابني 13 عاماً، وكان يتعافى من ثقوب أطاحت بذاكرته بعد أن شهد مقتل جارنا أمام عينيه، ومرّ بجثّة ملقاة في طريق مدرسته الابتدائية، أراد حينها أن ينسى شيئاً اسمه العراق، وهو الذي لم يعش داخله الا أعوامه العشرة الأولى، وقف ابني في مدرسته الحديثة في إحدى مدن المنفى أمام طلبة صفه ومعلم التاريخ ليريهم صورة بعد أخرى متحدثاً عن سومر وبابل وأوروك وأول حرف كتابة، وأنهى عرضه بصورة كلكامش التي وقف قربها وقال: إنني أنتمي لهذا الرجل فأنا ابن أوروك العراق. يومها عرفت حقاً أهمية التاريخ.


أين يقع المتحف الوطني العراقي؟
بعد أن كلفني مدير التحرير بكتابة موضوع عن المتحف العراقي، نشرتُ صورة لي داخل أروقة المتحف العراقي في إحدى مجموعات الفيسبوك وسألت: أين تتوقع هذه الصورة؟ علق على منشوري هذا خمسون شخصاً، أغلبهم توقعوا أن تكون التُقطت في احدى قاعات متاحف أوروبا، خمسة منهم فقط عرفوا أنها في المتحف العراقي، لكن الذي أصابني بالذهول هو أن عشر فتيات سألنني: أين يقع هذا المتحف؟
في بلد خطّ فيه الحرف الأول في العالم وقدم للبشرية العجلة وقياس الزمن، ما يزال بعض أبنائه يجهلون اليوم اين يقع متحفه الوطني الذي يضم كنوز أسلاف هذه الأرض التي يمتد جذر تاريخها 7000 عام في عمق التاريخ. فمن المسؤول عن هذا الجهل والإهمال يا ترى؟

 

أين الآثار العراقية؟ ومن يحميها؟
صرح رئيس الوزراء الدكتور عادل عبد المهدي، في مؤتمره الصحفي أثناء زيارته الأخيرة للمتحف الوطني بتاريخ 11 حزيران 2019 “أن العدوان الذي حصل على العراق لم يكن فقط عدواناً على المدن والقرى والأهالي، ولكنهم حاولوا تدمير الأثر العراقي والذاكرة العراقية، والشعوب التي تنقطع عن ذاكرتها يتهدم لديها الكثير، لذا نحن نحاول استعادة الآثار العراقية المهرّبة، وهناك 15 ألف قطعة أثرية جاهزة للشحن من الولايات المتحدة الأميركية استعيدت وسلمت للسفارة العراقية في واشنطن.” وفي المؤتمر نفسه تحدث وزير الثقافة والسياحة والآثار الدكتور عبد الأمير الحمداني مبيناً أن هذه السرقات جرت في التسعينات من المحافظات الجنوبية، قرابة عشرة آلاف قطعة تمثل رقيمات طينية وبعضها سرقت بعد عام 2003 من قبل شركة أميركية، تمت ملاحقتها واستعادة الآثار المسروقة منها، والعالم اليوم يقف معنا في استعادة آثارنا، كما أن الأردن سلمتنا 1300 قطعة أثرية بعد أن وقعنا معهم معاهدة للتعاون بإعادة الآثار العراقية.


متى بدأت سرقة آثار العراق؟
متى بدأ نهب الآثار؟ سؤال توجهت به “مجلة الشبكة” للباحث العراقي عبد السلام صبحي طه، مترجم كتاب (الكارثة ..نهب آثار العراق) فأجاب:
“جريمة نهب الآثار في العراق لها جذور ترقى الى بدايات الألفية الميلادية الثانية، جراء فضول الرحّالة حينها، ففي عام 1160 زار الرحّالة بنيامين التطيلي، وهو يهودي من الأندلس، بابل ونينوى ووصف المدينتين، ولدينا من الرحالة العرب ابن بطوطة وياقوت الحموي اللذان أثارت كتاباتهما ووصفهما للبلاد فضول العديد من الرحّالة والمهتمين الأوربيين، اذ يرد ذكر العراق في الكتب الدينية والكلاسيكية على نحوٍ غامض، حتى جاء الرحالة الإيطالي بيترو ديلافالي الذي زار العراق عام 1620، وبعده جاء كارستن نيبور عام 1765م واستنسخ كتابات مسمارية، تلاه الفرنسي ميشو الذي أخذ معه (حجر ميشو) الشهير وهو حجر حدود (كودورو) ومن بعده الأب دوشامب من الكنيسة الفرنسية الذي اكتشف أسد بابل عام 1785.” وأوضح طه: “بعد هذه المرحلة بدأت الدول الأوروبية تهتم بإرسال باحثين ولم تكن الكتابة المسمارية حينها مقروءة بعد، في منتصف القرن التاسع عشر أرسلت حكومة فرنسا بول إميل بوتا الذي شَحنَ أول الثيران المجنحة الى اللوفر في باريس، ومن بعده أرسلت بريطانيا الحفّار اوستن هنري لايارد في 1845 واستطاعوا أن يحصلوا على إذن بالحفر من موظف رفيع في الأستانة (اسطنبول) وكان العراق حينها تحت الاحتلال العثماني، ورد في رسالة الأستانة (يرجى تسهيل مهمة اوستن هنري لايارد في الحفر في خرائب الصحراء واستخراج الأحجار المدفونة وإرسالها الى بريطانيا). وأضاف: بهذه الورقة نُهبت آثار نينوى ونمرود وأُفرغت قصورها وتم شحنها الى بريطانيا، كما أن لهذه الورقة اثر كبير في نهب كثير من الآثار. وفي عهد المس بيل كان يتم تقسيم اللقى التي يتم العثور عليها مناصفة، إن كانت منها نسختان، فنسخة الى العراق والأخرى لبريطانيا، وإن كانت وحيدة فتبقى في العراق أو يعمل بها قرعة بـ(الطرّة والكتبة). “في عام 1889 دخلت البعثة الألمانية التي ترأسها مهندس معماري اسمه روبرت كولدفي، ويعد ذلك التاريخ البداية الحقيقية لعلم التنقيب، وقد اكتشفت البعثة بوابة عشتار وشارع الموكب الذي اسمه يعني “لن يمر الغزاة”، وعمل كولدفي حتى بدء الحرب العالمية الأولى عام 1914 فترك كل ما تم العثور عليه في صناديق خشبية، وعند قيام الدولة العراقية وافقت المس بيل التي كانت تدير المتحف العراقي الذي أقيم في الرصافة وهو (المتحف البغدادي اليوم) على شحن هذه الصناديق الى برلين بحجة الصيانة، ولم تعد حتى يومنا هذا، وهو ما نشاهده اليوم من بوابة عشتار داخل متحف برلين.”


قانون الآثار العراقي
الدكتور عبد الهادي فنجان مدير قسم النشر في مديرية الآثار قال: “في عام 1922 سُنّ أول قانون يحمي الآثار العراقية ووقع عليه الملك فيصل الأول وكانت المس بيل هي مديرة المتحف آنذاك، وفي عام 1936 بعد استقلال العراق تشكلت اللبنة الأولى لدار الآثار العراقية وتم تطوير قانون حماية الآثار وأرسلت الوجبة الأولى من الطلبة الى الخارج لدراسة الآثار وهم فؤاد سفر وطه باقر اللذان شكّلا الرعيل الاول من المنقبين الآثاريين العراقيين، فقد حافظ كلاهما على آثار البلد وحالا دون نبشها وسلبها مدة خمسين عاماً، كما افتتحا قسم الآثار في كلية العلوم والآداب آنذاك في بداية خمسينات القرن المنصرم ناهيك عن أعمالهما في التنقيب والبحث التي أضافت للمتحف وللعراق آثاراً وكنوزاً مهمة فضلاً عن الدراسات والبحوث التي أجريت في وقتهما وبعده.”
وعن عودة أعمال نبش الآثار العراقية وتهريبها، سألنا الأستاذ عبد السلام صبحي طه، فأجاب:
“زادت عمليات نبش الآثار العراقية وتهريبها في تسعينات القرن المنصرم وذلك لضعف سيطرة الدولة، ونتيجة تهميش المواطن العراقي وتجويعه جرّاء الحروب والحصار، وعلينا أن نعترف بضمور الوعي عند بعض المواطنين، وثمة اعتقاد خاطئ مفاده أن أي شيء له علاقة بالآثار مرتبطٌ حتماً بالسلطة، الأمر الذي عدّه المتاجرون بالآثار مسوّغاً للحفر والنبش والتهريب، لاسيما بوجود مشترين مهتمين من تجار الانتيكات، وهؤلاء بدورهم يهربونها إلى خارج حدود العراق لتذهب الى مؤسسات ومتاحف وجامعي آثار تهمهم قيمة هذه الآثار النفيسة لندرتها، كما أن بعض سكان الأماكن والقرى النائية ليس لديهم وعي كافٍ بأهمية الآثار التاريخية والوطنية.
•كيف يمكن إعادة هذا الوعي؟ ومن هي الجهات المستفيدة من نهب آثار العراق؟
“الآن أكاد أجزم أن أغلب دول العالم (ولن أعمم بالطبع) يحسدنا ويتمنى أن يرى إرثنا مسروقاً أو مهرباً الى بلادهم لأنهم يعتقدون أننا ببساطة لا نستحقه، فنحن بالنسبة لهم مجرد ورثة محل انتيكات ثمينة. إن الذي جاء متأبطاً التوراة في القرن التاسع عشر هو سَلف من يسرق الآن بذرائع شتى، سيّان إذا كان بروفسوراً في جامعة مرموقة أو موظفاً في دار مزادات في الجادة الخامسة في نيويورك أو لورداً بريطانياً حارب جدُه العثمانيين في الكوت… في قلب الظلام تجد الجوهر ذاته.”
ويوضح صبحي طه: “ما لدينا من إرث لأسلافنا العراقيين القدماء محروس ومحفوظ الآن في مخازن متاحف الغرب بقوة الأساطيل والعسكر ومنظومة قوانين دولية هم من سنّها وفرضها ولم يستشيرونا بها. هذه الأساطيل هي ذاتها التي دمرت وسحقت العراق وأهله، ويقف عملاؤها خلف الحدود لشراء هذا الإرث من نفر ضال باع ضميره الوطني، والمستهجن حقاً أن بعض هؤلاء المشترين مؤسسات أكاديمية مرموقة وعائلات ارستقراطية عريقة.
ويضيف: “المطلوب إيصال الإنسان العراقي إلى مرحلة اليأس من إمكانية الحفاظ على إرث أسلافه، وهذا خطاب شائع اليوم وله منظّرون حتى من نخب المثقفين العراقيين مع الأسف الشديد، إذ يشيعون أن الغرب أحرص منا على إرثنا ولولاهم لضاع كل شيء!. هذا اليأس له روافد على الأرض، منها وضع الإنسان غير المناسب في المكان المناسب وتكبيل الكفاءات الوطنية وتقويض الانتماء الوطني والشعور الجمعي بالهوية الوطنية والذاكرة المقدسة ووحدة البلاد. اليوم توجد ماكنات إعلامية تضخ أفكاراً مسمومة تشجع بعض الأخوة على القول إنهم أحفاد الآشوريين أو البابليين وأنهم ليسوا بعراقيين، وأن الأكراد آريون، وأن عرب الجنوب سومريون ولا علاقة لهم بسكان العراق، أما الأكديون فهم محض بدو من شبه الجزيرة، أي بالمختصر أن ما تحت الأرض ليس لنا وعلينا التسليم بعدم أحقيتنا في الفخر به أو الحفاظ عليه ومنحهم كل الإجازات للتنقيب وربما غض النظر عن المسروق منه كما طُلِب من وفد العراق في مؤتمر علم الآشوريات العالمي ذات مرة.


ويعود الدكتور عبد الهادي فنجان مدير قسم النشر في مديرية الآثار فيحدثنا قائلاً: “توجد في مكتبة المتحف غرفة تسمى غرفة التنقيبات وتوجد داخلها كل نتائج التنقيبات التي مرت على العراق وتقاريركل التنقيبات، فمثلاً توجد خارطة للإخيضر عليها كتابات “لايارد” و “مس بيل” وكل من اهتم وبحث عن الإخيضر، لذلك مكتبة المتحف هي كالمتحف نفسه في الأهمية، فكل كتاب داخلها هو كنز من كنوز المعرفة، لكن للأسف لا يزورها إلا طلبة الدراسات العليا، في حين كانت تعج بالمنقبين والباحثين عن الآثار.”
يضيف فنجان: “مجلة سومر التي تعنى بالآثار العراقية والتنقيبات والبحوث (أسست عام 1945) ما زالت تصدر، وقد أصدرنا العدد (63)، أنجز قسم النشر فيها موسوعة آثارية اعتماداً على أعداد مجلة سومر الثلاثة والستين، وقد صنفنا البحوث على وفق منهج معين، فمثلاً هناك 1300 صفحة طُبعتْ في أربعة مجلدات عن كل ما كتب وقدم وتم التنقيب عنه مثلاً في بغداد، ومثل هذا الإجراء المنهجي طُبق على الإخيضر وكلكامش والطوفان والمدائن، وقد تولّت إحدى المؤسسات العراقية طباعته وتسليم نسختين للمكتبة، ونحن مستمرون في هذا الجهد لتسهيل مهمة الباحث العراقي.”
• ما الذي يحتاجه قسمكم في دائرة الآثار؟
“نحتاج أشياء من قبيل الآليات مروراً بالتدريبات والمراجع والمباني، لكن ليست لدينا تخصيصات كافية للنهوض بالمكتبة.”


وفي حوار مع السيدة لمى ياس مدير عام المتاحف وكالة أخبرتنا الآتي:
“وزارة الثقافة تولي الآثار اهتماماً واسعاَ، لكن العقبة الحقيقية هي غياب الدعم المادي، يحتاج المتحف الى تدريب ملاكاته وتهيئة فريق متخصص بعلم الأنثروبولوجي يعي أهمية الآثار وكيفية النهوض بالعمل، ما زلنا غير محصنين بشكل يتيح لنا عرض كل مقتنيات المتحف العراقي المهمة، فمثلا كنز النمرود لا يمكننا عرضه بسبب تعرض المتحف العراقي للسرقة في أحداث 2003 وما تلاه من إرهاب، اذ نحن لا نعاني من سرقة المتحف فقط بل نعاني من سرقة مواقع أثرية كثيرة وتدميرها من قبل مجرمي داعش.”
تضيف السيدة لمى ياس: “نحن اليوم على اتصال مباشر مع متاحف العالم مثل اللوفر في باريس وبيرغامون في برلين ومتاحف الولايات المتحدة الأميركية لعمل رؤية مشتركة لما يحويه المتحف من كنوز من أجل عرض كنوزه بطريقة حضارية جديدة، وبدأنا بعمل دورات تدريبية لغرض تطوير العمل بشكل سريع.”
•هل استرد المتحف مقتنياته المسروقة؟وهل سرقت كنوز النمرود حقاً كما أشيع؟
“المتحف كما تعرفون تعرض للسرقة عام 2003 وقد سرقت 15000 قطعة استعدنا منها 2800 قطعة، من ضمنها قطع المفاتيح الأصلية للحضارات وما زلنا مستمرين وعازمين على إعادة كل ما سرق، ولكن كنوز النمرود لم تسرق لأنها كانت في مواقع بديلة وما زالت محفوظة في مكان آمن الى حين تحسين وضع المتحف وتجهيزه وتطوير آلياته التي تحمي نفائسه.”
•اعلن وزير الثقافة والآثار عن النية في زيادة ساعات افتتاح المتحف، فهل تتوفر لديكم ملاكات كافية لذلك؟
“العمل جارٍ على تهيئة ملاكات المتحف العراقي لتقسيم المهام، فالأمر سيتطلب منا العمل صباحاً ومساءً وأثناء العطل، لكننا قادرون على ذلك قياساً الى أعداد زوار المتحف حاليا”، ويقف عائقاً أيضاً ضيق مساحة المتحف العراقي وعدم وجود عارضات محمية تكفي لعرض الآثار بصورة فنية وحديثة وتصون الاثر.”
•كيف نعيد للعراقي اهتمامه بآثار العراق؟
“المتحف العراقي أغلق أبوابه منذ الثمانينات بسبب الحرب وبقي يفتح أبوابه ثم يغلقها، لذا لم تتكون وتتبلور لدينا ثقافة زيارة المتاحف والتعرف عن قرب على آثار العراق، لكننا نراهن على الطفل إذا تمكنّا أن نزرع في وعي هذه الأجيال أهمية المتحف وآثاره، فبعد عشر سنوات أو عشرين سنة سنحصد ثمار ذلك من زيادة في الوعي واهتمام العراقيين بإرثهم وهويتهم.”


حاولت مقابلة العاملين في المتحف، إلا أن التعليمات تقضي بمنع المقابلات الصحفية، لذا حاورت السيدة أمل بورتر، وهي الفنانة العراقية المقيمة في بريطانيا وكانت قد عملت خمسة عشر عاماً في المتحف العراقي قبل مغادرتها العراق، تقول بورتر:
“كان حلمي أن أعمل في المتحف العراقي لأنني كنت مولعة بقصص أحد أقارب أمي الآثاري الدكتورفرج بصمه جي الذي كان يزورنا في كركوك. تقدمت للعمل في المتحف قبل عام من افتتاحه أي في عام 1965، وعملت بنظام القطعة وكانت مهمتي مع زميلي مازن فؤاد سفر هي أن نساعد الشركة الأوروبية في توفير احتياجاتها من صور وخرائط وترتيب الخزائن وغيرها من المتطلبات، وكان المشرف على عملنا متخصصاً بولونياً يتكلم الانكليزية، وبعد افتتاح المتحف ثُبت أكثرنا وأصبحت موظفة بعد اجتياز مقابلة اختبار من مجلس الخدمة وتأكيد مديرية الآثار على خبرتي بالعمل في المتحف، عملت في قسم النشر والتصوير والقسم الثقافي والإشراف على المطبوعات.”
تضيف بورتر: “حزنت كثيراً على سرقة الآثار وأعلم بوجود سوق أوروبية معنية بشراء الآثار ولا تهمها مرجعيتها، لذلك عملتُ حملة أسميتها “أوقفوا المتاجرة بآثارنا” و”أحدّثُ” صفحتها وحدي وأجمع التواقيع وأقيم محاضرات توعوية، علّي أسهم في إعادة اي أثر مفقود”، واليوم تسعى وزارة الثقافة والسياحة والآثار إلى ضم مدينة بابل الأثرية إلى لائحة التراث العالمي، وتحويل سجن نكرة السلمان إلى معلم تراثي، وتحاول الوقوف بوجه من يحاول هدم البيوت التراثية، فالآثار والمحافظة عليها وإدامتها هي مهمة الجميع لا الوزارة وحدها ولا الحكومة، لأن الحكومات تتعاقب أما الآثار فتظلُّ تروي سيرة بلد عمره 7000 عام.”


في الختام يصر السيد طه على أن نمنحه القول الأخير، فيعقب بالقول :
لدينا الآن 15 ألف موقع أثري مسجل رسمياً في مسوحات هيئة الآثار، 1500 موقع منها فقط هي التي جرى استكشافها واستخراج كنوزها منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وقد سردنا في مكتشفات هذه المواقع سيرة البشرية وكيف علمناها الكتابة والمشي على درب الحضارة، بقيَ لنا 13500 موقع لم يمسس أياً منها معول حفار، فأيُّ قصص ستسرد هذه المواقع عن بلاد النهرين العظيمة التي بدأ منها التاريخ؟

Write comment (0 Comments)

وقائع ظهيرة بابلية في باكو

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
من وقائع المؤتمر 43 للتراث العالمي المنعقد في باكو ( عاصمة جمهورية اذربيجان )
تقرير موفد (العراق في التاريخ) عبدالسلام طه
 
conf baku 6
 
 
1- بابل : وفود امم الارض برمتها انحنت لبابل بمجرد لفظ الاسم ، دلفت القاعة بكامل ما تبقى من ابهتها ، كاميرة من بلاط امبراطوري قديم، الكل ترقرق الدمع من مآقيه لان ام الحضارات لاتزال شريدة وتعاني الاهمال، ممثل بوركينا فاسو مثلا قال هذه مهد ما نحن عليه الان ، عقب ممثل الصين بما معناه، علينا ان ننصف بلاد الحضارة الاولى و نرفع الحيف عنها. رئيس الجلسة ووزير الثقافة الاذري صرح للاعلام المحلي ، اتخذ القرار بالاجماع وبلا اعتراض : من سيتشرف بهذا الادراج بالنهاية بابل ام اليونسكو ؟- استغرقت المناقشات الجادة بالتفصيل الممل بحدود 17 دقيقة وهو اطول مدة من بين لكافة الملفات ، حال الانتهاء من التصويت خرجت القاعة برمتها لتهنئة الوفد العراقي وكلا التفصيلتين لم تحدث مع اي من الملفات الاخرى التي سبقت ملفنا.
2- الحمداني : نجح في قيادة فريق تفاوضي فني ، استلم ملفا سبق توزيره ولكنه كان مفاوضاً دبلوماسيا محترفا تمكن من اخراج الملف من عقدة ( موقع تراثي في خطر ) الى ادراج كامل غير مشروط، سوى تشكيل لجنة خبراء مشتركة مع الاي كوموس واليونسكو للتعاون .اللقاءات الجانبية مع رؤوساء الوفود وفرض الهيبة بالحضور والتحدث بالانكليزية بطلاقة كان لها دورها، ليس الامر متعلقا بشخص موظف واحد احد لا شريك له هو من قام بتهيئة الملف بنفسه بدعم من اولياء نعمته الفرنجة، كما يشاع من قبل اعوان هذا الموظف المسكين ولن ادخل في التفاصيل لانها مخجلة بحقه، فحذار يا هذا والشطط، انما هو منجز فريق كامل كما ورد في تصريح الوزير في التصريح الإعلامي ، اذكر منهم من حضر مع التقدير لمن لم يحضر ( د. اياد كاظم داود مدير قسم المنظمات الدولية في هيئة الاثار، الاثاري حسين فليج خليل مدير اثار بابل، د. محمد صبري من قسم التحريات في الهيئة ).وبالطبع الشكر موصول للرجل من اور ( د. الحمداني ) . ( الصورة في المنشور على اليسار للوفد الفني ).
3- زها حديد : كانت معنا ومن حولنا ( مركز حيدر علييف الثقافي ) ، اتمنى ان ما حصل من نجاح لبابل قرب فضائها المعماري سيبهجها في العالم الاخر. الصورة المرفقة للعمل النحتي من فناء المركز>
4- موقف العرب : تونس والكويت كانتا سندا اخويا في المناقشات لن ننسى لهما موقفهما ، موفد تونس بالذات جاهد بالنقاشات النهائية جهاد الصحابة ، كان و الحمداني يشكلان دويتو رائع. لكن دولة البحرين مع الاسف لم تكن تود لنا الخير كله وتبسمت بضيق.
5- ارقام : 83 % من بابل القديمة لا يزال غير منقب ، التصليحات الفنية التي شكلت عقدة كبيرة و نفذت في الثمانيات لا تشكل سوى نسبة بسيطة جدا من حجم الموقع ككل .لا يجوز ان نحكم بالكل المهدد بسبب جزء اعترف العراق بلا احترافية تنفيذه.والتزامه المالي دون منية لتنفيذ الصيانة الضرورية.
6- استنتاج : اغلب الجمهور العراقي شعر ببهجة وفرح ، حتى من لا يدرك ابعاد الامر، والاخر اخذ ينتف ريش الموضوع و ينتقص منه وله اسبابه وبعضها في جوهره ذو وجاهة عقلانيا لا تهريجيا، المهم اننا انتزعنا الاعتراف ( الصعب ) وقد بينت في منشور سابق ان لا يغيب عن بالنا لوهلة اسرائيل و اميركا كانوا سابقا بالمرصاد للموضوع من جهة ايديولوجية ( عقائدية ) باطنا، تنفيذية فنية ظاهرا.
7- محطتنا المقبلة، اعداد فريق وطني متكامل ومدرب احترافيا من الشباب ، لتحمل مسؤولية الملف التراثي الثقافي الغني لبلادهم كما هو حاصل مع بقية الفرق الدولية التي التقيناها بتوزيع المهام والمسؤوليات ، ولا بد من التقليل من حجم الانفاق على ضيوف  لا يوجد ضرورة لحضورهم من البرلمان ومجالس المحافظات للاستعراض الفج والمزاحمة على الكراسي امام الكاميرات.
 
 
 
 
 
Write comment (1 Comment)

يا أمي ساقص عليك الرؤيا ( قراءة صوتية باللغة الاكدية مع ترجمة بالعربية من اللوح الثاني لملحمة كلكامش )

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 3 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

 

Gilgamesh Enkidu cylinder seal2

طبعة ختم اسطواني تظهر مشاهد من الملحمة ( كلكامش يرفع الاسد الى اليسار  و انكيدو يمسك ثور السماء من قرنيه ) وقرص الاله شمش يتوسط المشهد  

قراءة في اللوح الثاني (الاسطر 1 الى 38 النسخة البابلية القديمة)  من ملحمة كلكامش * ، يستيقظ ملك اوروك من نومه وعليه طيف من غم ، لقد شاهد رؤيا مقلقة في منامه ، سيقصها على امه الالهة ( نن - سون ** ) ويطلب منها تفسيرا كي ترتاح روحه.
النسخة جزء من المشروع الصوتي للادب العراقي القديم ( جامعة سوس ) و تم اعتماد نسخة اندرو جورج ، طبعة جامعة اوكسفورد 2003.

( ملاحظة : الصورة المصاحبة للقراءة هي من طبعة ختم اسطواني و ليست لراكان دبدوب كما ورد سهوا ) ...

_______________________________________________________________________________________________

* كلكامش او بلكامش :  واسمه يعني كبير الجاموس (الثور المجلجل –    المعمر الذي يبقى شاباً – المحارب الذي في المقدمة – الرجل الذي سيُنبت شجرة.

**  ننسون او نين - سون : واسمها يعني  بقرة السماء

 

 

Write comment (0 Comments)

في المُتحف العراقي ، آثار لا نظير لها

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

تقرير  : اليسا روبنAlissa J. Rubin )  مديرة مكتب صحيفة النيويورك تايمز في بغداد . في عدد 6 حزيران 2019 .

ترجمة : عبدالسلام صبحي طه، نُشرت في مجلة بين نهرين ( العدد 122 لشهر تموز 2019 - أضغط هنا من فضلك لتنزيل النسخة الالكترونية )

الصور الفوتوغرافية : سيرغي بونوماريفSergey Ponomarev  )  من النيويورك تايمز.

00iraqmuseum dispatch superJumbo

إن كان لذاكرة الناس ان تحتفظ بشيء عن المُتحف العراقي، فمن المرجح أنها الصور المتلفزة لنهبه عام 2003 والقوات الأمريكية تراقب من دباباتها.

إناء الوركاء النذري هو واحد من أنفس القطع الفنية في المتحف، يرقى إلى خمسة آلاف عام،  ويُظهر أن أبناء بلاد النهرين القديمة قد نجحوا في زراعة القمح والفواكه ونسج الأقمشة وتصنيع الفخار. وعندما قام أحدهم بسرقته (إبان أحداث المتحف عام 2003، المترجم)، فإن جزءا من تاريخ البشرية كان على وشك الضياع.

وينطبق الأمر ذاته على قيثارة أور، وهي آلة موسيقية عمرها 4500 عام، ومطعمة بالذهب والفضة والعقيق.

754c003b8f094ab4b0b541d551d45fdc 2 superJumbo 1

 

قيثارة أور الذهبية، حقوق الصورة سيرغي بونوماريف

في صباح اليوم الثاني من نكبة المتحف عام 2003، كنت حاضرة، وقد أوقفتني على بعد حوالي 150 قدمًا من مدخل المتحف حشود من العراقيين يهرولون، يتشبث بعضهم بقطع طينية لم أتمكن من تحديدها، ويحمل بعضهم الآخر أثاثًا مكتبيًا وخزانات وأجهزة كهربائية.

عدت إلى المُتحف، في ربيع هذا العام، بعد 16 عامًا، وكان قد أعيد افتتاحه عام 2015 بعد أن قام المرممون بإصلاح الأضرار، وساعدت الدول الأوروبية، ضمن جهود مشتركة مع آخرين، في إعادة تأهيل العديد من قاعات العرض، ومع ذلك، كنت أتوقع أن أرى قاعات فارغة، لكن عِوضًا عن ذلك وجدت المتحف، بالرغم من فقدان 15000 قطعة أثرية، معبأً بمجاميع مدهشة.

754c003b8f094ab4b0b541d551d45fdc 1 superJumbo 1

في المُتحف، يقوم الخبراء بترميم رأس ثور مجنح،حقوق الصورة سيرغي بونوماريف 

يُقدر مؤرخو الفن مدى استثنائية المجموعة (الآثارية العراقية، المترجم). وبالرغم من تحسن الوضع الأمني، نسبيًا، في بغداد اليوم، فإنها، أو المتحف، لا تُعد وجهة رئيسية للعراقيين بعد، وبدرجة أقل بكثير للسياح الأجانب.

يصرّح كريستوفر وودز، مدير المعهد الشرقي في جامعة شيكاغو، والذي قام مؤخراً بزيارة إلى بغداد، قائلًا: "هناك أشياء لا نظير لها في أي مكان آخر من العالم، خاصة من تاريخ بلاد النهرين، إنها مجموعة أثرية مثالية".

وفي تصريح للدكتور عبد الأمير الحمداني، وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقي الحالي، الذي تسنم منصبه مؤخراً، قال: "بالإضافة إلى استرجاع القطع التي نُهبت (حيث تمت استعادة 4300 قطعة)، فإن التحدي الكبير الآن هو جعل المتحف في متناول أكبر عدد ممكن من العراقيين".

وضاف السيد الحمداني، وهو آثاري محترف حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة ستوني بروك في ولاية نيويورك: "لقد وجهت المتحف بضرورة افتتاحه يوميًا مع السماح للطلاب الدراسين والخريجين بالدخول مجانًا". وتابع الوزير أنه "لا يزال من الصعب تشجيع الزوار، وخاصة الشباب العراقيين، واقناعهم بأن ما في المتحف ذو صلة بحياتهم".

وبالرغم من أن مدارس عديدة تقوم الآن بزيارة المتحف أكثر مما كانت عليه في الماضي، فإنه لا يوجد الكثير من وسائل العرض المساعدة للزائر، كمنهاج الزيارة أو الوسائط السمعية والبصرية. يعدو التلاميذ في القاعات ويتوقفون للمس اللاماسو ( الثور المجنح ) ، أو أي تمثال آخر ثم يخرجون!

في بعض الأيام يكون المتحف فارغًا تقريبًا، كما كان عند زيارتي، باستثناء عدد قليل من المراهقين، وثلاثة رجال من محافظة ديالى حضروا يوم إجازتهم، وكانوا حريصين على الحصول على المعلومات، لكن بالكاد قرأوا الشروحات المثبتة في كابينات العرض.

إن مجموعة المتحف شاملة إلى درجة أن مؤرخي الفن يعتقدون بإن محاولة التحدث عنها برمتها مهمة شاقة.

يقول باولو بروساسكو، عالم الآثار ومؤرخ الفن بجامعة جنوا الإيطالية، الذي عمل على نطاق واسع في شمال العراق: "ما يلفت النظر حول المتحف العراقي هو التسلسل الزمني الذي يغطيه".

يرقى تاريخ بعض القطع في المتحف إلى حوالي 4000 سنة قبل الميلاد، أي ما يزيد عن ثلاثة آلاف عام قبل أن يذكر هوميروس السفن في بحر إيجة، أو زمن تدوين العهد القديم.

754c003b8f094ab4b0b541d551d45fdc 5 superJumbo

تمثال" آبو" إله الخصوبة مع زوجته، يرقى تاريخه إلى حوالي 2800 و2600 قبل الميلاد، حقوق الصورة سيرغي بونوماريف .

ويعترف السيد بروساسكو قائلًا: “في حين أن هناك أمثلة رائعة للفن السومري خارج العراق، ولا سيما في متاحف اللوفر والبريطاني والدولة في برلين والمتروبوليتان، وكذلك المعهد الشرقي في شيكاغو، فإن المتحف العراقي  هو الذي حوى كل شيء".

يرقى تاريخ المُتحف إلى أوائل عشرينيات القرن العشرين عندما ساعدت جيرترود بيل، السياسية والمغامرة البريطانية، في تأسيس العراق الحديث، وتعاونت مع الملك فيصل الأول لإنشاء المتحف العراقي لتحجيم هوس الآثاريين الغربيين في الاستحواذ على كامل إرث البلاد، وقد فرضت تشريعات تشترط تقاسم المستكشفات بين الحفارين الأجانب والمتحف بالنصف على الأقل.

ينص القانون العراقي اليوم على أن أي شيء يُعثر عليه في العراق يبقى فيه، وهذا يعني أن مجموعة المتحف ستستمر في النمو، حيث يوجد حوالي 13000 موقع أثري في العراق، والحفريات مستمرة بحسب السيد الحمداني، لكنه يرى أن التحدي الرئيسي الذي يواجهه هو تقديم منهج تعريفي وعلمي ممتع لزوار المتحف، ويعقّب بالقول "علينا منح الزوار سياقًا ويضيف "إن وضع القطع الأثرية في صندوق يشبه الموت"، في إشارة إلى كابينات العرض الزجاجية، ذلك أن "الفن في الصندوق ليس له روح".

أحد الأعمال العظيمة، وهو إناء الوركاء النذري، يبلغ ارتفاعه ثلاثة أقدام، وقد تمت استعادته (جراء نهب المتحف، المترجم)، يتضمن خطابًا بصريًا مدهشًا، لكنه أكثر من ذلك بكثير عندما يتم تقديمه بطريقة ممتعة.

warka vase

إناء الوركاء النذري، يرقى إلى حوالي 3300 ق. م، حقوق الصورة Alamy

"إناء الوركاء، على سبيل المثال، تم العثور عليه في أوروك، بمحافظة المثنى الحالية، والذي يعتقد علماء الآثار بأنها كانت أكبر مدينة في العالم في ذروة مجدها، فهنا عُثِر على أقدم نماذج الكتابة- بالخط المسماري- مدوناً على ألواح الطين. وهذا الإناء هو مثال نادر على عراقة فن السرد، فهو يحكي قصة في أربعة فصول".

ويُعقب السيد بروساسكو: "إن الإناء يُظهر فلاحين يقتربون من الملك للاحتفال بمهرجان أكيتو والعام الجديد، وقد جلبوا الحبوب والأغنام والذهب والشعير".

Salam5

Write comment (0 Comments)

الألواح المسمارية البابلية في متحف " أرض التوراة " بالقدس

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم

نُشر المقال في العدد 121 من مجلة بين نهرين لشهر حزيران -  2019 ( لتحميل نسخة الكترونية من عدد المجلة - أضغط هنا )

لتحميل المقال فقط  ( أضغط هنا ) - سلسلة ذاكرة العراق في السوق السوداء

( النسخة ادناه خاصة بالمدونة -  مزيدة ومعززة بصور اكثر من نسخة المجلة )

 

عبد السلام صبحي طه

 

صورة 1  

عرض متحف "أرض التوراة او بلدان الكتاب القُدس " بمدينة القدس في شباط من العام 2015 ما يربو على 200 رقيماً طينياً مدوناً بالخط المسماري واللغة البابلية الحديثة، وترقى هذه الرُقم إلى العصر البابلي الحديث (الكلدي، القرن السادس ق.م). إدارة المتحف وضعت عبارة صريحة ضمن ادبيات المعرض مفادها هذه القطع تُعرض بأذن من مالكيها مقتني العاديات والقطع الأثرية القديمة والمتاحف المختصة بتاريخ اليهود.

 

بحسب موقع المتحف وما تم اشهاره عن العرض آنذاك فانه يُعد أحد اهم المعارض التي تمت استضافتها في إسرائيل 300px Al Yahudu Tablets3 croppedلخصوصية وندرة القطع الاثرية التي تُعرض علناً امام الجمهور، فقد اختص بتفاصيل حياة اليهود في مستوطن يرد باسم " آل ييُودو" باللغة البابلية ويعادله " قرية يهودو " بالعربية، ويقع على نهر الفرات بالقرب من مدينة بابل في العراق.

أقدم هذه الرُقم يرقى إلى عام 572 ق.م، بعد استقرار المرحلين اليهود من أورشليم (القدس) على يد العاهل البابلي الكلدي نبوكودري اوصّر الثاني ويعني اسمه ( ليؤازر الاله نابو  "حدود" البلاد )  (نبوخذ نصّر في العهد القديم)، وأحدثها يرقى إلى عام 477 ق. م حين كان الملك الاخميني احشويرش الأول في الحكم (485 إلى 465 ق. م )، أي بعد 6 عقود تقريباً من عودة المرحلين اليهود إلى أرض فلسطين على يد سلفه قورش، وهي بذلك تسبق زمن ظهور الكاتب اليهودي " عزرا " الذي جمع ودون نصوص مهمة في العهد القديم.

الكشف عن الألواح

أغلب الظن أن هذه الألواح لم يتم وضع اليد عليها، جراء تنقيبات رسمية موثقة وبعلم الحكومة العراقية، والارجح أنها قد تكون نُبشت ونهبت إبان عقد التسعينيات من القرن المنصرم، حيث بلغ النزيف في المواقع الاثرية أشدّه جراء الحصار الدولي الذي فُرِض على العراق، ولابد لنا من ان نذكر حادثة مختلفة متصلة بموضوع نبش مواقع ذات صلة بالمرحلين من فلسطين في شمال العراق ، وقد وردت على لسان آثاري عراقي، مفادها أنه في أواخر عقد التسعينيات من القرن المنصرم ، اتصل به حارس لتل أثري قرب قرية القوش، على أطراف الموصل، وابلغه أن التل قد جرى  كشطه بالكامل  !، وقد تم تثبيت الحادثة في سجلات دائرة الأثار المحلية آنذاك، ولا بد لنا ان نذكر حقيقة ان هذه المنطقة  كانت تحت سيطرة الاكراد منذ عام 1991.هذا التل هو موقع لمدينة تلموس tilmussu الاشورية  القديمة ضمن ناحية القوش ، ورد بالاسم ( گر جو ) باللغة الكردية  ويعني  “ تل اليهودية " بالعربية في دليل المواقع الاثرية في العراق  ( طبعة 1970 )  ، وكان يقطنها مرحلون يهود جلبهم من فلسطين العاهل الآشوري توكلتي أبلِ أيشّر ويعني اسمه " المتوكل على إبن الوريث " ( تيجلابليزر في العهد القديم ) الثالث (744 الى 727 ق. م).

 

صورة 3

 

ومن الجدير بالذكر أن المرة الأولى التي ذُكرت فيها هذه الرُقم المتعلقة بالمرّحلين في بابل ، كانت في عام 1999، وقد ورد الموضوع حينها في مقال لباحثين فرنسيين، استعرضا فيه تفاصيل عن حياة المرحلين، وذكروا في سياق المقال مقاطعة باسم "آل ييُودو"، وكان ذلك المقال جزءاً من بحث أكبر تُرجمت فيه ستة ألواح كانت في حوزة المقتني الإسرائيلي "شلومو موساييف “ ، والذي  شاب مجموعته الكثير من اللغط،  وقد فصلنا له في كتاب "الكارثة ، نهب آثار العراق وتدميرها" ومحاولاته المستميتة الاحتفاظ بقطعة اثرية ثبت عدم شرعية اقتنائها لها وعادت للعراق.

في بداية القرن الواحد والعشرين اتضح أن الأمر لا يشمل الرقُم الستة فقط، وانما هناك ما يربو على 200 رقيم أخر تعود الى مقتنِ اسمه (ديفيد صوفر [1]).

 

صورة 2

 

CUSAS 28 small 0

جرى عرض هذه الرُقم، على نحو علني، عام 2004، في متحف الشعب اليهودي (Beth Hatefutsoth) في تل أبيب من قبل الباحثة كاثلين إبراهام من جامعة بارإيلان ( Bar-Ilan University.    ) ، ونُشرت نتائج الترجمة وقراءات الألواح كاملةً من قبل الألمانية كورنيلا وونش، والأميركية ‘لوري بيرس عام 2014، واستُكمل العمل ونُشرت المجموعة كاملة في كتابين يحمل الأول عنوان "وثائق المرحلين من يهوذا والساميين الغربيين في بابل والتي في مجموعة ديفيد سوفر “، بدعم من جامعة كورنيل في نيويورك.وفي شباط عام 2015 عُقدت ندوة، نظمها قسم الدراسات الآشورية والسومرية في تلك الجامعة (CUSAS)، ترأسها البروفسر ديفيد اوين[2]، الذي ورد ذكره في مقالنا السابق في مجلة بين نهرين عن دراسته للرُقم المسمارية العراقية المشبوهة التي في حوزة متحف نابو اللبناني. تم نشر مؤلفين بالرُقم موضوع المقال وهي :

  1- "Documents of Judean Exiles and West Semites in Babylonia in the Collection of David Sofer” / Prof. Laurie Pearce

  2- “By the Rivers of Babylon,” by Horowitz, Yehoshua Greenberg and Peter Zilberg, published by the Bible Lands Museum.

 

 

تفاصيل عن حياة المستوطنين 
4

بحسب النصوص الواردة في الرُقم، فإن لقب "شوشانو" كان يطلق على جميع المرحلين من البلدان التي خاضت حروباً مع الدولة البابلية، وجرت إعادة توطينهم في إرجاء المملكة.

لفد جرى منح هؤلاء المرحلين أراضي زراعية جديدة بصيغة الاستئجار لقاء خدماتهم بالعمل فيها، مع منحهم الحرية بالتنقل، وكانوا يعتبرون مواطنين احراراً امام السلطات الحكومية البابلية والاخمينية التي تلتها، كما مُنحوا كامل الحرية في ممارسة النشاط التجاري والاختلاط والتمازج مع المجتمع الجديد.

كان الجميع مطالبين بدفع ضرائب بطريقة وأخرى، منها العمل في الحقول، وجرى تشغيل آخرين في نشاطات أخرى كعمال مأجورين للقيام بالحفر، وصيانة قنوات الري، ومنهم من عمل في الحدادة وصناعة الأقفال كما ورد في العهد القديم. ومع وجبة المرحلين عام 597 ق.م يبدو أن تشددا قد حصل معهم، واستُدعي تقنين حركتهم ومعاملتهم بشيء من قسوة، وتذكر النصوص أن الذين امتهنوا الزراعة قاموا بزراعة النخيل والشعير والحنطة والبهارات والكتان، ومن خلال مقارنة مستوى الأجور وحالتهم المعيشية نجد أنهم كانوا يُحسبون من ضمن الطبقات الدنيا اقتصاديا، ويظهر من خلال متابعة طريقتهم وأسلوبهم في العمل، أنهم كانوا يتبعون أسلوب البابليين، ولا يتقيدون بالضرورة بتعاليم العهد القديم.

 تظهر في بعض الألواح وثائق شراء وبيع وتأجير عقارات، فعلى سبيل المثال، يرد في احد الرُقم ان شخصا اسمه (يربي) جرت مقايضته بثور عمره 5 سنوات، وفي اللوح المرقم 52 باع شخص يُدعى (إقيشا) عبدة له بثلاث قطع من الفضة، وفي وثيقة أخرى استأجر (نهريايو بن اخي كام) بيتا بعشرة شيقلات فضة، جرى دفع نصفها في بداية السنة، والنصف الآخر في منتصفها، وقد وافق المستأجر على التعويض عن أي اضرار من الأساس إلى السقف.

وقد ظهر بين المرحلين بعض الميسورين وأصحاب النفوذ الاقتصادي في السوق، كعائلة (رافي بن سما يهوه)، والذي كان يعمل مرابي، ويقوم بجمع الضرائب، وتقديم القروض.

 

 

صورة 4

عطا الله في متحف القدس

في التفاته مهمة، قام رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو بزيارة المتحف واطلع بنفسه على المعروضات، وتوقف عند رقيم ورد فيه اسم عائلته مدوناً باللغة البابلية، والاسم فيه يقرأ: " نادن يهوه "، ويعني: أعطاني الاله أو عطا الله.

 

 

 

 

دلالات الأسماء الواردة في الرُقم البابليةcyrus le cylindre

المدهش في الأمر أن النصوص لم تأت على الحالات التي ذُكرت في العهد القديم من جهة إحساس المرحلين بالغربة ونحيبهم على حياتهم السابقة أو رغبتهم في العودة الى فلسطين، باستثناء إشارة وردت عن شخصين كانا يرغبان في العودة إلى "صهيون"، الأول اسمه "سيدور" وقد مُنح هذا الاسم لإعطائه الأمل بالعودة إلى فلسطين، والآخر اسمه "يا ئيل"، يذكر لوالديه في النص رغبته في العودة، وهو بذلك يتطابق مع ما ورد في أسطوانة قورش الأخميني (المحفوظة في المُتحف البريطاني - الصورة المقابلة مع ترجمة بالاسفل  النص المتعلق باعادة المرحلين والاسرى الى ديارهم ) عن المرحلين في بابل الراغبين بالعودة إلى فلسطين. وربما ان الدليل الوحيد على التزام اليهود المرحلين بهويتهم هو منحهم أسماء يهودية لأبنائهم المولودين الجدد مثل حنان، دانا، نتنياهو، يشوا، زادق (صادق).

يدّعي مؤرخو اليهود أن عدد المرحلين الكلي من فلسطين إلى بلاد النهرين يربو على 80 ألف شخص، وقد عاد عدد كبير منهم على يد قورش ومن تبعه من ملوك الأخمينيين، لكن من اختار البقاء كوّن ربما نواة لأحدى أقدم الجاليات في العراق منذ القرن السادس ق. م وحتى عام 1948م.

الملاحظة التي تسترعي الانتباه ان اليهود في بابل لم يتحرجوا من استبدال اسم إلههم القومي "يهوا" ب ـ"بعل" أو "بل" ، والتي تعني "السيد" بالبابلية، وهو لقب الاله القومي البابلي مردوخ.

 وكما في حالة الملك البابلي بل شار أوصر ( بيلشاصر )  والذي يعني (لينصر " بعل اي السيد "  الملك) و حمل الاسم التوراتي ( ياهوا شار أوصر )، بحسب ورده في قصة الحكيم اليهودي دانيال في العهد القديم.

 

 

أهمية دراسة هذه الألواح

تكمن أهمية دراسة هذه الألواح في أنها:

  • توفر توثيق مهم لفترة تاريخية حرجة تتعلق بالترحيل البابلي لليهود وبأسلوب المدرسة العراقية العريقة في التدوين والذي يحرص فيه كاتب اللوح على ذكر اسمه وتاريخ التدوين مع اسم الملك الحاكم وسنة حكمه آنذاك. في حين لم يرد نص عبري يرقى الى ذات العصر، لان تدوين العهد القديم حصل بعد العودة من بابل وباللغة الآرامية القديمة.
  • تعطي فكرة عن التلاقح الثقافي الذي حصل ما بين الوافدين الجدد والشعب البابلي، فهي تورد أسماء للمرحلين اليهود وتظهر كيفية انتقالها الى الأجيال اللاحقة ومديات تأثرها بالثقافة السائدة، وكذلك يرد فيها أسماء لمدن وقرى، تمنح الباحث فرصة المقارنة مع النص التوراتي.
  • كشف المغالطات والاكاذيب التي تم تسويقها منذ تدوين العهد القديم والى يومنا هذا عن المظلومية التاريخية في الشتات اليهودي، في حين تثبت تلك الالواح انهم كانوا يتمتعون بحقوق وامتيازات في الكثير من التعاملات التجارية والمالية بالإضافة الى الحرية في ممارسة المعتقد، حيث لم يرد فيها ممارسة أي نوع من ضغط لفرض عبادة البابليين على اليهود.

 

الموقف القانوني

لابد لنا ونحن ننهي هذه الدراسة المختصرة ان نطرح الأسئلة التالية التي ربما ستراود القارئ:

  • لماذا في هكذا توقيتات تظهر هذه القطع للسطح؟ وكيف حصل كل من ديفيد صوفر وشلومو موساييف على هذه الألواح ومتى تم لهما ذلك؟
  • ما هو موقف القانون الاسرائيلي المحلي من هذه الرُقم ان ثبُت بطلان تملكها من قبل المقتني، وهل يحق للعراق المطالبة رسمياً بها استنادا الى التشريعات الدولية التي اقرها مجلس الامن الدولي المختصة بحماية التراث الثقافي العراقي للاعوام ،1990 2003 و2014 بالإضافة الى تشريعات اليونسكو(منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة) في 1970 .
  • هل يمكن استخدام طاولة اليونسكو للتفاوض ما بين طرفين لا يوجد تمثيل او اعتراف دبلوماسي بينهما لغرض مناقشة حيثيات القطع اعلاه، بالرغم من الغاء الكيان الصهيوني عضويته في اليونسكو بداية العام الحالي، احتجاجا على قبول دولة فلسطين عضواً فيها.

 ____________________________________________________________

[1] ديفيد صوفر ثري يهودي شرقي وهو ابن جاثام صوفر الذي اشتهر خلال انهيار البورصة في 1980

 صورة 3 ب

لوحة تشكيلية تجسد قافلة من يهود فلسطين في طريقهن الى بلاد بابل كما ورد في سفر الملوك ( جي جي تيسوت - 1892 )

 

 

Write comment (2 Comments)

ثلاثة نصوص مسمارية حول حملة الاسكندرالمقدوني على بابل

كتب بواسطة: Super User on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

البحث منشور في مجلة آداب البصرة العدد 87 لسنة 2019 

logo basra

مجلة علمية مُحكّمة تصدر عن كلية الآداب - جامعة البصرة

 

عبد السلام صبحي طه 

ملخص البحث :

وردت أغلب الاخباريات عن حملة الاسكندر المقدوني على الشرق الادنى القديم وبلاد بابل من بينها  من خلال مدونات مؤرخين ورحالة عاشوا  بعد وفاته ولم يعاصروه، ومنهم (آريان من نيقوميديا ) و ( بلوتارخُس)، و ربما لم يتم التطرق او الاشارة الى التوثيق الاقدم عن الحملة الوارد في  النصوص المسمارية العراقية القديمة والمعروفة بـ ( السجلات الفلكية البابلية ) و التي دونها الكهنة الكلديين،وتضم الرُقم التي وثقوا فيها  الظواهر الفلكية بشكل شبه يومي ، و تتم الاشارة فيها  إلى أحداث متنوعة، منها على سبيل المثال، مستوى مياه نهر الفرات، الطقس، أسعار المواد الغذائية، والحوادث المتعلقة ببابل ومعابدها، و بالطبع كان للاحداث السياسية نصيب كبير حيث ان الظواهر الفلكية لا  تغيب عن التغيرات السياسية الهامة، كنوع من اشارات من قبل الالهة، يتلقفها الفلكي العارف بأسرارها ، ومنها ما سيرد في الرقيمات موضوع البحث.

في هذا البحث تم انتخاب ثلاثة رُقم من السجلات الفلكية البابلية وهي  من محفوظات المتحف البريطاني ، تغطي نصوصها بعض من  السنوات التي قضاها الاسكندر في حملاته على الشرق الادن  منذ معركته الشهيرة والفاصلة  مع الفرس  قرب (اربيل) ، نزولا باتجاه بابل و من بعدها توجهه نحو الشرق لاستكمال مشروعه الامبراطوري العالمي ومن ثم عودته الى بابل لترميمها واعتبارها عاصمة  مشروعه الجديد  ليموت  فيها

لتحميل نسخة الكترونية من البحث  كاملا ( أضغط هنا )

 

 

logo basra 2

 

 

 

 

Write comment (0 Comments)

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker