متابعات

جداريات صيد الأسود والخيول البرية

بقلم الباحث حميد الشمري

متابعات العراق في التاريخ

#Salam Taha

خيوب

 

 

تعتبر جداريات صيد الأسود والخيول البرية  في قصر الملك آشور باني ابلي من أهم الاعمال الفنية في تاريخ الفن في العالم القديم بل هي ذروتها بالنسبة الى زمانها وقد اكتسبت اعجاب مؤرخي ومنظري الفن في القرنين التاسع عشر والعشرين ، ولا زال جمالها المفعم وسحرها المدهش اخاذا وفياضا على الفنون العالمية  وهي منحوتات صامتة القول ناطقة الفعل بعيدا عن صورتها المحدودة ، حيث نجد الفنان الآشوري وفي سعيه نحو الكمال قد تغلبت عنده قوة الاحساس على ارادة العقل وتغلب التصور على واقع المشاهدة فكان مشدودا الى التلقائية والحرية في ممارسة دوره الابداعي وعبقريته الخلاقة وحرفيته المتفوقة  وفطنته وقدح مخيلته  وانتباهته الوقادة  التي تاخذه الى  نحت مشاهد صيد الحيوانات مرتقيا بتجاربه الفنية الحرة  ومتحررا من تجاربه المتراكمة ومن أسر قيود الاعراف الفنية السابقة ومتخليا عن القوة الخفية التي تتحكم بانتاجه عند تنفيذه لهذه الاعمال حيث وصلت تطلعاته الفنية حد الابداع ، ويعتبر انجاز هذه الالواح تحولا ثوريا في مفهوم النحت الجداري الآشوري واطلاقا لحرية الفنان في التخيل واثارة المشاعر والبحث عن الجوهروضبط ايقاع الحياة واختيار اسلوب الرمزية في المواضيع لغرض انجاز الهدف المقصود بعيدا عن صورتها العامة او مطابقتها للواقع حتى لا تكون محاكاة او تقليدا مفرغا من الاحساس والعواطف ومفتقرا الى الاصالة والابداع  ومن غير ما تحريف للشكل المنظور بالعين وكانت المواضيع والافكار المتعارضة تلتقي فيما بينها وتتوحد في تشكيل نحتي منسجم يؤكد وجدانية ودخيلة الفنان ويترك ازميله لينحرف عن السياقات الفنية المقيدة ، فكان الفنان ينحت ما تسجله عيناه في ادراكها ومتابعتها لعفوية الايقاع القوي في توالي المشاهد المعبرة ودينامية حركة الحيوان وما تبتكره مخيلته بادراك متبصر في الاحساس بذلك والاحاطة بكامل تشكيلها وبنائها الواقعي والدرامي سويا مجردا من محاكاة الواقع ،  وهذا يستثير في الفنان روح الخلق والابداع باستغلاله للخزين من  التراكمات الفنية الموجودة لديه  التي تمنحه حرية التعبير وتبعث الدهشة في عين المشاهد وتثير فيه الكثير من  اثارة الخيال والاحاسيس التي يستشف منها المدرك الجمالي وقوة ذلك التعبير عن الواقع الذي قام الفنان بتجريده من الزمان والمكان وجعلها تنفرد بمدلولها الجمالي رغم القسوة الظاهرة  ووضع فيها بلاغة حرة  صامتة صمت الحجر الاصم الذي نحتت منه وهذه البلاغة تجعل المشاهد يضع عقله وخطاه داخل بنية الجدارية بدون ادراك مقصود ، فكانت للفنان عين تسجيلية لاقطة تختصر الزمن وتستوقفه عند اللحظة الدرامية المعبرة عن التوتر في حركة الحيوانات  وزئير الاسود في نزعها الاخير وتقتنصها في أوج توهج شحنة تأثيرها الدرامي العارم المعبر وتوظفها في تجسيد مظاهر القوة والصلابة والوحشية بحدها الاقصى من الواقعية بدون مبالغة او تكلف قبل ذهاب لحظتها الى الزوال ، ومع بحث الفنان عن التفاصيل الدقيقة في التعبير والتنفيذ فهو يتجاوز المحاكاة الطبيعية وتصوير حقائق الواقع ومنصرفا الى البحث في دخيلته لصياغة مشاعره ووضع فنه تحت تصرف هذه المشاعر ، وكان الفنان يعبر عن تعاطفه وانحيازه مع حالة الحيوان ومجاراته لعذاباته في ساعة الالم ولحظة الاحتضار ولم يكن ليستطيع التعبير بهذه الطريقة لو لم تؤثر هذه المشاهد في نفسه فيبث تأثره بها بين ثنايا تفاصيل المشهد المتتابعة التي وفقت بين البناء الدرامي المحكم والسرد الملحمي المتماسك ليتمكن من التعبير عن تلك المشاهد وينقلها بصدقية لعين الرائي لايقاظ  الحس والادراك للمكنونات الجمالية  رغم قسوة المشهد ويجعله يحس ويتشارك معه في التعايش والتأمل والاستغراق بتلك اللحظات الدرامية ، وحيث ان العمل الفني هو الوسيط المشارك بين الفنان والمشاهد وهنا يكون المشهد النحتي مدخلا ومنبها لما يمكن ان يدرك بالتأمل من غير ان يكون للعقل دور في التعاطف مع المشهد لان الفن عندما يكون تقليديا ومقاربا للطبيعة فانه بذلك يصل الى مرحلة الانحطاط ،)  رد فوضى الحركات الى وحدة الطراز – كامو ، البير - عن النحت ( والحيوانات المحتضرة هنا ليست مثالا للاحتضار بقدر ما تحمل من معنى لرمزية الاحتضار وتعبيرا عن واقع الموت الاليم وليس تسجيلا او محاكاة تصويرية للموت وخاصة في مشهد اللبوة الجريحة ) ان الفرق بين التعبير والتسجيل فرق واضح فالتسجيل هو وضع الحقيقة الواقعية كما هي والتعبير هو وضع الحقيقة الواقعية في صورة مغايرة – د.  خميس ، حمدي -  التذوق الفني ( ، حيث نلمس في تصوير حالة الحيوان المعذب احساس النحات الآشوري ووجدانيته وتعاطفه مع الحيوان بروح انسانية ملتزمة متحكمه في التكوين والتشكيل ومبتعدة عن الاثارة والتمجيد وهذا الالتزام مرتبط بالذكاء والمهارة وتنامي الحس والحدس الفني وهي تجسر المسافة بين الانفعال وتعزيز القيم الفنية وبين الحركة الحيوية المتدفقة التي يصنعها النحات وازميله الخاضع لتاثير الانفعال من ناحية واسلوبية العمل الفني من ناحية ثانية والتي تمثلت بقدرته على الافصاح والتوصيف وتلقائية التاثر والتاثير ، وقد ابتعدت هذه المنحوتات كثيرا عن منحوتات قصر جده الاعلى الملك آشور ناصر ابلي في تناولها لمناظر صيد الاسود ولم تستنسخ منها شيئا انما حملت انشاءا جديدا يحمل روح عصرها من ناحية الحرية التي حصل عليها الفنان*  ، فقد جعل الفنان من الحالات المتعددة لتصويرمشاهد احتضارالحيوانات المؤلم  كل لا يتجزأ مجتمعة في وحدة تشكيلية منسجمة لم تفلت من بين يديه وهي هنا تقاس بمدى التأثير الحاصل في عواطف المشاهد ولا تقاس بمقياس الشكل المنفذ ، وكانت حركة عضلات الحيوانات وتشنجاتها هي التي تقود ازميل النحات الآشوري وحرفيته عندما ينحت ويعانق الحجر ويضعها في خدمة الفن بصنعة فنية ادراكية غير مفتعلة حيث نجده لايحرك العضلات بشكل استعراضي وانما يترك التشكيل في جسد الحيوان هو الذي يشكل الحركة والتاثير الفني الدرامي المطلوب  ، وقد تم تمثيل الروح الوحشية لجميع الحيوانات من خلال دقة التشريح في المشاهد التي تمثل لحظات الخوف والغضب والشراسة والتوتر والم الاحتضار وجعل منها جميعا وحدات تخضع لإيقاع يجمعها في وحدة تكوينية محاولا ان يجعل منها مشهدا واحدا يشاهد من زاوية المنظور الواحد وكأنها مقاطع من فلم وثائقي محمل بقيم انفعالية منفذة ببناء فني محكم تم تجميعه ليعطي منظرا واحدا شاملا خارج كتلة الحجر وغير حبيس فيها ، ونجد هنا ان الفنان يخوض تجربته بواقعية ثم يجرد هذه الواقعية من مضاهرها المكانية  والزمانية فحالة الحيوان الجريح المجردة لا تدل على الزمان او المكان والتي تكون في النهاية تعبيرا خالصا عن مشاعره من خلال رموز مبتكرة مجردة تمثل الرمزية والوحشية لحالة الاحتضار وذلك عندما يجعل الاسد الجريح يهاجم عربة الملك ويغرس اسنانه في عجلتها ، ورغم ذلك فان حالة الحيوان من منظور آخر  هي على صلة بالواقع لانها تمثل وتمتلك محسوسات مباشرة تحمل الكثير من المعاني ذات الصلة بالملكية وذلك عندما يجبر الفنان على اقحام شخصية الملك ومرافقيه في ختام المشهد  ، إنه فن رفيع المستوى يفوق كل ما أنتجه العالم القديم في هذا الميدان حتى الان وسجلت سابقيتها وتفوقها حتى على المنحوتات اليونانية والرومانية التي تسيدت على فن النحت في العالم القديم بعد ذلك التاريخ بثلاثمائة سنة ،) إنه فن آسر عال الجودة، فالمشاهد التي تصور مطاردة أسد في سهول بلاد النهرين ، وحيوانات تصاب بسهام الملك، مناظر مفعمة بالدراما على نحو يتفوق على جميع النقوش التي عثر عليها سابقا في منطقة الشرق الأوسط ، و  يعود تاريخ مناظر مطاردة الأسد إلى الفترة الأكثر تطورا في الفن الآشوري، إذ صورت الأسود بطريقة رائعة، نابضة بالحياة والتفاصيل الطبيعية. إنها أفضل أعمال النحت البارزعلى الجدران الآشوريةكيرتس ، جون - رئيس المعهد البريطاني لدراسة العراق ( ،) ظهرت في آشور علامات التطور في الفن الذي كان متناظرا تماما مع التطور السياسي وظهرت علاماته البارزة في المخلفات الفنية الآشورية في النحت المتميز كالالواح الجدارية والمسلات الحجرية ومشاهد الحرب والصيد وتماثيل الثيران المجنحة –  بارو ، اندريه – آشور( .

* في الاعمال النحتية التي كانت تزين جداريات قصر اشور ناصر ابلي نجد ان جميع الاعمال منفذة بتقنية محدودة التصوير والابداع ، حيث نلاحظ انها جميعا وكانها قد خرجت من يد نحات واحد ، وهذا يدل على انه كانت هنالك مشاغل حرفية اكثر منها فنية للنحت مسيطر عليها وتعمل باسلوب متكلف واحد .

  اسود

                              

       

 

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker