متابعات

شهادتي للتاريخ بحق عبدالامير الحمداني

 متابعات مدونة العراق في التاريخ

عبدالسلام صبحي طه

شباط 2020

 

ما سأصرح به هنا ليس دفاعاً عن الحمداني الوزير وإنما  سأورد رأياً واقعياً في هذاالصديق الإنسان مبنياً على عملٍ ومعايشةٍ، أتمنى أن أنجح في مسعاي هذا، حيث سيجابه كلماتي الكثير من الحرج جراء اشتباك  المواقف الحالية ما بين الهم الثقافي والتخندق السياسي و الحراك الاجتماعي.

تعرفت على أبي أوروك إثر وفاة المرحوم د. بهنام ابو الصوف عام 2012، حيث شارك مشكوراً بكلمةٍ تابينيةٍ بحقه ضمن مؤتمر للآثار عُقد في البحر الميت، و كان حينها يحضّر لنيل درجة الدكتوراه في الانثروبولوجيا من جامعة ستوني بروك في نيويورك. منذ تلك الأيام استشعرنا تقارباً فكرياً و تشاركنا في رؤى كثيرة تخص سبل الحفاظ على التراث الثقافي العراقي.

 كانت باكورة تضامننا في عام 2017 هي كتابنا الموسوم ( الكارثة ، نهب آثار العراق و تدميرها)،  احتفينا بإشهاره سوية من قلب بغداد، وفي هذا الشأن، أذكر أنه قام بمراجعة المسودة النهائية للكتاب وهو في مرحلة التحضير لجراحة خطيرة كانت تهدد حياته ، دفع لي بالمخطوطة و دلف غرفة العمليات، من دون ابلاغي بشيء.

  محطتنا التالية كانت مشروع مبادرة ( أوريم ) الدولية  لتطوير البنى التحتية لمدينة أور الأثرية القديمة.  ولا بد من ذكر دوره قبل ذلك في التحشيد لإدراج هذه المدينة ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي عام 2016، عانى الحمداني جراء تعاونه ودعمه لنا مع من اختلف معنا في الرؤية ضمن هيئة الآثار آنذاك، ثم قرر في النهاية الإنسحاب (بصمت) درءاً للتعقيدات الإدارية و حفاظًا على الهدف النبيل للمبادرة، نتيجة متوقعة معتادة في العراق، فالمجتهد  يحارب و لايسمح ببزوغ نجمه.

في عام 2018، تم  طرح أسم د. الحمداني من قبل اتحاد الأدباء والكتاب في الناصرية ( وكان يرأسه آنذاك) لمنصب وزارة الثقافة، عبر النافذة الألكترونية التي بادر بفتحها رئيس الحكومة المكلف و أُدرج أسمه ضمن قوائم المتقدمين من المستقلين  التكنوقراط. تمت تزكيته من قبل رئيس الحكومة الى الجهة السياسية صاحبة  الاستحقاق البرلماني، لشغل حقيبة وزارة الثقافة، إثر الرفض الذي جوبه به جميع مرشحي  تلك الكتلة. كنّا سوية ذات أمسية في بغداد حين تم تحديد موعد المقابلة له  ( ضمن آخرين) مع الجهة السياسية، عاد بعد المقابلة ليفاجئني، أنه ربما سيكون الوزير المرشح لحقيبة الثقافة، فقد سحرهم بمنطقه و اعتدال طروحاته و طاقته على حسن الاستماع،  تداولنا الامر كثيرا حينها ، وكان نصب اعيننا الخشية من تجيير كفاءته وخبرته لصالح اجندات سياسية ليس له مصلحة في تخندقاتها، كنا آنذاك على دراية أن قبوله بالترشيح سوف يُرضي البعض وسيكسب اختلافًا مع آخرين، ولكنه بالنهاية قرر تغليب مصلحة العراق العليا على أي اعتبارات  شخصية، وان يتفرغ  لمواجهة تبعات هذا المنصب من مصاعب وهو الانسان الغض النبيل في وزارة منكوبة  جينياً كالثقافة عانت على  مدى عقود من تسخيرها على مر تاريخها كمنصة تعبئة اعلامية للسلطة قبل  2003 ، وبعدها تم  تسليم حقيبتها كبادرة ترضية سياسية  الى جهات لا علاقة لها بالثقافة  لتعبث بمقدراتها وتبتلع موازناتها بغمضة عين ،وتزيد طينها ابتلالاُ بترسيخ  ثقافةالمحسوبية و الابتعاد عن المهنية  في ادارتها، ترتب على ذلك القرار ترك الحمداني لموقعه الوظيفي في جامعة ( درهام ) البريطانية  العريقة ، حيث كان مسؤولا عن فريقٍ محترفٍ من خيرة الآثاريين ، ناهيك عن التزاماته الاسرية.

 

ساتحدث الان في تفصيلة حيوية تخص ملف  هيئة الاثار والتراث والتي  ادارها د. الحمداني من موقعه كوزير جراء الفشل ولمدة سنة في ايجاد من به الكفاءة العلمية والشخصية الادارية الحازمة لشغل هكذا منصب، فقد أدار هذه الدائرة العريقة  من منصبه كوزير ورئيس للهيئة من موقع ادنى، بكفاءة المحترف، فهو المنقب في ارض العراق و الخبير بالمحافل الاثارية العالمية، والعارف بدهاليزها، لن ارسم صورة مثالية عن الرجل او ادعي انه المنقذ المخلص  لدائرة تسنمها  شبه خربة  تكاد تستحيل الى تل أثري في غياب موسى وعصاه،  حين كان شغلها الشاغل المساجلات الكيدية و لجان التحقيقات والنزاهة جراء السرقات و المحسوبية  والتي  شملت هرم الادارة برمته من القمة حتى القاعدة، وهو نتيجة طبيعية لإدارة بعيدة عن الاحتراف المهني، حيث التعيينات استرضائية، نزولا عند رغبة المحاصصة المقيتة، ولكنه تمكن وفي وقت قصير من تعديل الشيء الكثير من الاعوجاج المتراكم و العمل بالممكن من جهة وضع الإسان المناسب في مكانه الذي يستحق.

 

 وفي هذا الصدد ، أود أن أذكر، آخر مشاريعنا التي جاهدنا لتنفيذها، وهي عقد أول مؤتمر عالمي يختص بالتراث الثقافي والحقل الآثاري العراقي في بغداد، قررنا حينها الاعتماد على مساهمات الأطراف الدولية في الدعم، و شكلنا خلية عمل من آثاريين دوليين على درجة عالية من الكفاءة تطوعوا للعمل معنا جنبا إلى جنب لتحقيق هذا الحلم، و كان هذا ليكون بادرة حيوية تصب في تهيئة اجيال الخريجين و المختصين  لكي يساهموا في مهمة حماية مورورثهم الحضاري. لكن انتفاضة اهل العراق المظفرّة بوجه الفساد و مصادرة الوطن اجلّت هذا المشروع ونامل في بث الروح فيه من جديد حال استتاب الامر.

 في تاريخ العراق الحديث ثمة لحظات حرجة دوماً تتعلق باتخاذ قرارات حساسة كان بالامكان ممارسة العقلانية من خلال حسابات دقيقة للربح والخسارة تغليباُ لمصلحة الوطن العليا، حين تدفع التغييرات السياسة،باصحاب النفوذ الجدد الى تبني قرارات بالتخلي عن خدمات بعض من المتميزين من ابناء العراق الذين يتمتعون بالكفاءة و المهنية العالية ، اما بزجهم بالمعتقلات او دفعهم الى الرحيل وهجر العراق، فنسمع بعد ذلك باخبار منجزهم العلمي و المعرفي الكبير وهم في مستقرهم الجديد، في وقت يكون العراق احوج ما يكون لخدمات ابنائه هؤلاء ، وسأذكر بعض من اسماء من ما تسعفني به ذاكرتي من رجالات العراق الحديث؛ د. فاضل الجمالي ، د. عبدالرحمن البزاز، د. فاضل الجلبي ، د. عبد الجبار عبد الله، د. محمد مكية ، د. محمد مهدي صالح ، البعض من هؤلاء السادة قد تقدم بهم العمر الان و اخرون قضوا نحبهم في المهاجر، هل استطاع العراق ان يفيد منهم بعد التغييرات السياسية ؟ الجواب بالنفي، و هذا يتطلب منا ان نتعلم من هكذا اخطاء وكذا تجارب الامم الاخرى في بناء الوطن و احتضان المهنيين المحترفين من أبنائه المستقلين، كفانا تهديمًا لكل ما يتم بناءه ، فلو تبصرنا أمورنا بعقلانية، لوجدنا أننا لازلنا نراوح في طبقة الأساس.

 لانود لأبناء الوطن من التكنوقراط والمستقلين كالدكتور الحمداني من أن ينتهي به الامر جراء التغييرات السياسية، أما مستشارا في إحدى مشيخات النفط أو تدريسيًّا في  عواصم الضباب، وإنما نود له ومَن هم على شاكلته، أن يمكثوا بيننا حيث دجلة والفرات وعماتنا النخلات، معززين مكرميين بقاماتهم العلمية وفاعلين بدفع عجلة التواصل الحضاري مع أمم الأرض.

 

21557796 10214145746094551 9173205540457176292 n

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker