متابعات

الجذور الأولى لعلمي التاريخ والجغرافيا في الفكر الرافديني القديم

أ.د. قصي منصور عبدالكريم

تقديم :

تمتد جذور العلوم والمعارف الإنسانية في بلاد الرافدين إلى فترة تسبق ظهور الكتابة (خلال منتصف وأواخر الألف الرابع قبل الميلاد) ، ومع اختراع الكتابة المسمارية وتدوين اللغة تمكن الإنسان من نقل خبراته إلى الأجيال اللاحقة، وعبر تناقل سكان بلاد الرافدين للأخبار والأحداث كانت اغلب العلوم والمعارف الإنسانية تصل إلى الأجيال من جيل إلى جيل من خلال النقل الشفوي، وما أن ظهر التدوين، حتى باتت تلك العلوم والمعارف ملاذا للباحثين عن العلم والمعرفة والتزود بالمعلومات والبحث والتقصي عن محاولات من سبقهم دون الحاجة إلى البدء من الصفر بل بالبدء من حيث انتهى الأولون، ومحاولة تفسير أو فهم ما توصلوا إليه. الا ان تدوين التاريخ ومعرفتنا بالاحدات التاريخية في وقت حدوثها وكأنها حية، كان من بين اهم تلك الانجازات الإنسانية الفكرية والتي تقترب كثيرا من صورة كتابة التاريخ اليوم (اي التدوين) إضافة إلى علم الجغرافيا ، والذي هو من العلوم التي برع بها سكان بلاد الرافدين ووضعوا الأسس الأولى لما يعرف اليوم بعلم الجغرافيا، أما طبيعة المؤسسات التعليمية وأهميتها لفهم ودراسة جذور العلوم الإنسانية ، فقد كان للإنسان العراقي القديم يد السبق في بلورة أولى مناهج تلك المؤسسات من حيث نوع العلوم ومعارفها من جهة ومن حيث أهميتها بالنسبة للمتعلم والدارس وللمكانة البارزة للتدريسيين في تلك المؤسسات، وهذا ما سنحاول عرضه في ورقتنا هذه.


أولاـ نشأة التعليم في حقل العلوم الإنسانية:

قبل البدء في سرد تفاصيل جذور العلوم الإنسانية في العراق القديم لابد من الإشارة إلى أن نظام التعليم في العراق والمناطق الحضارية المجاورة قديما، قد تزامن تطوره مع تطور التكوين والاستقرار السياسي، ونلمس ذلك من خلال حقب تاريخ بلاد الرافدين خلال الألف الثالث والثاني قبل الميلاد أي خلال عصر فجر السلالات السومرية وحكم الدولة الاكدية والعصر السومري الحديث والعصر البابلي والآشوري على اختلاف تقسيماته التاريخية المتعارف عليها .

ورغم ما ذكره الكثير من المتخصصين عن نشأة العلوم الإنسانية والتعليم بها، من أن المدارس نشأت في عهد الملك "حمورابي" (Hamorabi)"1792- 1750 ق.م" إلا أن ما تم اكتشافه من كتابات وما نتج من تحليلها ، يبدو واضحا أن نشوء أولى المدارس كان مع بداية اختراع الكتابة في الطبقة الرابعة من مدينة الوركاء أواخر الألف الرابع قبل الميلاد وهي أقدم الألواح المكتشفة والتي تمثل رقم طينية تعود لمبتدئين في تعلم الكتابة الصورية (انظر شكل رقم 1) والتي من الممكن تسميتها بالألواح التعليمية الأولى.(1)


شكل رقم (1) الالواح التعليمية الاولى والتي كان يكتب بها الدارسون لجميع العلوم والمعارف الإنسانية.


إن لكل حقبة من الحقب الآنفة الذكر ، كتابات تمثلها خير تمثيل تم اكتشاف رقمها في مواقع مدن تمثل مراكز السلطة السياسية في تاريخ العراق القديم ومنها مواقع مدن كيش(Kish) ونفّر (Nuphur) وشروباك (Shrobak) وماري (Mare) خلال فترة الألف الثالث قبل الميلاد، ثم النصوص المكتشفة في مدينة سبّار (Supar) واروك (Uruk) وتل حرمل (Harmal) وغيرها من مواقع مدن الألف الثاني قبل الميلاد ، وأخيرا مواقع مدن حقبة الألف الأول قبل الميلاد والتي تمثلها مدن العصر البابلي الوسيط والعصر الآشوري الوسيط والعصور اللاحقة.(2)

لقد تمكن الآثاريون من جمع عدد لا باس به من النصوص الكتابية التي وفرت لنا الأدلة الأكيدة على أن الحاجة إلى تعلم وفهم العلوم الإنسانية كانت تتنامى بصورة سريعة مما دفع ذلك سكان جنوب العراق إلى إقامة مؤسسات خاصة بالتعلم سميت باللغة السومرية " أي .دب .با " (E.DUB.BA) .وفي اللغة الاكدية " بيت طُبّات " (bit tuppate) أي بمعنى " بيت الألواح" أو " بيت الرقم الطينية" ويمكنني أن افترض أنها تمثل الكلية أو الجامعة في مصطلح العصر الحالي (انظر شكل رقم 2) ،ويمكن ترجمة معناها الوظيفي العام إلى مؤسسة التعليم(3).


شكل رقم (2) بيت الألواح أو المؤسسة التعليمية،بقايا لأحد الصفوف في مؤسسة مدينة ماري من الالف الثاني.


ومن خلال الألقاب الإدارية ـ والتي سنأتي على ذكرها لاحقا ـ يبدو أن المؤسسة قد أصبحت في أواخر الألف الثالث قبل الميلاد مؤسسة كبيرة يدير شوؤنها كادر تعليمي يتراوح عدده بين الثمانية والعشرة أشخاص لهم ألقاب خاصة ، وهذا يعني أنها مرت بمراحل تطورية يبدأ تاريخ أول ظهور لها في أواخر الألف الرابع وأوائل الألف الثالث قبل الميلاد. ومن بين أهم هذه الألقاب آلاتي:(4)

الأستاذ، الخبير ، عميد المؤسسة UMMIA

وكيل المدير ، المعاون AD.DA.E.DUB.BA الطالب DUMU E. DUB.BA

مراقب الفصل ŠEŠ.GAL

معلم الخط ، الكاتب DUB.SAR

معلم اللغة السومرية DUB.SAR.EME.KI.EN.GI

معلم اللغة الاكدية DUB.SAR.EME.KI.URI

معلم الحساب (الرياضيات) DUB.SAR.NI.ŠID

معلم الحقل (الهندسة) DUB.SAR.A.ŠA


ومن خلال قراءة وترجمة احد النصوص التي تحدثت عن أهمية التعليم والتعرف على العلوم الإنسانية ومؤسساتها في العراق القديم ، هناك نص يعود بتاريخه إلى أوائل الألف الثاني قبل الميلاد (حوالي 1800) ، يصف لنا هذا النص حالة طالب يبدو انه في سنته الأولى من التعليم، ومن خلال ترجمة بعض اسطر النص نلقي الضوء على جانب مهم من جوانب التعليم ومسيرته التي تتعلق بشخص المتعلم نفسه أي الطالب الملتزم بدوامه الرسمي وأماكن تنقله من البيت إلى المدرسة وبالعكس، والنص عبارة عن سؤال وجواب وعلى النحو الآتي:(5)

س: "يا ابن بيت الألواح(المدرسة) إلى أين ذهبت في أيامك الأولى. ؟

ج: ذهبت إلى بيت الألواح(وهناك) قرأت لوحي ومن ثم أكلت طعامي ثم أعددت لوحي الآخر وكتبته وأكملته وعند انتهاء الدوام في بيت الألواح (المؤسسة التعليمية) ذهبت إلى البيت"

وبعد أن ينهي الطالب حديثه عن مؤسسته التعليمية يؤكد على حرصه في الحضور باكرا للدراسة ويوصي أمه قائلا:

" أيقظيني في الصباح الباكر،

يجب أن لا اتأخر وإلا يعاقبني المدير" !


وفيما يخص بدايات تكون التعليم ومؤسساته والدارسين فيه، تشير المصادر المتوفرة إلى أن التعليم في بادئ الأمر كان يعتمد في وجوده على أناس لهم علاقة بالحياة السياسية والاقتصادية، بيد انه لا يمكن إغفال دور المعبد باعتباره المؤسسة الأولى لتنشئة الأجيال وتعليمهم لاسيما لطبقة معينة من التلاميذ ـ كما هو الحال للدور الذي لعبته الكتاتيب في القريب الماضي من حياتنا التعليمية في المساجد ولا تزال ـ ومن المرجح أن المؤسسات الأولى كانت ملحقة بالمعبد.(6) ثم بعد ذلك تطورت وأصبحت مستقلة بذاتها وأخذت على عاتقها التخصص في مجال العلوم كافة سواء الإنسانية والعلمية كافة.

وعودة إلى بدء فان نتائج البحث الأثري وتصفح أوراق الماضي تشير إلى أن النتائج العلمية التي بلغها التربويون ورجال العلم في فترة ما قبل الميلاد قد وصلت إلى نتائج هي فوق طاقة إنسان التاريخ القديم والشيء الملفت للنظر أن السومريين والبابليين قد استخدموا الأبراج السماوية بصورة صحيحة بينما نحن حاليا نجهل دور الأبراج بشكل كامل ولا يمكن للأبراج أن تفعل شيء أكثر من كونها أجرام سماوية . وبناء الأهرامات في وادي النيل وأسلوب نقل أحجار تلك الأهرامات لا تزال مواضيع ذات مدار بحث للمؤرخين ورجال البحث الأثري، وبعض الدراسات الحديثة قد توصلت إلى نتائج تجعل من الصعب على غير المتخصصين قبولها، فما يعرف بالجنائن المعلقة على سبيل المثال ما هي في حقيقتها إلا ثلاجات كبيرة تقام في قصور الملوك وجنائن بابل المعلقة ما هي إلا ثلاجة تابعة إلى القصر الجنوبي للملك البابلي "نبوخذ نصر"، لذا فان مثل هذه الندوات والملتقيات تجعل من المواضيع المختارة والمطروحة سبيلا للكشف عن عديد النواحي للعلوم الإنسانية المتعلقة بتراثنا الإنساني، ومن بين ذلك ما تطرقنا إليه من مكانة التعليم ومؤسساته في اختصاص العلوم الإنسانية.

ومع ذلك فان الشعوب عبر التاريخ لا تخلو على الإطلاق في كل مجال من مجالات الحياة من أناس مخلصين ومبدعين لا يبخلون في تضحياتهم من اجل التطور ورفع مستوى المجال الذي يعملون به ، واحد الأدلة الواضحة على ذلك هي المناسبة التي نحن بصدد الحديث عنها والتي جاءت لتلفت الانتباه نحو قضايا العلوم الإنسانية والى ضرورة الاهتمام بالأساتذة على اختلاف اختصاصاتهم في العلوم الإنسانية وكذا إدارات التعليم كافة.


ثانيا ـ ابرز العلوم الإنسانية وتاريخها:


قبل البدء بسرد ابرز علوم ومعارف بلاد الرافدين الإنسانية، نجد لزاما علينا أن نذكر شيئا عن كلمة "تأريخ"، فاللغويون العرب ينسبون الكلمة إلى أهل الكتاب من العبرانيين والسريان ، بينما يذهب الأوربيون الى ابعد من ذلك حيث يقولون إن أول من أطلق تسمية التأريخ وبالمصطلح (History) هو المؤرخ اليوناني الشهير " هيرودوتس" وذلك في حدود منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، وقد قصد بمصطلح التاريخ " التحري وتسجيل أحداث الماضي ورواياتها "(7) . بينما نجد ان تعريف التاريخ من خلال التأصيل الصحيح لمادة "أرّخ" "يؤرّخ" بمعنى " عينُ الزمن وحدوده" ومنها تأريخ وتوريخ، وهي مفردة سبقت تاريخ هيرودوتس بأكثر من ألف عام ، حيث وردت في نصوص الكتابات المسمارية الاكدية بصيغة "أرخو" (Arhu) والتي تعني تحديد الزمن او الشهر ومنها التأريخ ، وبشكل عام الزمن.(8)


I ـ علم التاريخ وتدوينه :


على الرغم من مرور آلاف السنين على اختراع الكتابة فان العديد من الأمم ضل يستخدم النقل الشفوي للقصص التاريخية والملاحم البطولية ، ويمكن أن نورد عديد الأمثلة في هذا المجال ، وبخاصة ما يتعلق بملحمة جلجامش في الأدب العراقي القديم والالياذه والأوديسة في الأدب اليوناني ، والوقائع الحربية الروائية عن المآثر العربية او ما يعرف بـ "أيام العرب".

وفيما يخص المؤرخ العراقي القديم فقد اعتبر التأريخ نتاجا لعوامل سابقة عليه وقوة فعّالة في الحاضر وفعلا لتشكيل المستقبل، وبهذا المفهوم فان سكان بلاد الرافدين الأوائل، لم يحسبوا أنفسهم محدثين في الحضارة بل وارثين لتراث ماضٍ مجيد، هذا الماضي كان ينظر أليه دائما باسمي عبارات الود والانسجام بين بني البشر ، والسلام والأمن والاطمئنان ، وكأنهم بذلك يدعون الى عودة بني البشر إلى تلك الأيام، وما أحوجنا اليوم إلى مثل هذه المعاني، ونقرأ في احد الأساطير السومرية الأسطر التالية :

" في تلك الأيام كانت ارض الشرق ، موضع الخير العميم وموضع الإحكام العادلة .... وكانت بلاد سومر ذات اللسان الواحد المنسجم، هي البلاد العظيمة التي نبعت منها أحكام الإمارة .... وكان الشمال ، الأرض المحتوية على كل ما يحتاج إليه، وكانت بلاد الغرب آمنه مطمأنة .... كان الكون جميعه والناس كلهم يمجدون اينليل (اله الهواء ويأتي بالمرتبة الثانية بعد الإله آنو اله السماء) بلسان واحد "(9)

ومع إيماننا بان منهجا علميا في تفسير وتقييم الحدث التاريخي لا نجده إلا في وقت متأخر ، إلا أن النقائش المسمارية التي تركها لنا كتاب بلاد الرافدين عن تدوين الأحداث المهم تدل على أنهم كانوا السابقين في عديد العلوم المعرفية ومنها الحس باهمية التاريخ وتأكيدهم على أهمية تخليد الذكر ليطلع عليه اللاحقون من الناس ، ومن الجدير بالذكر ان كلمة الذكر(بكسرالذال) وردت في النقائش المسمارية باللغة الاكدية بصيغة " زكزو"(Zikzu) او"زكارو"(Zikaru) بمعنى دعا.(10) اما البابليين فقد عبروا عن أهمية خلود الذكر وبلفظ "دارو" (Daru) في اللغة البابلية ويقابلها كلمة "دهر " بالعربية بمعنى الأبد أو الزمن ومن مشتقات الكلمة في البابلية "داروتي" (Daruti) بمعنى "أبدية".(11) إننا نجد من مفهوم المصطلحات وبعض الكتابات ، وكأن سكان بلاد وادي الرافدين يدركون تماما ما يعنيه مصطلح الحس التاريخي من مفهوم للأجيال المتعاقبة . ولفهم هذا الحس وطريقة تدوينه لابد من ذكر أمثلة مهمة على ذلك ، ففي ملحمة جلجامش ومنذ أول سطورها نقرأ :

" هو الذي رأى كل شيء فغني بذكره يا بلادي ،

وهو الذي عرف جميع الأشياء وأفاد من عبرها ،

وهو الحكيم العارف بكل شيء :

لقد أبصر الأسرار وكشف عن الخفايا ،

وجاء بأنباء ما قبل الطوفان ،

لقد سلك أسفارا بعيدة متقلبا مابين التعب والراحة ،

فنقش في نصب من الحجر كل ما عاناه وخبره"(12)

وفي نفس الملحمة نجد أن البطل يحرص كل الحرص على البقاء خالدا في ذاكرة الزمن وذاكرة "التاريخ"،(13) حيث نقرأ:

أريد أنا جلجامش أن أرى من يتحدثون عنه ،

ذلك الذي ملأ اسمه البلدان بالرعب ،

عزمت على أن اغلبه في غابة الأرز ،

وسأسمع البلاد بأنباء ابن "أوروك" ،

فتقول عني: ما أشجع سليل الوركاء وما أقواه !

سأمد يدي وأقص الأرز ، فأسجل لنفسي اسما خالدا"(14)

ويكفي أن نشير في مجال التدوين التاريخي إلى نقائش ما يعرف بقوائم الملوك وخاصة قائمة الملوك السومرية ، حيث زودتنا تلك القوائم باسماء الكثيرين من الملوك وسنوات حكمهم ، وفي بعض الأحيان أسماء عواصمهم ، ولم تخلو من الإشارة إلى أحداث تاريخية ، وهي بهذا تعد الوثيقة الأولى من نوعها في العالم والخاصة بتدوين التاريخ ، والراجح أن العمل في كتابتها قد بدأ في زمن الملك السومري"اوتو حيكال"(2120ـ 2114 ق.م) أو بعده بقليل ، أي في عصور سلالة أور الثالثة ، في حدود 2100 ق.م ، وانتهى العمل بها في زمن سلالة ايسن في حدود 1800 ق.م ، وكان الغرض من كتابتها حفظ تواريخ السلالات التي تعاقبت على الحكم في جنوب بلاد الرافدين.(15) وقد سار البابليون والآشوريون على نهج السومريين فجمعوا اسماء ملوكهم ودونوها في إثبات على غرار الإثبات السومري ، وقسموها إلى ثلاثة إثباتات للملوك البابليين وثلاثة أخرى للملوك الآشوريين مما يدل على وجود إضافة جديدة في ميدان كتابة التاريخ .(16)

وعند الحديث عن معرفة سكان بلاد الرافدين واهتمامهم بماضي الأسلاف والتاريخ ، تخبرنا النقائش المسمارية التي دونها الملوك والحكام عن بعض أعمالهم العمرانية ، التي تدل على أنهم كانوا على اطلاع بمخططات الأبنية السابقة لهم ، ونخص بالذكر منها المعابد ، وقد أيدت التنقيبات الأثرية التي اكتشفت ، أن المخطط نفسه بقي ولقرون عديدة ، ففي معبد مدينة أريدو على سبيل المثال وغيره من معابد المدن العراقية القديمة يمكننا تتبع ادوار بناء المعبد ولأكثر من عشرين طبقة بنائية ، ونجد كتابات في الأبنية تشير إلى أن عدد من الملوك أو الحكام قاموا بإعادة بناء أو ترميم هذا المعبد او ذاك،(17) وان دل ذلك على شيء فإنما يدل على شعور الإنسان العراقي القديم بالفكرة الرمزية للتاريخ، ومن الأمثلة على ما ذهبنا إليه، يذكر الملك شيلمنصر الاول (1273ـ 1244 ق.م) في احد نقائشه عن تاريخ بناء احد المعابد في مدينة آشور قائلا "ان هذا المعبد قد شيد على يد الملك "أوشيبا"وهو الملك السادس عشر في قائمة ملوك آشور ، واعيد بناء نفس المعبد من قبل "إيريشوم الاول" وهو الملك الثالث والثلاثين في قائمة الملوك الأشوريين، كما جدد بنائه من قبل الملك "شمشي أدد الاول" (1831ـ1781 ق.م) ، وأخيرا تم ترميمه من قبل الملك شيلمنصر ـ كاتب النص ـ بعد مضي 580 سنة من تاريخ بنائه لأول مرة".(18) وعن إعادة بناء نفس المعبد، يذكر الملك "اسرحدون"(680 ـ669 ق.م) في نقس يحمل اسمه ، انه رمم المعبد المذكور بعد مضي اكثر من 500 عام على ترميم الملك "شيلمنصر الاول" لنفس المعبد.(19) والأدلة من العصر البابلي المتأخر كثيرة وشائعة عن إعادة بناء الملوك لنفس المعابد ، بل ووضع أحجار أساس تدل على التاريخ ، وزيادة على ذلك هناك من الملوك من خصص صندوقا فخاريا وضع فيه نصا يشهد باعادة بنائه للمعبد ، وبعد مرور قرن من الزمن ياتي ملك آخر يعيد بناء نفس المعبد ويكتب رقيما طينيا بذلك يودعه في نفس الصندوق الذي وضع فيه الملك السابق نصا يشير إلى إعادة بنائه للمعبد.(20)

ومن جانب آخر تشير الأدلة المادية المكتشفة إلى أن نقل وتسجيل الأحداث التاريخية في وقت حدوثها والتي تعرف اليوم بالبث المباشر، هي من بين الكنوز الخالدة والمتمثلة بتدوين التاريخ للإعلامي العراقي القديم . ومن الأمثلة على ذلك مشهد منحوت لمسلة من الحجر عثر عليها في مدينة "عنه" غرب العراق (انظر شكل رقم 3)، وهي تظهر كاتباً يخلّد ويسجل أحداث ووقائع معركة حربية يشاهدها بنفسه كجزء من التدوين التاريخي للأحداث.(21)


شكل رقم (3) مسلة من الحجر تظهر كاتباً يخلّد ويسجل أحداث ووقائع معركة حربية.

إن الأدلة عن إعادة تدوين وكتابة التاريخ التي اشرنا إليها تدل على ان العراقيين القدماء قد احتفظوا بمعان تاريخية عن أهمية الفهم الحسي للتاريخ ، وفي اعتقادي فان مراجعة موضوعية شاملة للأدلة الكتابية المتمثلة بالنقائش المسمارية ، والأدلة المادية المتمثلة بمشاهد المنحوتات ، ستجعل منها مدونات ذات سابقة تاريخية سبقت بفترات طويلة ما أنجزه المؤرخون الكلاسيكيون والبلدانيون العرب ممن نقرأ عنهم بين حين وآخر أنهم "آباء للتاريخ".


II ـ علم الجغرافيا:

من خلال دراسة النقائش المسمارية المكتشفة في بلاد الرافدين ، تعرفنا على معلومات جغرافية مهمة يمكن أن تكون الأساس الذي بني عليه ما يعرف اليوم بعلم الجغرافيا في العلوم الإنسانية، فقد كشفت لنا الأدلة الكتابية والمادية معلومات عن طرق المواصلات البرية والمائية ، وأمدتنا بتسمية للبحار والأنهار والمدن والقرى الواقعة على تلك الطرق والممرات المائية والجز ، ولعل هذه الاكتشافات هي التي ساعدت على قيام علاقات تجارية قديمة تمتد جذورها إلى عصور ما قبل التاريخ ، وغطت مناطق وبلدان قاصية ودانية ، كانت هي الدليل على معرفة العراقيين بالاتجاهات والمسالك والممالك، فمن أواسط أسيا شمالا إلى الخليج العربي الذي أسموه "البحر السفلي" والجزيرة العربية جنوبا ، ومن "موهنجدارو" و"هرّابا" في بلاد وادي السند وبلاد فارس شرقا إلى بلاد الشام وسواحل البحر المتوسط الذي أسموه " البحر العلوي" وبعض الجزر فيه ، بالإضافة إلى مصر وغيرها من البلدان الأفريقية غربا.

ونتيجة لبعد الأمصار التي وصلوا إليها وتعدد اتجاهاتها فقد تصوروا أن الأرض قريبة من شكلها الكروي الحالي ، وخير مثال يمكن أن نسوقه على ذلك ، الخارطة التي رسمها البابليون والتي تمثل من وجهة نظرهم العالم القديم (الكرة الأرضية) مثبتا عليها بالكتابة المسمارية أسماء البلدان والمدن والأطراف العامة من جبال ومياه بينما تخيلوا إن وسط العالم هو مدينة بابل (انظر شكل رقم 4 أ و ب) .(22)


شكل رقم (4أ) خارطة العالم القيم للبابليين الذين تصوروا العلم وكانه كرة مدورة


(شكل رقم 4 ب) القسم الأمامي والخلفي والشكل الطبيعي للخارطة الجغرافية بأول وأقدم خط كتابي في العالم هو الخط المسماري العراقي القديم


يتضح لنا مما سبق ان الجغرافي البابلي قد رسم العالم بإسقاط مساحات الكرة الأرضية على مسطحين متداخلين دائريين ، فهذا يعني انه اقترب كثيرا في تصوراته التي توصل إليها علماء الجغرافيا المحدثون من وصف الأرض بشكلها الكروي.

لقد توج العراقيون القدماء علومهم ومعارفهم الخاصة بعلم الجغرافيا من خلال النقائش المسمارية الخاصة بفتوح البلدان وأسمائها والمسافات بين مدينة وأخرى، ومن بين أهم ما ورد في هذا المجال، نقش تركه لنا مؤسس أول إمبراطورية في التاريخ الملك سرجون الاكدي (2371 ـ 2316 ق.م ) حيث ذكر المسافة بقياس الساعة المضاعفة ( وهي الساعة البابلية وتساوي ضعف زمن الساعة الحالية، وتقدر بحوالي فرسخين"10.8 كلم") ونص ترجمة الكتابة الآتي:

" مسيرة 120 ساعة مضاعفة بين منابع الفرات وبلاد ميلوخا (بلاد وادي السند) ومجان (عمان)، الحدود التي فتحها سرجون ملك العالم ، عند سيطرته على كل البلاد المغطاة بالسماء ، الحدود التي حددها بالقياسات التي ثبتها"(23)

وفي نفس النقش نجد ثبتا بأبعاد حدود ـ مساحة ـ كل بلد وكمثال على ذلك نقرأ:

"90 ساعة مضاعفة مساحة بلاد عيلام (غرب إيران حاليا)، 180 ساعة مضاعفة مساحة بلاد اكد"(24)

ومن الناحية الطبوغرافية فان العراقيين القدامى تركوا لنا نقائش ورسومات حددوا من خلالها الجبال والصحارى والمسطحات المائية والأنهار والمجاري ودونوا قوائم بأسمائها كما حددوا الاتجاهات الأربعة الرئيسية وهي ظاهرة لم تعرف إلا في وقت متأخر ، كما حددت بعض الخرائط الخاصة بالمدن حدود مدينة معينة ومخططها العام والخاص ومن أمثلة ذلك خارطة مدينة نفر المقدسة جنوب العراق بحدودها ومعابدها وشوارعها وأبنيتها المختلفة، على لوح طيني مفخور محفوظ في متحف جامعة ينا في ألمانيا (انظر شكل رقم 5) ، لتبين مدى اهتمام العراقيين القدماء في رسم الخرائط في حدود الألف الثاني قبل الميلاد.(25)


( شكل رقم 5) خارطة مدينة نفر


أما في مجال معرفة سكان بلاد الرافدين بجغرافية المناخ فخير مثال على ذلك ما خلفوه من لنا من كتابات تخص مواعيد الزرع والحصاد أو ما يعرف بكتاب الفلاحة والانقلاب الشتوي والصيفي الخاص بالمناخ الملائم لزرع النباتات. وبذلك يكون سكان بلاد الرافدين أول من وضع أسس العلوم الجغرافية بفروعها المختلفة والتي اخذ عنها اليونانيون،(26) والرومان وغيرهم من الأقوام الشيء الكثير . 


الخاتمة:


إن ما عرضناه في هذه الورقة لا يمثل كافة أوجه الجذور الحضارية القديمة فيما يتعلق بالعلوم والمعارف الإنسانية، فهناك مواضيع كثيرة أخرى لا تقل أهمية عن تلك التي اشرنا إليها ، ولان الحديث عن جميع العلوم والمعارف طويل ، فقد اخترنا شذرات من كنوز تلك العلوم الإنسانية ، أمكن من خلال دراستها القول بان اختراع الكتابة في بلاد الرافدين في حدود منتصف الألف الرابع قبل الميلاد كان من ابرز المنجزات الحضارية في التاريخ ، كما أن انتشار الخط المسماري العراقي القديم إلى بلدان وأقاليم عدة في الشرق الأدنى، واستخدامهم وتعلمهم إياه، يجعل تلك الشعوب مدينة لأهم الإسهامات الحضارية التي أبدعتها الحضارة العراقية القديمة، فبموجب تلك الكتابات، انتقلت كثير من المفاهيم والمعتقدات والعلوم والنتاجات الأدبية التي شكلت النواة الأولى للتقدم والبناء الحضاري الإنساني.

إن دراسة مكثفة للكتابات العراقية القديمة يزيد بدون ادني شك من علومنا ومعارفنا عن تاريخ جزء مهم من تاريخنا العربي القديم والذي هو بكل تأكيد تاريخ نقرأ من خلاله أن هذه العلوم تمثل الآن الصورة المشرقة لطريق العلم والمعرفة إذا ما أحسن اختيار واستغلال تلك الكتابات مع العمل الأثري الممتع. 


الإحالات والهوامش :


1- عامر سليمان ، اللغة الاكدية ، البابلية ـ الآشورية تاريخها وتدوينها وقواعدها ، ط2 ، الدار العربية للموسوعات ، بيروت ، 2005، ص 163.

2- عامر عبدالله الجميلي ، الكاتب في بلاد الرافدين القديمة ، منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2005، ص 12 وما بعدها.

3 - Labat R (2002) Manuel ď Epigraphie Akkadienne, 6Edition, paris,No.233,p.129.

4 - Kramer S.N ( 1949) Journal of the American Oriental Society, No.69,p.210ff.

5 - هاري ساكز ، عظمة بابل ـ موجز حضارة وادي دجلة والفرات القديمة ، ترجمة وتعليق عامر

سليمان إبراهيم ، الموصل ، 1979 ، ص 488- 490.

6- هاري ساكز، الحياة اليومية في العراق القديم (بلاد بابل وآشور) ترجمة، كاظم سعد الدين، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 2000.‏ ص 83 . كذلك ينظر : سعيد، مؤيد: المدن والمدنية والمعابد، المدينة والحياة المدنية، ج 1، بغداد، 1988، ص 126.

7- طه باقر ، مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة ، الجزء الاول ، الوجيز في تاريخ حضارة وادي الرافدين ، منشورات دار البيان ، بغداد ، 1973، ص 95.

8- Labat R,op.cit, p.59, No.51.

ومن الجدير بالذكر لان المؤرخ والفيلسوف ابن خلدون في مقدمة مقدمته اشار الى ان التاريخ بحث ونظر ونقد وتحقيق واوصل امر التاريخ عند العرب الى مرتبة العلم والى مفهومه في الوقت الحاضر فاستحق بذلك لقب واضع علم التاريخ.انظر :عبدالرحمن بن محمد بن خلدون ، المقدمة، الطبعة الثانية ، دار صادر، بيروت ،2006 ، ص11.

9- فاروق ناصر الراوي ، العلوم والمعارف ، حضارة العراق، الجزء الثاني ، دار الحرية للطباعة ، بغداد ، 1985، ص271.

10- The Assyrian Dictionary of the Oriental Institute of the University of Chicago (CAD) 1956-ff,vol.21,Z ,p.115; Labat R,Op .Cit , p.63, No.61.

11-Ibid, p.155, No.335.

12- طه باقر، ملحمة كلكامش، ط4، بغداد،1980، ص54.

13- فاضل عبد الواحد علي، من سومر الى التوراة، دار سينا للنشر، ط2، القاهرة، 1996، ص104.

14- طه باقر(1980)، مرجع سابق، ص78.

15-Jacobsen .Th (1939) The Sumerian King List ,vol.7,p.1-7.

16-Oppenhein .A.L(1969) Babylonian and Assyrian Historical Text ,in(ANET),3rd edit, p.302.

17- طه باقر (1973) ،مرجع سابق ، ص224.

18- فاروق ناصر الراوي ، مرجع سابق ، ص274.

19- نفس المرجع والصفحة.

20- فاضل عبدالواحد على (1996) ، مرجع سابق ، ص112.

21- عامر عبدالله الجميلي ، الكاتب في بلاد الرافدين القديمة ـ دراسة ، منشورات اتحاد الكتاب العرب بدمشق، 2005 ، شكل رقم 36.

22- فاروق ناصر الراوي ، مرجع سابق ، ص279-280.

23- جعفر عباس شويلية وحسين احمد سلمان ، اهم المضاهر الحضارية ، تاريخ العراق قديمه وحديثه، ط1، شركة الوفاق للطباعة ، بغداد ، 1998، ص95.

24- - فاروق ناصر الراوي ، مرجع سابق ، ص282.

25- نفس المرجع ،ص285.

26- سامي سعيد الاحمد ن حضارات الوطن العربي القديمة أساسا للحضارة اليونانية ، ط1،منشورات بيت الحكمة ، بغداد، 2003، ص80


أ.د. قصي منصور عبدالكريم

جامعة صلاح الدين / كلية الاداب ـ قسم الآثار

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

المصدر : هنا 

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker