سيف الطائي

المقاطعات العراقية في نقش كعبة زرادشت

كتب بواسطة: Bessam Tiranu on . Posted in سيف الطائي

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

المقاطعات العراقية في نقش كعبة زرادشت للملك الساساني شابور الاول (240–270م)

تعتبر كعبة زرادشت (الشكل رقم 1) من النصب التذكارية التي يمتد قدمها إلى العهد الأخميني ، اي إلى حوالي القرن الخامس قبل الميلاد ، والنصب هذا مبني على شكل برج في نقش رستم ، وهي من الآثار العالمية المهمة ، تقع في شمال غرب برسبوليس في إيران ، ويعتبر هذا الصرح الغامض مثالاً خالداً من أمثلة التصاميم المعمارية في العهد الأخميني ، وعلى الرغم من وضوح معالمه ، إلا انه يعتبر نصب غامض من ناحية الغرض ، فلو راجعنا المصادر المختصة بمعابد النار في العصر الساساني  يمكننا أن نستنتج بأن هذا البناء كان معبداً للنار, أو مكاناً لإقامة الطقوس للنار الخالدة التي كان الكهنة الساسانيين يقدسونها , أو ربما كانت تُقام فيها احتفالات مقدسة لتخليد الأباطرة المدفونين على بعد أمتار من هذا البناء ، ولكن هذه الفرضية تم رفضها بشكل كبير , لأن قلة التهوية في الحجرة تخنق بسرعة شعلة اللهب التي يشعلها الكهنة في طقوسهم الدينية , كما أن هذه الغرفة لا تسع أكثر من ثلاثة أو أربعة أشخاص ، ثم جاءت فرضية متأخرة لتفترض بأن هذه البناية وشقيقتها في مدينة باسارغاد (1) كانتا بمثابة خزينة لحفظ الممتلكات والأمتعة الخاصة بالحكام ، و يعتبر بعض الباحثين أن هذا البناء هو قبر لأحد ملوك السلالة الأخمينية , وقد لاحظ كل من إف وسباك و أ. ديماندت بأن ملامح كعبة زرادشت قريبة جدا من الملامح والخصائص التي سردهها المؤرخ اليوناني آريان والرحالة سترابو في وصف قبر كورش الكبير وهو أقرب من أوصاف شقيقتها باسارغاد التي ينسب بنائها إلى هذا الملك .
Untitled.png

الشكل رقم (1) كعبة زرادشت

و يحيط بالبناء جدار انشأ في العهد الساساني وقد نقشت عليه البعض النقوش التي يمتد زمنها إلى القرن الثالث للميلاد (الشكل رقم (2) ، كتبت هذه النقوش بثلاث لغات هي البارثية (الفهلوية البارثية) والفهلوية (الفارسية الوسطى في العهد الساساني) واليونانية ، نقشت تحت إشراف الكاهن الأكبر موبد موبدان (موبذان الموابذة في المصادر العربيّ) المدعوّ كاريتر هرمزد أو موبد أورمزد يصف فيه ورع الملك أردشير الأول وابنه شابور بن أردشير وما قاما به من أعمال في سبيل الدّين وخاصّة حروبهما مع الرّومان .
DGDG.png

الشكل رقم (2) نقش شابور الأول في كعبة زرادشت

ولذا سنتاول نقش شابور الأول ابن أردشير ، الذي يعتبر أحد المصادر المهمة لدراسة تاريخ تلك المنطقة القليلة المصادر ، فيعرف هذا النقش في مصادر كثيرة بصيغة (ŠKZ) أو (نقش شابور الأول في كعبة زرادشت) ، وهو مدون بثلاث لغات وهي البارثية واليونانية والفارسية الوسطى ، والنقش بالفارسية الوسطى غير واضح ولا يمكن قراءته بشكل جيد ، وان الترجمة الحالية له جاءت من القراءة للنقش المدون بالبارثية  ، ويعود هذا النقش إلى منتصف القرن الثالث الميلادي بعيد تأسيس الدولة بقليل (241م) ، اذ قدم النقش تفصيل عن الجغرافيا الإدارية والسياسية للدولة الإيرانية الحديثة والتي سميت في النقش باسم (إيرانشهر) اي (دولة إيران)  بعد ان بدأ بتقديم ديانته وعبادته للاله مازدا وملوكيته لإيران ، ثم يقدم النقش اسماء المقاطعات والممالك ضمن دولة إيرانشهر ، ويمكن ملاخظة ان الترتيب المتبع لتلك المقاطعات المذكورة بالنقش كان حسب التنظيم الإداري الأهم بالنسبة للساسانيين ، اي بحسب اهمية المقاطعة بالنسبة للساسانيين وحسب الحجم ، واشبه بما قدمته لنا النقوش الاخمينية كما في نقش بيستون للملك داريوش ونقش ديفا للملك احشويروش ، فيبدأ بذكر الماقطعات الإيرانية في شرق العراق بشكل محدد من إقليم فارس حيث معقل الأسرة الساسانية ومكان التتويج المقدس ثم تعريجه إلى خوزستان ، ثم يتجه غرباً إلى ذكر المقاطعات العراقية ، ثم يعود لذكر المقاطعات في اوربا الشرقية وباقي مناطق إيران ووسط آسيا وغيرها من المناطق ، ثم يذكر في النهاية يعود لذكر مقاطعتي هرمزد-اردشير-شابور (منطقة محصورة بين الاهواز والبصرة) وفيروز-شابور (مدينة الأنبار العراقية) ،  وجاء في النقش :

" انا شابور ملك الاراضي : فارس (šahr Pārs) ، بارثيا (Parθaw)(2) ، خوزستان (Xūzestān)(3) ، ميسان (Mēšān) ، اشورستان (Asūrestān) ، حدياب (Nōdšīragān) ، عربستان (Arbāyestān) ، اذربيجان (Ādurbādegān) ، ارمينيا (Armin) ، فيروزان (Wiržān)4 ، سيجان (Sīgān) ، اران (Ardān)5 ، بالاساجان (Balāsagān) ، وتصل الى القوقاز وبوابة الانس ، وجميع سلسلة جبال البرز(6) ، ميديا (Māδ)(7) ، جرجان (Wurgān)(8) ، مرو (Marγ)(9) ، آريا (Harēw)(10) ، وجميع ابرشهر (Abaršahr)(11) ، كرمان (Kermān)(12) ، سجستان (Sagestān)(13) ، توران (Tuγrān)(14) ، مكران (Makurān)(15) ، بردان (Pāradān)(16) ، الهند (Hindestān) ، كوشان (Kušānšahr)(17) على الطريق الى باشكيبور (Paškabūr )(18) ، والى حدود كاشغر (Kāš)(19) ، صغديا (Suγd)(20) ، وشاش (Čāčestān)(21) ، والى الساحر البحري مازونشهر (Mazūnšahr)(22) ، انا انشأت مدينة بيروز-شابور Pēroz-Šābuhr)) شار(؟) بالاسم ، وانا من انشأت مدينة هرمزد-أردشير Ohrmezd-Ardašīr))(23) شابور بالاسم ، وكل هذه الأراضي والحكام والأقاليم العديدة كانت خاضعة لي"(24) .

وكما في النقش جاءت ميسان (Mēšān) بالترتيب الرابع على مستوى الدولة الساسانية والأول على مستوى المقاطعات العراقية ، وذلك لكون اهمية ميسان لها اهمية تجارية كبيرة ، وخاصة إنها في تلك الفترة اصبحت حلقة وصل بين الصين وروما ، اي حلقة وصل تجارية بين الشرق الاقصى وباقي مناطق اوربا ، وميسان هي نفسها مدينة الاسكندرية التي انشأها الاسكندر المقدوني عام 325ق.م ، وعرفت عند الباحثين باسم اسكندرية دجلة ، وتقع اليوم في تلال خيابر في محافظة البصرة (الشكل رقم 3) ، وعلى الرغم من ذلك فانها حملت اكثر من اسم في العهد السلوقي وما بعده من عهود ، بسبب تبدل الحكام والاحداث السياسية التي عاشتها المدينة ، وكذلك نتيجة الإهمال وإعادة البناء المتكررة ، عرفت ميسان لأول مرة بهذا الاسم باللغة الإغريقية بصيغة (Masene) عند سترابو في القرن الأول قبل الميلاد الذي تحدث عن ساحل منطقة الخليج العربي(25) ، فضلاً عن ذلك فقد ورد اسمها في نقش يوناني من مستوطنة (بيت شعاريم)(26) فذكرت بصيغة ميسان Masene ، ومن بين الأسماء التي عرفت بها قديماً اسم كاراكا او كرخة او الكرخ (Caracha) ، وبعد ان كانت المدينة ضحية الطوفان مرة اخرى أعاد بناءها ملك من ملوك ميسان يدعى(هيسباوسينس) (HyspaoSins) وسماها كاركس هيسباوسينس (Charax- Hyspaosins) بعد سنة 129 ق.م ، وهي تسمية مشتقة من اسم العاصمة(27) ، كما ذكرت في كتابات مختلفة ومثال على ذلك عثر على كتابتين منقوشتين على فخذي تمثال برونزي للاله هرقل قم أحد الملوك البارثيين بنقله من ميسان إلى سلوقية في معبد الإله ابولو ، لذلك ان المتتبع لتاريخ المدنية وتسميتها يجد له الكثير من الإشارات ، فقد ورد اسمها باللغة الارامية بصيغة (Mysn) (ميشن) والسيريانية (Maisan) (مَيشان) بفتح الميم ، وفي العبرية (mesun) بكسر الميم ، اما بالبارثية فتسمى (Maesun) (ميشون) ، وقد اطلق عليها الصابئة باللغة المندائية اسم (ميس يانة) ومعناها الماء الممزوج بمخلفات بقايا الاهوار(28) ، فضلاً عن ذلك فقد وردت لها اشارات في كتاب التلمود البابلي(29) ، كما في النص :"ان اتحاد هارابانيا يكون بعد اتحاد ميشان وان اتحاد ميشان يكون بعد اتحاد ترمود(تدمر)"(30) ، كما ورد اسم ميسان في تلمود اورشليم(31) ، فيذكر ان (راباي حنينا بيروقيا) يتحدث عن لسان راباي ويقول:" ان سكان ميشان مشغولون بالتجارة والحرف وما شابه ذلك"(32) ، ويفهم من سياق النصوص السابق ان التلمود لم يعطِ تسمية جديدة لميسان ، اذ وردت في النصوص التلمودية باسم ميشان وهي تسمية ورد ذكرها في معظم الكتابات القديمة ، ويوجد كذلك ذكر لميسان في مصادر يهودية اخرى غير التلمود ، فقد ذكر المؤرخ اليهودييوسيفوس (37-100م) : "ان الميسانيين يطلقون على اقليم ميسان اسم (اسباوسن – كراكس)"(33) ، ويذكر ان ملك حدياب والذي يدعى ايزاتيس (36-60م) ذهب إلى (Charax) واثناء رحلته تعرف إلى تاجر يهودي يدعى حنانيا الذي اعجب به وتأثر به وعندما عاد إلى حدياب  اخذه معه" .

ويعتقد ان كلمة ميسان تعني في قواعد اللغة البابلية (ماء القمر) ، حيث ان (ميسان) تتكون من (ما) وهي الماء بالعربية و(سن) تعطي معنى القمر وهو من الالهة القديمة الذي كان معبوداً في ارض بلاد وادي الرافدين ، ولذلك فإنها تعني (ماء القمر) ، ويقصد بذلك المياه التي تتأثر باوضاع القمر واحداثه المد والجزر(34) ، اما الرأي المقبول والارجح هو ان ميسان تعني المدينة المسورة او المدينة المحصنة ، وهذا ما يتطابق مع معناها باليونانية ، حيث ان كلمة كرخ بالاصل هي كلمة اكدية جاءت بصيغة (كيرخو) وتعني المدينة المحصنة / المدينة المدورة المحصنة .
YDH.png

الشكل رقم (3) موقع مدينة ميسان (Characene)

وبالعودة إلى نقش شابور الأول ، نلاحظ ورد ذكر شخص آخر يدعى شابور كان ملكاً على ميسان  ، عرف ببعض المصادر باسم شابور ميشانشاه (Shapur Meshanshah) اي شابور ملك ميسان ، وعلى ما يبدو ان هذا شابور لم يكن من اهالي ميسان بل كان إيرانياً ، وهو ابن الملك شابور الأول وزوجته كانت تدعى ديناك ، وكما جاء في النقش عند ذكر ملوك المقاطعات :

"وهنا من خلال هذا النقش ، قمنا بتأسيس 18 شعلة للنار (مذبح النار الزرادشتي) ، خسرو-شابور بالاسم لروحنا وتكريس اسمنا ، شعلة النار تدعى خسرو-ادوراناهيد بالاسم لروح ابنتنا ادوراناهيد ، ملكة الملكات ، لادامة اسمها ، شعلة النار تدعى خسرو-هرمزد-اردشير بالاسم لروح ابننا ، هرمزد-اردشير الملك العظيم لارمينيا ، لإدامة اسمه ، شعلة النار اخرى باسم خسرو-شابور بالاسم ، لروح ابننا شابور ملك ميسان ، لإدامة اسمه ..."(35) .

وفي تكملة النقش تم ذكر ابناء شابور ملك ميسان ، والذكور هم (هرمزد ، هرمزداك ، أدواباخت ، بهرام ، شابور وبيروز) ، أما ابنته الانثى الوحيدة فكانت تدعى (شابوردوختاك) ، وكما في النقش :

"من أجل ساسان السيد ، الملك باباك ، الملك شابور بن باباك ، ملك الملوك أردشير ، ملكة الإمبراطورية الخورازمية ، ادوراناهيد ملكة الملكات ، الملكة ديناك ، بهرام ملك غيلان ، شابور ملك ميسان ، نرسايدخت ملك ارمينيا العظيم ، نرساي ملك بلاد ساكا ، شابوردوختاك  ملكة الساكا ، نرسايدخت أميرة الساكا ،... هرمزد ، هرمزداك ، اوداباخت ، بهرام ، شابور وبيروز ، ابناء ملك ميسان ، شابوردوختاك ابنة ملك ميسان ..."(36) .

 وبعد وفاة شابور ملك ميسان اصبح حكم ميسان بيد زوجته ديناك هي كما ذكر بالنقش ايضاً :"ديناك ملكة ميسان"(37) ، ثم ابنتها شابوردوختاك من بعدها التي حكمت ميسان ، والتي تزوجت فيما بعد من الملك الساساني بهرام الثاني بن بهرام الاول الذي حكم من عام 274م الى عام 293م ، وظهرت صورة شابوردوختاك ملكة ميسان مع صورة زوجها على العملات الساسانية التي ضربت من عهده كما في الشكل رقم (4) ، وتذكر المصادر التاريخية ان بهرام الثاني كان اكبر ابناء بهرام الاول ، وانه نشأ في خوزستان وفي وسط سرياني نصراني ، ويعتقد انه تعلم العقيدة النصرانية وبعضاً من اللغة السريانية في بلاد مابين النهرين ، وخلال فترة حكم والده لم يصل الى سن الرشد الا انه اصبح حاكماً على سيستان ، وعندما توفي والده عام 276م نجح بالوصول الى العرش بمساعدة من معلمه الكاهن المزدائي (كاريتر) .
YFJ.png

الشكل رقم (4)

أما بالنسبة لمقاطعة آشور التي ذكرت بالنقش بصيغة آسورستان (Asūrestān) (الشكل رقم 5) نلاحظ انها جاءت في الترتيب الخامس على مستوى الدولة الساسانية والثانية على مستوى المقاطعات العراقية الواقعة تحت سيطرة الساسانيين ، وذكرت آشور في النصوص الاخمينية بصيغة (Athurâ)(38) ، بينما في هذا النقش وردت بصيغة (Asūrestān) ، وفي النص الليوناني للنقش ذكرت بصيغة (Assyrian) ، فتكرر استعمال هذه الصيغة في النقوش الساسانية الملكية والدينية في القرنين الثالث والرابع الميلاديين ، وفي القرن الخامس الميلادي يظهر هذا اللفظ ايضاً على الاختام الساسانية المتعلقة بالوظائف الإدارية الرسمية للدولة ، حتى تم استعماله ايضاً في المصنفات الأدبية الفهلوية الدينية والمصادر الفارسية التاريخية وغيرها ، وعند محاولة البحث عن الجذر اللغوي للمصطلح ، يتضح إنه مركب من مقطعين هما (سور/آسور) و(استان) ، والمقطع الاول هو تصحيف لكلمة (آشور) التي وردت بالمصادر المسمارية وباللغة الأكدية ، أما المقطع الثاني فهو اللاحقة (استان) التي تدخل في الفارسية القديمة والفارسية الوسطى على اسماء الأمكنة ، واستمر استخدامها في الفارسية الحديثة ، يرتبط بها في أغلب الأحيان مقطع أول هو اسم إثنية مهيمنة على مكان محدد ليكون التعبير مركباً يشير إلى اسم بلد أو مقاطعة واسعة ، وهذا واضح في أسماء دول كثيرة حملت هذا التركيب مع لاحقة المكان (استان) ، ، ثم انتقل المصطلح واستعمل في المصادر الفارسية بطريقة مدمجة اي (آسورستان) واختصر في العهد الأشكاني إلى (سورستان) ، وذلك بين عامي 249-224ق.م ، حين انتزع الرومان بعض اجزاء بلاد آشور اثناء حروبهم مع الأشكانيين في الوقت ذاته الذي استمر فيه الأشكانيون بتسمية سورستان القديمة للمناطق التي بقيت تحت سيطرتهم ، أما في العصر الساساني نلاحظ ان بعض الباحثين اعتقدوا ان مقاطعة آشور الساسانية تشكل العاصمة قطيسفون حدها الشمالي وتكاد تكون ميسان تخومها الجنوبية ، وكان ذلك على مدى عمر الدولة الساسانية ، ولم يلحظ اي تغيير في ذلك ، لكن عند أعادة دراسة النقوش الساسانية المادية ومقارنة معطياتها بالروايات الأدبية الفهلوية نجد ان من الممكن الحصول على نتائج مغايرة لتلك الصورة التقليدية التي اسقبلتها البحوث اللاحقة بوصفها حقيقة نهائية على مدى أربعة قرون تمثل عمر الدولة الساسانية ، وعند اختبار هذه النتيجة في المصادر المادية الساسانية ، يمكن معاينة تفاصيل دقيقة وحيوية تشير إلى تغيير مستمر في تلك التخوم ، كما في مقاطعة سورستان ، كما في النقش اعلاه ، حيث رسمت الحدود الجنوبية لسورستان بموقع مملكة ميسان ، أما عن جه الغرب لمقاطعة سورستان ، فنلاحظ ان النقش يذكر إشارة مهمة عن حملة الإمبراطور البيزنطي كرديانوس على الحدود الغربية للمقاطعة ، حيث ذكر ان جيوش القيصر كرديانوس توجهت إلى حدود سورستان للهجوم على إيرانشهر ودارت معركة حامية الوطيس بن الطرفين في مشيك ، كما في النقش :

"جمع القيصر كرديانوس (Gōrdanyos Kēsar  ) جيشاً من كل أرض روما ، الغوط (Gōt ) والمانيا (Garmāniyā) ، والى آسورستان جاء ضد إيرانشهر وضدي ، وعلى حدود آسورستان في مشيك (Mišīk ) حدثت معركة وجهاً لوجه ، وقتل كرديانوس ودمر جيش الرومان (Frōmāyīn ) ، وجعل الرومان فيليب قيصراً عليهم (Filip)os kēsar) ، فجاء ألي للتضرع ، ولأرواحهم أعطى 500000 ديناراً (dēnār) كدية لي ... ، ولذلك انا اعطيت مشيك (Mišīk ) اسم بيروز-شابور"(39) .

وتقع مشيك (ميسيخو أو ميشيخو) (Misikhe) عند مدينة بيروز شابور (الانبار) وتمثل الحدود الغربية لمقاطعة آسورستان تبعاً للوصف الموجود في النقش ، حيث ان انتصار شابور الأول على كرديانوس وقتله له واختيار الرومان لفيليب كإمبراطور لهم وذهابه إلى شابور الأول وتضرعه له جعل من شابور الأول يغير اسم مدينة مشيك إلى مدينة فيروز أو بيروز-شابور وتعني (شابور المنصور) ، وبالنسبة للقب المنصور ، فأول من عرف به هم الملوك السلوقيين كما ظهر ذلك في النصوص المسمارية التي تخص فترتهم وكذلك عرف به الملوك العرب في مملكة الحضر ، وهذا اللقب كان يستخدمه الملوك على انفسهم بعد انتصارهم في المعارك ، وكذلك وردت إشارة اخرى إلى ذكر مدينة بيروز-شابور وهي في رواية من القرن الرابع الميلادي للمؤرخ الروماني اميانوس مرشيلينيوس بعد ان تناول في تاريخه الحوادث التي وقعت بين عامي (96-370ب.م)(40) .

ولكن حسب ما جاء في تكلمة النص ان الإمبراطور الروماني فيليب قد خلف وعده لشابور ، وقام بمهاجمة ارمينيا والحاق الضرر بها ، مما جعل شابور يقوم بحملة مضادة ضد الرومان في سوريا والاناضول ، حيث قام بغزو القلاع والمدن فيها ، وكذلك في عهد الإمبراطور فاليريان في حملة ثالثة ، وقام بنقل الأسرى من تلك المناطق إلى المقاطعات المهمة في الدولة الساسانية وهي (فارس وبارثيا وخوزستان وآسورستان) :

"... والرجال الذين من أرض الرومان ، من غير إيران ، تم اعتبارهم كغنائم ، وتم ارسالهم إلى إيران ، إلى فارس ، بارثيا ، خوزستان ، آسورستان والأراضي الأخرى ، والأراضي التي تم تأسيس المستوطنات بها ، من قبلي ووالدي ووالدي والأجداد ، استقروا هناك ..."(41) .

وبمعاينة المناطق العليا ترد مقاطعة حدياب في الجزء الشمالي الشرقي بوصفها الحد الاعلى لمقاطعة سورستان (الشكل رقم 5 ايضاً) ، وتتطابق هذه الحدود إلى حد كبير مع رواية الكتاب الملكي الساساني (خداى نامة) ، التي اعتمدها الطبري في حديثه عن حركة مؤسس الدولة أردشير الأول (224-241م) ابان ثورته في مطلع القرن الثالث الميلادي ، حيث يذكر :"ثم سار من الموصل إلى سورستان ، وهي السواد فاجتازها ، وبنى على شاطئ دجلة قبالة مدينة قطيسفون وهي المدينة التي في شرقي المدائن – مدينة غربية ، سماها به أردشير" ، ولهذا تتضح الحدود بشكل صريح بين منطقة الموصل وسورستان ، وفي النقش ايضاً يرد ذكر لملك حدياب في نفس الفترة :"أردشير ملك حدياب"(42) ، وحدياب هي ملكة قديمة شبه مستقلة موالية للبارثيين شمال بلاد الرافدين ما بين (15-116م) ، حيث استمر حكمها حوالي قرن ، كانت عاصمتها في مدينة اربائيلو والتي هي أربيل حاليا ، اعتنقت ملكتها هيلينا الحديابية اليهودية في القرن الأول الميلادي التي ذكر المؤرخ يوسفيوس بانها انتقلت إلى أورشليم حيث انها مكثت هناك مع ابنها مونوباز الثاني فترة قبل وفاتها هناك(43) ، ومعظم سكان المملكة كانوا من الآشوريين الذين اعتنقوا المانوية والمسيحية في القرون اللاحقة ، بالإضافة إلى أعداد من اليهود والفرس(44) ، واستطاع الأمبراطور الروماني تراجان احتلال المنطقة وإسقاط المملكة عام 116م بعد حرب مع البارثيين ، حيث أسس فيها ولاية آشور الرومانية(45) ، واشتهرت حدياب في القرون المسيحية الأولى بمطرانيتها التي أصبحت مركزا للمسيحية السريانية الشرقية .

وبعد حدياب ذكرت المقاطعة العربية (عربستان) ، وبشكل مؤكد ان هذه المقاطعة تشكل الحدود الشمالية الغربية من مقاطعة سورستان (الشكل رقم 5 ايضاً) ، وجزء كبير منها هي الجزيرة الفراتية أو ما عرفت بممكلة عربايا أو مملكة الحضر ، حيث عرفت الحضر كجزء من إقليم عربايا الذي ورد ذكره ايضاً بالنصوص الأخمينية بصيغة عربايا (Arabâya) وكانت تقع بين بابل وآشور ومصر ، وذكرت عربايا في كتابات مملكة الحضر ايضاً ، كما في الكتابة الحضرية رقم (79) ، التي عثر عليها مدونة على لوح من الرخام طوله 80سم وعرضه 60 وثخنه نحو 40سم في أرضية المعبد الحادي عشر في وسط القاعة المستطيلة :

"هذا تمثال المنتصر بحظه ، قريب الإله ، ابن عبد سميا الملك ، اقاموه له ... ، يهبرمرين والكود ابنا شمشبرك بن الكود بن شمشبرك بن الكود وذريتهم ، وابناء يهبرمرين والكود الاقربون والابعدون ، الذين في الخارج والذين في الداخل ، باسم سيدنا النسر ، وبملكوته ، وبآلهة الحظوظ العائدة إلى العرب ، وبالإله سميا العائد إلى الرعاة البدو (اول إلى إقليم مشكنه) ، وبآلهة الحظو العائدة إلى الملك سنطروق وذريته وأبنائه كلهم إلى الابد ، ليكن الدبرهن وانشمن ابنا عمهم (بالتبني) معن بن سنطروق الملك مذكورين (بخير) إلى الابد في مدينة الحضر وإقليم عربايا"(47) .

كذلك ورد إشارة إلى إقليم عربايا في كتابة حضرية اخرى ، وجدت على نصب للنار مصنوع من حجر الكلس ، ارتفاعه حوالي 90سم وعرضه عند قاعدته 36سم وهو بشكل منشور رباعي ، عثر عليه في وسط أرض مسطحة نصف دائرية في مقدمة مدرج صغير بالقرب من الجدار الذي يفصل بين حرم المعبد الكبير وصحنه :

"بشهر نيسان سنة 460 (بالتقويم السلوقي  149 بالتقويم الميلادي) انا عبدنب(؟) بن نشرو بن ابا اخو جرملت الزعيم ، اقمت نصباً للجد العائيد لإقلم عربايا(؟) واقمت تمثالي لحياة معنو السيد ولحياة بزل وبدا ابنيه ، ... ، جد العرب بيوم 14 بشهر ... بسنة 460 بعد يوم ... باسبوع ... وعليه لرحشمش بن حريشو بن ..."(48) .

وبشكل مؤكد فإن إقليم عربايا لا يتوقف عند حدود مدينة الحضر بل يمتد ليشمل مدينة نصيبين في تركيا ودورا في سوريا ، اي أغلب مناطق الجزيرة الفراتية على اعتبار ان الرها كانت تحت سيطرة البيزنطيين في تلك الفترة .
TJJTR.png

الشكل رقم (5) موقع مقاطعة آسورستان وحدياب وعربستان ضمن الحدود الإدارية للدولة الساسانية


المصادر والهوامش :

1- باسارغاد : أول عاصمة للأخمينيين في أيّام كورش الكبير .

2- بارثيا : اسم منطقة تاريخية في شمال شرق إيران تعادل تقريبا غرب خراسان ، عرفت بكونها المركز السياسي والثقافي للسلالة الأرشكية التي حكمت الإمبراطورية البارثية.

3- خوزستان : منطقة تاريخية في غرب إيران بالقرب من العراق ، تعرف اليوم باسم الأهواز أو الأحواز ، وأغلب سكانها من العرب .

4- فيروزان : امارة ايبيريا في جورجيا حالياً .

5- اران : دولة البانياا القوقازية

6- سلسلة جبلية تقع اذربيجان وإيران وتركمانستان .

7- ميديا : منطقة تاريخية تقع شمال غرب إيران ، عرفت باسمها بالنسبة إلى سكانها الميدييون الذي عرفوا في المصادر المسمارية الآشورية والبابلية ، وكانت عاصمتها تدعى (اكباتنا) .

8- جرجان : منطقة تاريخية تقع في شمالي إيران حالياً وكانت جرجان مركز منطقة استرآباد .

9- مرو : منطقة تاريخية تقع اليوم في تركمانستان وتعتبر أحدى أهم مدة إقليم خراسان .

10- آريا : تقع في إقليم خراسان ، واسمها يعني بلاد الإريين

11- ابرشهر : الاسم القديم لمدينة نيشابور (نيسابور) عاصمة خراسان ، تقع شرق ايران بالقرب من بلاد الترك .

12- كرمان : تقع جنوب شرق إيران .

13- سجستان : منطقة تاريخية تقع معظمها في أفغانستان وأجزاء منها في باكستان و إيران .

14- توران : بلاد الطورانيين في توران هي آسيا الوسطى اي أرض توركمان المتمثلة بالآوزبك وقرغز وكازاغ وتوركمان واذر وتتار وبلغار ومغول وباقي اطياف التوركية .

15- مكران : جنوب شرق إيران وغرب باكستان، وتطل على بحر العرب.

16- بردان : وتقع في مقاطعة بلوشستان في باكستان .

17- كوشان : وتقع اليوم في أفغانستان .

18- باشكيبور : يعتقد إنها مدينة بيشابور التي تقع في محافظة فارس في إيران .

19- كاشغر : منطقة تاريخية تقع في تركستان الشرقية .

20- صغديا : إقليم صغد في طاجيكستان حالياً .

21- شاش : طشقند عاصمة دولة اوزباكستان .

22- مازونشهر : بلاد مازونا ، وهي سلطنة عُمان حالياً .

23- هرمزد-أردشير : منطقة تقع بين الأهواز والبصرة .

24- Huyse, Philip. 1999. Die dreisprachige Inschrift Šābuhrs I. an der Ka’ba-I Zardušt (ŠKZ). Vol. 3 (1). Corpus Inscriptionum Iranicarum. London: School of Oriental and African Studies.

25-  Hansman. Ohn:Charax and the karkheh lrahica Ahtiava vol.Vll(Leiden: 1967)p.76. 

26-  احمد بن محمد الصراي ، اليهود والخليج العربي، حوليات الاداب والعلوم الاجتماعية، الحولية(21)، (الكويت: جامعة الكويت، 2000م) ص25 .

27-  Tarn.W-the Creekes in Batira and in dia sed (cambrige: 1963) P.66.

28-  احمد بن محمد الصراي ، نفس المصدر السابق ، ص25 .

 29-التلمود البابلي: معناه (الشروح او التعاليل)، وهو احد المؤلفات اليهودية بعد التوراة ويتألف من قسمين المشنة (Mishnah) والكلمة تعني (الاعادة والتكرار) أو (التثنية والتردد) وهي توضيح للشريعة التغهية، اما القسم الثاني فهي(الجمارة) وهي مجموعة توضيحات وتعليقات على المشنة، لذلك فالتلمود البالبلي يتضمن التعاليم الصادرة عن رجال الدين في بابل وهو مكتوب باللغتين العبرية والارامية وهو أقدم من تلمود اورشليم واهم منه فان المسائل بحثت فيه بصورة أكمل وأعمق وهو يشكل الى جانب كتاب التوراة مرجعاً دينياً رسمياً بالنسبة للديانة اليهودية،(ينظر: هنري، معجم الحضارات السامية، ص282). 

30- احمد بن محمد الصراي ، نفس المصدر ، ص24 .

31- التلمود الاول الذي يطلق عليه التلمود الفلسطيني جرى تنظيمة في فلسطين و(حضورية وطبرية، وقيصربة)، وقد جمع على ايدي الباحثين من احبار اليهود والمسبيين الذين عاشوا في بابل وقد تفرعوا للعقاند والشروح والاجتهاد، وكان اول من كتب عنه هو الاب (راباي حنينا يوحنا)، ما بين القرنين الخامس والثالث قبل الميلاد واكمله واضاف اليه الاحبار الذين جاؤا بعده الكثير من الشروح والتفاصيل وكان تدوينه النهائي قد اكتمل في القرن الرابع الميلادي، (ينظر: النجفي، حسن، معجم المصطلحات والاعلام في العراق القديم،( بغداد، مطابع المملكة، دار اثار عالمية، 1983م)، ج1، ص139.  

32- احمد بن محمد الصراي ، نفس المصدر ، ص24 .

33- احمد بن محمد الصراي ، نفس المصدر ، 26-27 .

34- عبدالرزاق الحصان ، الامارة العربية في ميسان، مجلة (المجمع العلمي العراقي)، المجلد3( بغداد: المجمع العلمي العراقي ، 1954م) ص202.

35- Huyse, Philip. 1999. Die dreisprachige Inschrift Šābuhrs I. an der Ka’ba-I Zardušt (ŠKZ). Vol. 3 (1). Corpus Inscriptionum Iranicarum. London: School of Oriental and African Studies

36- Huyse, Philip. 1999. Die dreisprachige Inschrift Šābuhrs I. an der Ka’ba-I Zardušt (ŠKZ). Vol. 3 (1). Corpus Inscriptionum Iranicarum. London: School of Oriental and African Studies

37-  Huyse, Philip. 1999. Die dreisprachige Inschrift Šābuhrs I. an der Ka’ba-I Zardušt (ŠKZ). Vol. 3 (1). Corpus Inscriptionum Iranicarum. London: School of Oriental and African Studies

38-  Rawlinson, H. C . The Persian Cuneiform Inscription at Behistun, Decyphered and Translated; With a Memoir on Persian Cuneiform Inscriptions in General, and on That of Behistun in Particular .  P28

39- Huyse, Philip. 1999. Die dreisprachige Inschrift Šābuhrs I. an der Ka’ba-I Zardušt (ŠKZ). Vol. 3 (1). Corpus Inscriptionum Iranicarum. London: School of Oriental and African Studies

40-  فؤاد جميل/سالم الالوسي ، العراق في القرن الرابع للميلاد/بحسب وصف المؤرخ الروماني اميانوس مرشيلينوس ، مجلة سومر العدد 17 ، 1961 ، ص153 .

41 -Huyse, Philip. 1999. Die dreisprachige Inschrift Šābuhrs I. an der Ka’ba-I Zardušt (ŠKZ). Vol. 3 (1). Corpus Inscriptionum Iranicarum. London: School of Oriental and African Studies

42 - Huyse, Philip. 1999. Die dreisprachige Inschrift Šābuhrs I. an der Ka’ba-I Zardušt (ŠKZ). Vol. 3 (1). Corpus Inscriptionum Iranicarum. London: School of Oriental and African Studies

43- Josephus, "Ant." xx. 2, § 1.

44- Fiey, J. M. (1965). Assyrie chrétienne I. Beirut: Imprimerie catholique.

45 - Trajan's Parthian War and the Fourth-Century Perspective Author(s): C. S. Lightfoot Source: The Journal of Roman Studies, Vol. 80 (1990), pp. 115-126.

46- Rawlinson, H. C . The Persian Cuneiform Inscription at Behistun, Decyphered and Translated; With a Memoir on Persian Cuneiform Inscriptions in General, and on That of Behistun in Particular .  P28

47- فؤاد سفر ، مجموعة كتابات الحضر ، الكتابة رقم 79 .

48- فؤاد سفر ، نفس المصدر ، الكتابة رقم 288 .

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker