سيف الطائي

آلهة العرب / الجزء الاول

كتب بواسطة: Bessam Tiranu on . Posted in سيف الطائي

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

 

مازال موضوع تاريخ العرب يشغل بال الكثير من الباحثين على الرغم من ان الفرضية الحديثة بدأت تسود على حساب الفرضيات القديمة التي ذكرت ان العرب قدموا الى العراق والشام نتيجة هجرات من اليمن وباقي اجزاء الجزيرة العربية ، والفرضية الحديثة توضح ان العرب لم يأتوا من هذه المناطق بل على العكس ان العرب ظهروا في شمال جزيرة العرب بالتحديد في الشام ثم العراق ، ثم هاجروا الى ما تسمى اليوم بجزيرة العرب ، ولذلك يمكن الاستدلال عن إلهة العرب من خلال تاريخ تلك المنطقة ، وبعض ما يمكن ملاحظته من خلال اسماء الاعلام التي وردت بالاشارة إلى ثقافة المنطقة التي عاشوا وظهروا فيها ، وان هذا الظهور كان في العصر الآشوري الحديث بالتحديد في عهد الملك الاشوري شولمانو- اشارئد الثالث في الاكادية وشلمنصر في التناخ (858-823 ق.م ) ، وهو اول ملك يذكر انه دخل في حروب مع العرب ، حيث تحدث عن معركة قرقر ضد التحالفات الآرامية في بلاد الشام ، والتي شكل العرب فيها جزءاً من هذا التحالف بقيادة ملكهم (جندب) وعرفوا بـ (عريبو) ، ولذلك فإن العرب هم شعب اقرب للثقافة الآرامية واقرب من اي ثقافة اخرى ، حيث جاء في النص :

 "في اليوم الرابع عشر من شهر أيار ، غادرت نينوى وعبرت دجلة متجهاً نحو مدن الملك خيامو على ضفاف نهر الباليخ (في سوريا) ، فهربوا من بأسي وجبروت قوتي ... ثم سرت وعبرت الفرات في موسم الفيضان ، وتسلمت الجزية من ملوك بلاد حاتي (سوريا) واتجهت نحو مدينة اليبو (حلب) ، ولكن سكانها استولى عليهم الرعب وخافوا من مواجهتي عن قرب ... ثم لاحقت العدو إلى قرقر وحطمتها وأحرقتها ، وكان مع ارخوليني ملك حما وحلفائه 1200 عربة و1200 فارس ، و20000 جندي من حداد-ادري ملك دمشق ، 700 عربة ، 700 فارس ، 10000 جندي من ارخوليني ملك حماة ، و20000 عربة و10000 جندي من اخاب ملك سيرالاي ، 5000 جندي من قو ، 1000 جندي من مصر و10 عربات و10000 جندي من ارقناته ، 200 جندي من ملك اسنات و30 عربة و10000 جندي من ادن بعل ملك شيان ، 1000 جمل وجنوده من (جندبو) ملك العرب ، وجنود من باسن بن رحبي ملك امون ، ومجموعهم اثنا عشر ملكاً كانوا جمعوا قواتهم وتوجهوا لمحاربتي ، وقد قاتلتهم وكانت خسارتهم 25000 جندي واستوليت على عرباتهم وفرسانهم ومعداتهم الحربية ، ولقد هربوا بأرواحهم وكانت المعركة قائمة بين مدينتي قرقر وكلزواوا وكانت جثث قتلاهم متناثرة لمسافات بعيدة وفي كل مكان وجنودهم الهاربين ينتشرون في الوديان المجاورة"[1] (1) .

ويمكن ملاحظة ان اسماء القبائل العربية هي اسماء حيوان ونبات وجماد واجرام فلكية ، كما يلاحظ ايضاً ان المصطلحات الورادة في النسب مصطلحات لها علاقة بالجسم والدم ، وقد وجدوا ان بين هذت التسميات والمصطلحات وبين البحوث التي قاموا بها في موضوع دراسة المجتمعات البدائية صلة وعلاقة ، وان للتسميات المذكورة صلة وثيقة بالطوطمية ، كما ان للمصطلحات صلة بما يسمى بدور الأمومة او زواج الأمومة عند علماء الاجتماع[2] (2)، والطوطمية نظرية وضعها ماك لينان المتوفي سنة 1881م خلاصتها :

  • ان الطوطمية دور مر على القبائل البدائية ، وهي لا تزال بين اكثر الشعوب اغراقاً في البدائية والعزلة .
  • ان قوامها اتخاذ القبيلة حيواناً او نباتاً او كوكباً او نجماً او شيئاً آخر من الكائنات المحسوسة أباً لها تعتقد انها متسلسلة منه وتسمى باسمه .
  • تعتقد تلك القبائل ان طوطمها يحيمها ويدافع عنها ، او على الأقل لا يؤذيها وان كان الأذى طبعه .
  • لذلك تقدس القبيلة طوطمها وتتقرب إليه وقد تتعبد له .
  • الزواج ممنوع بين أهل الطوطم الواحد ، ويذهبون الى الزواج من قبائل غريبة عن طوطم القبيلة المذكور ، وهو ما يعبر عنه بـ(Exogamy) باللغة الانكليزية ، اذ يعتقدون ان التزاوج بين أفراد القبيلة الواحدة ذو ضرر بالغ ، ومهلك للقبيلة ، لذلك يتزوج رجال القبيلة نساء من قبيلة أخرى غريبة ، لا ترتبط بطوطم هذه القبيلة ، والمخالف لهذه القاعدة يعرض نفسه للعقوبات التي قد تصل الى الحكم عليه بالموت .
  • الأبوة غير معروفة عند أهل الطوطم ، ومرجع النسب عندهم الى الأم .
  • لا عبرة عندهم للعائلة ، والقرابة هي قرابة الطوطم ، فأهل الطوطم الواحدة اخوة واخوات يجمعهم دم واحد[3] (3) .

ولاحظ (روبرتسن سميث) ان اسماء القبائل عند العرب هي اسماء حيوانات ونبات وجماد ، فاتخذ من هذه الاسماء دليلاً على وجود الطوطمية عند العرب ، وعلى أثرها في الجاهليين ، فاسماء مثل : بني كلب ، بني كليب ، النمر ، الذئب ، الفعد ، الضبع ، بكر ، بني أسد ، بني الأرقم ، بني يربوع ، عنزة ، وبني حنش ، وبني عقرب ، وبني عقاب ، بني حنظلة ، بني ثعلب ، بني قراد ، بني جراد ، بني عجل ، بني جحش وبني ضب ، وما شاكل ذلك من اسماء لا يمكن في نظرة الا ان تكون أثراً من آثار الطوطمية ، ودليلاً ثابتاً واضحاً على وجودها عندهم في قديم الدهر[4] (4) .

ومن خلال ما ذكر نلاحظ وجود ترابط بين الطوطمية وبين المجتمعات الأمومية التي عرفت في عصور ما قبل التاريخ ، وخاصة في الجزئية التي تتكلم على ان النسب يعود للأم وليس للأب ، وان الملكية تعود للأنثى وليس للذكر ، وان الأنثى هي المعبودة ، وان النظرية القديمة السائدة حول قدم المجتمع الذكوري اصبحت غير معترف بها بسبب دلائل الاركيولوجيا والانثربولوجيا والعلوم الانسانية الأخرى ، ويمكن تلخيص سمات المجتمع الأمومي على عدة نقاط :

  • ان المجتمع هذا لم يقوم على القيم الذكورية وسلطة بل على قيم الأنوثة ومكانة الأم ، وان التجمع الانساني الأول لم يؤسس بقيادة الرجل المحارب الصياد ، بل تبلور تلقائياً حول الأم التي شدت عواطفها وحدبها ورعايتها ، الابناء حولها في أول وحدة انسانية متكاتفة هي العائلة الأمومية خلية المجتمع الأمومي الأكبر[5] (5).
  • ان القيادة للمرأة لا لتفوقها الجسدي بل لتقدير أصيل وعميق لخصائصها الانسانية وقواها الروحية وقدرتها الخالقة وايقاع جسدها المتوافق مع ايقاع الطبيعة[6] (6) .
  • اضافة الى عجائب جسدها الذي بدا للانسان القديم مرتبط بالقدرة الإلهية ، كانت بشفافية روحها اقدر على التوسط بين عالم البشر وعالم الإلهة ، فكانت الكاهنة الأولى والعرافة والساحرة الأولى .
  • كانت هي المنتج الاول في المجتمع ، لكونها هي المسؤولة الأولى عن حياة الاطفال وتأمين سبل العيش لهم .
  • كانت هي المسؤولة عن تحضير جلود الحيوانات وتحويلها الى ملابس ومفارش وأغطية ، وكانت النساجة والخياطة الأولى ، وأول من صنع الاواني الفخارية ، وبسبب قضائها وقتاً طويلاً في البحث عن الجذور والاعشاب الصالحة للأكل تعلمت خصائص الأعشاب السحرية في شفاء المرضى ، فكانت الطبيبة الأولى ، وكانت هي من يبني البيت ويصنع أثاثه ، وكانت تاجرة تقايض بمنتجاتها منتجات الآخرين ، ومن وجود شعلة النار المقدسة في معابد الحضارات المتأخرة ، وقيام عذراوات المعبد بحراستها والابقاء عليها مشتعلة ، نستطيع الاستنتاج بأن شعلة النار الأولى قد اوقدتها المرأة وكانت أول حارس عليها حافظ لأسرارها .
  • توجت المرأة دولها الاقتصادي باكتشاف الزراعة ونقل الانسان من مجتمع الصيد والالتقاط الى مجتمع انتاج الغذاء ، بينما حافظ الرجل طيلة هذه المرحلة على دوره التقليدي في الصيد والتنقل بحثاً عن الطرائد الكبيرة .
  • العلاقات الجنسية حرة تماماً دون ضوابط او قانون[7] (7).
  • الذكر ينتسب لأمه وهذا ما اطلق عليه الباحثون اسم (حق الأم)[8] (8) ، وليس الى الرجل الذي كان ينظر إليه كرجل غريب بشكل دائم .
  • وبناءاً على (حق الأم) لم يكن الابناء يرثون ثروة آبائهم بل يرثون عن أمهاتهم على قدم المساواة مع بقية اقربائهم بالدم ، اما تركة الأب وممتلكاته فكانت تذهب الى اخوته واقربائه بالدم[9] (9).

لم يندثر المجتمع الاموي بشكل كامل بحلول المجتمعات الذكورية ، بل استمرت الكثير من القيم الامومية سائدة في بعض المجتمعات الجديدة الى فترة متأخرة من تاريخها ، ففي المجتمع المصري بقيت لمسات الثقافة الأمومية واضحة عليه طيلة تاريخه الطويل ، فكان كرسي الملك ينتقل عبر سلسلة النسب الأمومي لا النسب الأبوي وكل أميرة هي وارثة طبيعية للعرش ، لذا فكان الملك الجديد عليه ان يتزوج من وراثة العرش لتثبيت حقه فيه ، فكانت هذه الممتلكات تنتقل الى البنات لا إلى الأبناء ، وهذا ما رسخ زواج الأخوة من أجل الحفاظ على العرش ضمن الأسرة المالكة والحفاظ على ممتلكات العائلة الواحدة من الخروج إلى أيدي الغرباء[10] (10)، وكذلك بالنسبة لباقي الحضارات الشرقية وخاصة بلاد الشام وبلاد الرافدين ، فنجد ان الإلهة عشتار وهي الأم الكبرى التي كانت أول إلهة ، نجد شخصية مريم العذراء في العقيدة المسيحية وفاطمة الزهراء في العقيدة الإسلامية الشيعية هي تجليات للإلهة الأم الكبرى ، وكذلك بالنسبة للإلهة المصرية ايزيس فهي إلهة أنثى تعود بأصولها إلى الإلهة الأم الكبرى في المجتمعات الأمومية ، ويمكن ان نلاحظ التشابه بين ما ذكر في كونهن إلهات ذات طبيعة قمرية يولد من ارحماهن إلهة شمسية ، ولذلك فولادة الشمس من القمر هي تعبير انساني عن تحول المجتمع الأمومي إلى ذكوري ، فالشمس هي الذكورة والقمر يعبر عن الأنوثة ، كما في ولادة الإله اوتو السومري وهو إله شمس من الإله نانا وهو إله قمر ، كذلك كما في ولادة يسوع المسيح وهو ذو طبيعة شمسية من مريم العذراء وهي ذات طبيعة قمرية ، كذلك اقتران صفة البتول او العذراء بفاطمة ومريم ، مع الطابع الاسطوري للظلم الذي وقع على من ولد من رحمهن واقترانه بصفة المخلص او المنقذ كما في الإله تموز وقصته مع عشتار وسقوطه في العالم الأسفل ، وعذابات وصلب يسوع المسيح ، وعذابات الشهيد المظلوم (الحسين بن علي) في قصة كربلاء الإسلامية .

وبالعودة لعقيدة العرب وعلاقتها بالمجتمعات الأمومية ، نلاحظ ان سمات المجتمع المجتمع الأمومي عند العرب كانت واضحة بشكل كبير ، وربما بسبب عزلة العرب قليلاً عن الواقع الشرقي ، فمثلاً ورد اسم علم (عبد الزهرة) في المصادر العربية وهذا الاسم شائع لليوم في العراق وخاصة عند اتباع العقيدة الشيعية لأن الزهرة او الزهراء هي فاطمة بنت النبي محمد ، وعند العرب قبل الإسلام اقترن هذا الاسم بالإلهة عشتار وكذلك الإلهة العربية العزى ، ولأن عشتار في العقيدة الرافدينية هي كوكب الزهرة ، ولهذا جاء اسم هذا الكوكب من طبيعة هذه الإلهة ، وربما اسم (سارة) في المصادر اليهودية جاء من اسم (زهرة) او العكس ، فيمكن ان يلفظ اسم يحدث تبادل لفظي بين صوتي (السين والزاي) ، ونلاحظ ايضاً ان اسم الإلهة العزى جاء من اسم الإلهة المصرية (ايزيس) او (ايزا) كما في المصادر المصرية القديمة ، واقترنت العزى عند العرب بالزهرة ، فعند المؤرخ الروماني (بروكبيوس) المتوفي سنة 562م ان الإلهة العربية العزة هي ذاتها الإلهة افروديت اليونانية ، وهذا ما اقترحه (فلهاوزن) ايضاً[11] (11)، وما يؤكد ذلك هو ان العزى عبدت عند العرب في شكل شجرات ثلاثة مقدسات ، والشجر هو علامة الخصب وهي خاصية إلهة الزهرة ، ومن بين الإلهة الصفوية ذكر الإله (عزيزو) وهو كوكب الصباح وكان إلهاً مذكراً ، وكوكب المساء كان مؤنث ، فدعوه باسم (العزى)  تأنيثاً لـ(العزيز) ، وكوكبا الصباح والمساء هما الزهرة عندما تكون إلهة حرب او إلهة حب ، ويلاحظ ان لقب إلهة الزهرة كنجمة صباح في المجتمع الاغريقي الروماني كان (آزيزوس) ، ووصف في الكتابات اليونانية بأنه الإله الجميل اللماع ذو الاشعة البراقة التي تشبه في لمعانها لمعان الفوسفور ، وكلمة آزيزوس كما نرى تصيحف للعزى الشرقية[12] (12)، كما عرف الإله عزيزو عند أهل الرها وبنفس الطبيعة ككوكب او نجم الصباح[13] (13)، اما عن عشتار في العربية الجنوبية  وخاصة عند الحميريين ، فقد عرفت باسم (عثتر) ، وعثتر هو إله مذكر وليس أنثى ، وهذا ما يعني انه إله دخيل على الميثولوجية اليمنية القديمة ، لأن الأصل في طبيعة الإلهة عشتار هو كونها  إلهة أنثى ، والإله عثتر هو من الإلهة التي ورد اسمها في نصوص كثيرة من نصوص المسند ، وورد في نصوص معينية وسبئية وحضرمية وقتبانية وبقابله Atargatis المذكور أسمه في كتب الكلاسكيين ، وفي بعض النصوص ورد (ام عثتر) او (ابم عثتر) ، وقصد الجملة الاولى هو (أم عثتر) والثانية (أب عثتر) او (عثتر أب) ، واستنتج (دتلف نلسن) من ذلك ان الإله عثتر ها هو بمثابة الإله الرئيس ، فهو أب وأم للآلهة يليه القمر في الترتيب ثم الشمس ، وذهب في بحث آخر له عن ديانة العرب إلى ان المراد بـ(ام عثتر) الشمس ، لكونها أنثى وإلهة أماً ، وتحبهم عطف الأم على ولدها ، وان المراد من (عثتر ابم او عتثر أب) ان عثتر هو بمنزلة الأب للمتعبدين له ، يشفق علهم ويحبهم ويمنحهم الخير والصحة والبركة ، وذهب بعض الباحثن إلى ان المراد من عبارة (ام عثتر) الإلهة الشمس لأنها أم (عثتر) ، وان المقصود من (ابم عثتر او أب عثتر) الإله القمر ، الذي هو زوج الشمس ، ومن زواجهما ولد الابن عثتر[14] (14) ، وقد جاء في نص سبئي وجد في مدينة صرواح ان صاحبة النص قدمت إلى الإلهة (ام عثتر) اربعة تماثيل من الذهب ، لأنها وهبت لها اربعة اطفال ، هم ولد واحد وثلاث بنات ، وكلهم أحياء يرزقون ، ولأنها سرت قلبها بهذه الذرية ، وهي لذلك قدمت لها هذه التماثيل ، ولترجو منها ان تستمر في الانعام عليها وعلى ابنها وبناتها بالصحة والعافية ، وقصد بـ0ام عثتر) هنا الإلهة الشمس ، ويتبين من هذا النص ان السبئيين كانوا ينظرون إلى (ام عثتر) نظرة البابليين إلى (عشتار) على أنها إلهة الخصب[15] (15).

وعند العودة للنصوص الآشورية ف في عهد (تغلات بلاصر الثالث) الملك الآشوري (754ق.م– 727ق.م) نقرأ في حولياته انه في سنة لم يحددها ، تسلم الاتاوة من ممالك واقاليم مختلفة ذكر ضمنها اسم امرأة عربية اسمها بالنص بلفظ (زبيبة) (زبيبي) ، (Zabibe) مسبوقة بكنية سياسية مرموقة ، وهو أول اسم لملكة عربية وصلنا عبر مصادر تاريخ الشرق القديم ، وقد جاء اسمها كآخر من سلم الاتاوة له ، رغم أن النص لم يحدد موقع تلك الملكة إلا أن معظم الآراء تتجه إلى أنها كانت تسكن في منطقة ادوماتو ، وكما جاء في النص :

(( استلمت الجزية (يذكر عدداً من الملوك) .. وزبيبي ملكة العرب استلمت الذهب والفضة والقصدير والحديد ، وجلود الفيل والعاج والأردية الكتانية بزخارف متعددة الألوان ، وصوف مصبوغ بالأزرق ، وصوف مصبوغ بالقرمزي (الأرجواني) وخشب الأبنوس ، وخشب البقبق ما يكفي ليكون كنز ملك ، مع طيور برية عندما تفرد أجنحتها تكون كأنها مصبوغة باللون الأزرق (وعلاوة على ذلك) خيول ، بغال وماشية صغيرة وكبيرة وجمال مذكرة ومؤنثة (نوق) مع صغارها ....))[16] (16) .

وذكر اسم ملكة عربية أخرى بلفظة (سامسي او شمسي ، Samsi) في نصوص أيضا للملك تغلات بلاصر الثالث ، والتي على ما يبدو أنها تولت ملوكية العرب بدلاً من زبيبي ، والتي دخلت في حلف مع الآشوريين ، حيث ما تذكره تلك النصوص الآشورية أن الملكة (شمسي) ربما كانت قد استمرت في الحلف مع الآشوريين ثم ارتدت بعد ذلك ، حيث جاء في النص :

" .... سامسي ملكة العرب التي حنثت في يمنيها (القسم) بواسطة شاماس (الشمس) ...."[17] (17) .

وهذا ما اجبر الآشوريين على القيام بحملة عسكرية في تلك المناطق ضد العرب وباقي الممالك الأخرى ، وحيث جاء في نص يعود إلى عام 735ق.م أي في السنة التاسعة من حكم تغلات بلاصر الثالث :

"... المدينة ... إلى مدينة لزاس ... عريبو (بلاد العرب) في إقليم سابا (سبأ) ، في معسكرها وأصبحت خائفة من جيشي الكبير وأرسلت إلى (أنا الجمال والنوق) و .. (أنا) وضعت قيماً (موظفاً وعاملاُ عليها) وعمل أيضا مثلها (البيروايناس) والذي انحنى إلى قدمي ، وسكان ماسا لتيما وسكان سابا هايابا ، بادانا ، خاتي ، قبيلة اديبا لينز ... حيث أقاليمهم تكون بعيدة نحو الغرب ، وسمعوا بشهرة حكمي (...واحضروا) بدون استثناء (نص : مثل رجل واحد) جزيتهم ذهب وفضة وجمال ونوق وكل أنواع التوابل (العطور) قدموا إلي وقبلوا قدمي ... وأسست قصراً يتناسب مع مكاني كملك لهم في ... وحددت لهم ادبئيل كحاكم أعلى فوقهم في إقليم موصوري ..."[18] (18) .

ولذلك نجد أن ملكتي العرب (زبيبة وشمسي) اضطرتا إلى الرضوخ للآشوريين وتقديم الاتاوة لهم ، بعد أن عين (ادبئيل) كحاكم عليهم ، وكما وضح نص آشوري يرجع لنفس الفترة إن خمسة عشر مدينة كانت تحت حكم ادبئيل :

"... ودخلت المدينة و15 مدينة ... لادبئيل في عريبو (بلاد العرب) ..."[19] (19) .

لكن في نص اخر لسنة غر معروفة ، يذكر تغلات بلاصر الثالث نفس الأحداث السابقة ولكن بتفاصيل أدق ولا يمكن تحديد هوية النص ، فهل يعني ثورة قامت بها شمسي ضده أم انه مجرد وصف اخر لحملاته ضد العرب وبدقة أكثر وتفاصيل أوسع ، حيث ذكر حال صراعه مع شمسي بعد أن تعرض في مقدمة نصه إلى ذكر أحداث أخرى جرت في سوريا وفلسطين :

"... من أجل شمسي ملكة العرب ... أنا قتلت 1100 مواطن ، 30000 جمل ، و2000 رأس من الماشية .... 5000 وعاء بكل الأنواع من التوابل ، و11 تولا سلطانية ملكة إلهتها ، ... وممتلكاتها أخذتها منها وهربت بنفسها لإنقاذ حياتها إلى مدينة بازو (ربما شمال غرب ما تعرف اليوم بجزيرة العرب) ، منطقة بدون ماء مثل أنثى الحمار مقهورة بالجوع والناس في معسكرها (عملوا) ... ثم أصبحت خائفة من قوة (جيشي) الكبير ، وأحضرت لي الجمال والنوق نائياً فوقها ، وجعلت بيري يركع إلى قدمي ، وسكان ماسا لتيما والسبئيين وسكان خايابا ، وبادان وخاتي والاديبالينز ... في منطقة الغرب (حيث تبعد) في أقاليم (لم يسمع عنها إنسان) عن شهرتي وحكمي (و) .. وركعوا لعبوديتي وحكمي ووضعت عليهم بدون استثناء كجزية الجمال والنوق وكل أنواع التوابل وقبلوا قدماي وقد عينت ادبئيل كحاكم على ((تخوم) موصوري) ..."[20] (20) .

وكذلك في عهد الملك الآشوري سنحاريب (704ق.م – 681ق.م) ، كانت تحكم العرب ملكة تدعى ياتعة قام اخيها والذي يدعى (بسقان) بالدخول بحلف مع بابل ضد آشور عام 703ق.م ، وهذا ما جاء في حولية لسنحاريب :

"... اما ادينا ابن زوجة مردوخ بلادان (ملك بابل) ومعه بسقانو شقيق ياتعة ملكة بلاد العرب ، بالإضافة إلى جيوشهم ، فهؤلاء جميعاً أسرتهم أحياء واستوليت على العربات والخيول والبغال والحمير والإبل التي خلفوها وراءهم أثناء المعركة ..."[21] (21) .

وفي العام الخامس عشر من حكمه ، قام بارسال جيوشه إلى منطقة ادوماتو ، لملاقاة ملكة العربية الجديدة والتي تدعى تلخونو ملكة بلاد العرب ، والتي يظهر أنها تربعت على العرش خلفاً للملكة السابقة ياتعة ، ومهما يكن من أمر فما ان وصلت الملكة تلخونو على عرش العرب في حصنها ادوماتو حتى أعلنت العصيان على الآشوريين وخرجت على رأس قوة عسكرية ضدهم وبمساعدة حزائيل ملك قيدار ، والتقى الجيشان بعيداً عن ادوماتو (حصن العرب) عندما شعرت الملكة بخسارة جيشها فرت نحوها ، فتبعها سنحاريب إلى هناك ولكن لم يستطيع اللحاق بها ، وكما جاء في النص :

(( ... تلخونو ملكة بلاد العرب سلبت منها وفي منتصف الصحراء 10000 من الابل ..... هي وحزائيل فرا ... أرعبهما قتالي ضدهما فغادروا خيامهم إلى ... من مدينة ادوماتو حيث فرا بجلدهما ..... وادوماتو التي تقع في قلب الصحراء ... من الظمأ حيث لا يوجد غذاء ولا أماكن شرب ... ))[22] (22) .

 ويمكن ملاحظة ان اول ملكين للعرب كانا أناث وليس ذكور ، وهذا ما يشير ربما إلى قوة سمات المجتمع الأمومي عند العرب في هذه الفترة ، كذلك من خلال اعطاء الملوكية إلى المرأة بدل الرجل ، وانه بمجرد احتكاكهم مع اقوام الشرق الأخرى بدأ التحول عندهم إلى تسلم الملوكية من قبل ذكور مثل حزائيل ملك العرب الذي ظهر في الفترة مابين فترة حكم سنحاريب وعهد الملك الاشوري الملك الآشوري اسرحدون (680ق.م – 669ق.م) ، اما في عهد الملك الآشوري آشوربانيبال (669ق.م – 640ق.م) حكم العرب ملك يدعى (ابي يتع) ، وهذا الملك كان قد دخل في تحالف مع حاكم بابل (شمش-شوم-اوكين) شقيق الملك آشوربانيبال ضد آشور ، وكما جاء في النص الآشوري :

"بأمر من الإلهة آشور والإلهة عشتار والإلهة العظيمة سادتي ، انتصرت على (أبي يتع ، وايمو) ولدي (تيعري) اللذين توجها لنصرة (شمش – شوم – اوكين) ، أخي المعادي ، وحاولا دخول بابل ، أما الآخرون الذين دخلوا بابل ، فقد أكلوا بسبب الجوع والبلاء الذي حل بهم لحوم بعضهم البعض ، ولكي ينقذوا أنفسهم خرجوا من بابل إلا أن قواتي التي كانت معسكرة هناك ضد شمش – شوم – اوكين أوقعت بهم الهزيمة مرة أخرى ، وهرب ذلك الرجل وحيداً ، ولأجل إنقاذ حياته امسك بقدمي ، فأشفقت عليه وحملته على أن يقسم بالإلهة العظام ، ونصبته ملكاً على بلاد العرب بدلاً من يتع ابن حزائيل ، ولكنه اتفق مع نبايوت ، ولم يحترم القسم الذي اقسمه بالإلهة العظيمة وقام بنهب حدود بلادي"[23] (23) .

وفي نصوص سرجون الثاني ورد اسم ملك سبأ اتعمار وهو يدفع الجزية للآشوريين :

"...اما هاننو فقد أسرته شحصياً واستلمت الجزية من بيرو صاحب موصوري ، ومن شمسي ملكة بلاد العراق ، ومن اتعمار السبئي ، ذهب في شكل مسحوق (تبر) وخيل وجمال..."[24] (24) .

ويمكن الاستدلال من خلال اسم (ابي يتع) او (اتعمار) انه في في اللغات الشرقية يمكن ان يتحول لفظ صوت (ت) إلى (ش) وبالعكس ، واسم (اتعمار) ربما هو (يثعمار) او (يثع مار) ، ولذلك فإن اسم (يتع) بالأصل هي (يشع) ، وهذا ما يجعلنا نفترض وجود إله يدعى (يشع او يشوع) عبده العرب في تلك الفترة ، وما يرجح ذلك هو ورد إله يدعى (يثع) بين الإلهة الثمودية جاء بمعنى (الناصر او الحامي) ، وهذا الاسم دخل في مركب مقدس ورد في القرآن باسم (اليسع) ، وهو من الصيغة (اليشع) ، وهو اسم مكون من مقطعين : الأول (إلـ) ، وهذا المقطع جاء من صيغة (أيل) او كما عرفت بالاكدية بصيغة (أيلو) ، والثاني هو (يشع او يثع) ، وربما هو صفة للمخلص او الناصر او المنقذ ويحتمل انه صفة للقمر[25] (25) ، وفي النقوش اللحيانية ورد ذكر للاله يثع بهذه الصيغة مرة وبصيغة (يثعن) مرة أخرى ، وقد ورد في النص الذي وسمه الباحثون برقم (73) وبـJ73  وM 26  ، أسم امرأة عرفت بـ(امتيعثن بنت دد) ، أي (أمة يثعن بنت داد) او (أمة اليثع بنت داد) ، وورد في الكتابات أسم رجل عرف بـ(يثع حيو) ، وأسم رجل آخر هو (يثعحن) ، مما يدل على ان يثع كان إلهاً معبوداً ومعروفاً عند اللحيانيين ، وقد ورد في كتابة من كتابات (ديدان) اسم رجل عرف بـ(يثع امر) ، وهو نفس اسم ملك سبأ الذي ورد في المصادر الآشورية ، وقد ورد في النص الموسوم ب(2) من الكتابات القبورية : (كهف : يتعامر) ، اي (قبر : يثعامر) (قبر يثع امر)[26] (26) ، اما عند العرب الصفويين ، فقد كان الإله يثع هو من جملة الآلهة الصفوية ، وعندهم يعني الحامي والناصر والمساعد كما عند الثموديين ، وقد ورد في نص توسل فيه صاحبه إلى هذا الإله ان يعينه على ما وقع عليه ، وفي توصل آخر إليه ان يثأر ممن يتبعه ، وطلب إليه آخر ان يشفيه من المرض[27] (27) ، ولذلك فإن كلمة (يشوع) ليست صيغة يونانية لاسم (يسوع) كما كان يعتقد ، وايضاً ربما ان كلمة (يشوع) مكونة من مقطعين هما (يـ) و(شوع او شع) ، والمقطع الاول ربما هو اختصار لكلمة (يهوه) ، ولذلك فإن الأصل لكلمة (يشوع) هو (يهوشع) ، وهذا الاسم الأخير شائع في المصادر المشرقية ، وهذا ما يرجح ان إله التوراتي (يهوه) كان إلهاً معروفاً عند العرب ، وعلى الرغم من ان عبادة يهوه اليوم ترتبط باليهودية الا ان هذا لا يعني انه إله توراتي بالاصل وليس إلهاً للعبرانيين فقط ، بل اثبتت العلم الاثاري ان شعوب مختلفة عبدته ، فعبد في صحراء مصر الشرقية وفي سيناء بالتحديد ، كما عبده العرب اللحيانيون والانباط والثموديون ، فقد تسمى به الثموديين في اسماء مثل (أوسريهو ، عزريهو)[28] (28) ، كما ثبت ان الكنعانيين قد عبدوه ، بعد ان عثر على الاسمين (ياه ، ياهو) منقوشين على قطعة خزفية من عصر البرونز عام 1931 وعلى الواح ضمن مكتشفات مدينة أوغاريت ، كما اكتشف الآثاري (برستد) ان أهل مديان كانوا يدينون بعبادة إله وثني يحمل هذا الأسم[29] (29) ، وعلى الرغم من حذرنا من المصادر التوراتية الا ان هذه المصادر تروي التوراة ان النبي موسى بعد ان خرج من مصر بعد قتله لرجل مصري ، وصل إلى قبيلة عربية وهي قبيلة مديان ، فتزوج ابنة كاهن القبيلة واخذ في عبادة إله هذه القبيلة والذي هو إله البراكين والصحراء[30] (30) ، و سبتينو موسكاتي فيذكر أن الإله يهوه كان معروفاً عند العرب وأن الناس كانوا يلحقون أسمائهم باسمه تبركاً به[31] (31) ، ومن خلال ذكل نستنتج ان يهوه قبل الديانة كان إله ذو طبيعة نارية بركانية عبد في المشرق العربي ، ولذلك نجد بقايا هذه الطبيعة في التوراة وهي تصور لنا الإله يهوه وهو يظهر للنبي موسى على هيأة شجرة (العليقة) ذات نار ومتوهجة .

واقرب إله عربي للإله يهوه هو الإله المحرق الذي عبده سكان مملكة الحيرة وعبدته قبيلة بكر بن وائل قبل الإسلام ، وكان موضع عبادته في موضع السلمان في بادية السماوة إلى جانب الإله سلمن[32] (32) ، وهي ما تعرف اليوم عند العراقيين بنقرة سلمان ، فيشترك الإلهين بالكثير من الصفات ، وخاصة في كونهما إلهين ذو طبيعة نارية بركانية تقدم لهم القرابين المشوية في المعابد ، فنجد ان عبادة الإله المحرق ارتبطت بطقس تمزيق الثياب وتوزيعه ، وهذا الطقس يقوم بمتقضاه الملك بواجب توزيع ثروته او رمزيات سلطته على افراد القبيلة ، ويبادر إلى كسوتهم من مزق ثيابه تدليلاً على الرغبة الجماعية في الانتقال من العري إلى الكسوة ، والمثير ان هذا الطقس لا يزال مستمراً في العراق مع تعديل طفيف ، إذ غالباً ما يقوم زوار المراقد المقدسة في المدن المقدسة (كربلاء والنجف والكاظمية في بغداد) بشراء (مزق) من قماش بلون اخضر تسمى الواحدة منها (علق) ، يجري تقديمها في ختام الزيارة إلى الأولاد والصبيان المنذورين للأئمة ، او يجري ربط بعضها في شباك الضريح دلالة على رغبة الزائر في الحصول على مراده (أي ما يطلبه من الإمام)[33] (33) ، ولربما ان المزق (العلق) له علاقة باسم شجرة العليقة والتي ظهر على هيئتها الإله يهوه لموسى عندما كلمه في سيناء كما ذكرنا سابقاً ، واضافة إلى ذلك تزعم الاخباريات العربية ان عمرو بن هند ملك الحيرة (نلاحظ انه ينتسب إلى أمه وهذا ما أكدنا عليه من خلال علاقة العرب بالمجتمع الأمومي) قام بإحراق ضحاياه من القبائل المتمردة على سلطانه مثل قبيلة تميم بعد وفاة والده المنذر بن ماء السماء ، وكذلك ان إحدى خواته انجبت ولداً أطلقت عليه لقب (المحرق) ، وان ما قام به عمرو بن هند لم يكن من باب عقابه للمتمردين عليه بل ايضاً جاء من باب طقس أسطوري ديني عرفه العرب قبل الإسلام ، وخاصة لو راجعنا الجانب الأسطوري للقصة سنلاحظ ان موضع السلمان (نكرة سلمان) عند العراقيين اليوم هو مكان ذات قصص مرعبة ، وتعبيرهم للنقرة او الحفرة التي عرفت به ربما جاء بسبب ما حدث هناك من تقديم القرابين البشرية المشوية للإله المحرق ، وهذا ما يذكرنا بحادثة الأخدود التي وردت في الأخباريات المسيحية والقرآن ايضاً تشابه طقس عبادة يهوه والإله المحرق ، وخاصة ان الذي قام باحراق الضحايا المسيحيين هو ملك يمني يهودي حسب الاخباريات القديمة .

وعند العودة للنصوص الآشورية ، بالتحديد إلى نصوص الملك اسرحدون ، فبعد ان تجلت سياسة التفاهم والسلم لاسرحدون مع العرب من خلال تعامله مع حزائيل ملك قيدار الذي سبق أن هرب من قبضة والده سنحاريب إلى ادوماتو (حصن العرب) ، بعد أن سقطت بيد سنحاريب وأخذ الآلهة العربية أسرى إلى نينوى ، ولما توفي سنحاريب وانتقل الحكم إلى اسرحدون ، زالت أسباب الجفاء ، وذهب حزائيل إلى نينوى لمقابلة الملك الجديد ومعه الكثير من الهدايا ، فقدم لاسرحدون فروض الطاعة وطلب منه إعادة تماثيل الآلهة ، ووافق اسرحدون على ذلك ، ولتوطيد تلك المصالحة بين العرب والآشوريين ، قام اسرحدون بتنصيب تبوعة (Tabua) التي تربت تربية آشورية في قصر والده سنحاريب كملكة على العرب ، وأرجعها إلى بلادها مع آلهة العرب وفرض عليهم الجزية ، وكما جاء في النص :

"من ادماتو حصن العرب الذي سبق لوالدي سنحاريب ملك آشور أن استولى عليه وكان قد حصل على غنائم ممتلكاتهم وتماثيل آلهتهم وملكة العرب اسكالات وأخذهم جميعهاً إلى بلاد أشور ، حزائيل ملك العرب جاء إلى نينوى عاصمتي محملاً بالهدايا الثمينة وقبل قدمي وتوسل  إلي أن أعيد تماثيل آلهته فعطفت عليه وصلحت تماثيل اترسمين ، دي ، نوحاي ، رولدي ، ابيريلو ، واترقرم ، آلهة العرب ، وأرجعتها له بعد أن نقشت عليها كتابات تشهد بالمنزلة العالية لسيدي الإله آشور ، واسمي ، وجعلت تبوعة التي ترعرعت في قصر أبي ملكة عليهم وأرجعتها إلى بلدها مصحوبة بتماثيل ألهتها وعلاوة على الجزية التي قدمها حزائيل إلى والدي فقد فرضت عليه أن يدفع زيادة مقدارها خمسة وستون جملاً وعشرة مهور ..."[34] (34) .

وكما نلاحظ ان هذا النص يذكر أسماء أول آلهة عربية في التاريخ ، وتكلم الدكتور جواد علي عن هذا النص وقال ان أسماء هذه الآلهة التي ذكرت كانت بمناسبة سقوطها أسيرة بيد الآشوريين ، وكان العرب الذين حاربوا الآشوريين قد حملوها معهم ، اما تبركاً وتيمناً بها وتفاؤلاً من وجودها لتحقيق النصر والغنائم ، واما لأنها كانت معهم في خيمتها المتخذة معبداً لها فسقطت بيد الآشوريين باكتساح الآشوريين لمنازل أولئك العرب ، فأخذها الآشوريين معهم ، وحملوها إلى عاصمتهم أسيرة كما يؤسر البشر ، وسجنوها عندهم اذلالاً لعبادها وإهانة لهم ، وازدراء بشأن تلك الآلهة المغلوبة ، وباعلان العرب خضوعهم للآشوريين فذهبوا إلى نينوى ، وقدموا طاعتهم لملك آشور ، وأمر عندئذ بإعادتها إليهم ، وكتب الآشوريين فوقها كتابة إلى سقوطها في أسرهم ، والى تغلب آلهة الآشوريين على آلهة العرب وتفوق الإله آشور على تلك الآلهة العربية ، وبعد ان نقش عليها أسم الملك ، ثم أعيدت وهي على هذه الصورة إليهم[35] (35) ، وكما يلاحظ ان أسماء هذه الآلهة قد حرفت او صحفت حسب اللفظ الآشوري ، حتى صار من الصعب تشخصيها بدقة ، مثل (اترسمعين) ، وربما يقصد به هو (عثتر سمعين) او (عشتر السماء) وهو من الآلهة المعبودة عند العرب بدليل ورود اسمه في نصوص المسند ، ويرى البعض في انه إلهة انثى ، بينما يرى أخرون انه إله ذكر ، ويرمز له بالزهرة في رأي اغلب الباحثين ، وقد أشير له في النصوص القتبانية بـ(عتر سمين) ، وفي الكتابات الثمودية ورد اسم هذا الإله بصيغة (عترسم) (هـ - عترسم) وتوسل فيها أصحاب الكتابات نفسها ان يمن عليهم بالبركة والخير والصحة والسلامة[36] (36) ، اما (نوحية)  او (نوهيا ، نحيا ، نهى ، نهيا) ، فهو الإله (نهى) الذي ورد في الكثير من الكتابات الثمودية[37] (37) ، وكلمة (نهى) في الكتابات الثمودية تعني ما تعنيه لفظة (حكم) في العربية الجنوبية ، أي (حكم) وحاكم و(حكيم) في بعض الآراء ، ولعلها تعني (الناهي) وتكون بذلك صفة للإله ، وقد ورد أسم هذا الإله في الكثير من الكتابات الثمودية[38] (38) ، وتذكر المصادر الإسلامية اسم صنم يدعى (نهم) وربما له علاقة بهذا الإله ، وكان هذا الإله لمزينة وكسره سادنه خزاعي بن عبد نهم ، وهو من مزينة من بني عداء ، وأعلن إسلامه ، ويظهر من أبيات لأمية بن الأسكر ان أتباع الإله كانوا يقدمون له الذبائح ويقسمون به ، وقد سمى منهم جملة رجال عرفوا بـ(عبد نهم) من بني هوازن وبجيلة وخزاعة ، وهذا ما يدل على انتشار عبادة هذا الإله بين هذه القبائل ايضاً[39] (39) ، ويذكر هيرودتس في اثناء كلامه حول حملة الملك الاخميني قمبيز على مصر عن إلهين من آلهة العرب ، هما (باخوس) و(اورانيا) وذكر ان العرب تسمي (باغوس) (اوراتل) ، وتسمي (اورانيا) (أليلات) ، و(أليلات) هي الإلهة اللات[40] (40) ، اما (دي) فيحتمل انه (ديان) ، ويذهب الدكتور جواد علي بان (ديان) ليس أسم إله وانما هو صفة من صفات الآلهة ، ويقول انها معروفة في عربيتنا وعند المسلمين وهي تطلق على الله[41] (41) ، اما بالنسبة للإله (اترقرم) ، فإنه بشكل مؤكد ان مقطع (اتر) له علاقة باسم (عتر او عثتر) اما بالنسبة للمقطع الثاني (قرم) فتبقى لغز بسبب تحريف الكلمة التي اضاعت علينا معرفة الاسم الكامل لهذا الإله وطبيعته ، وكذلك بالنسبة لباقي الآلهة المذكورة .

 

الهوامش والمصادر :

1 - ابتهال عادل إبراهيم ، اليهود في المصادر المسمارية ، دار علاء الدين ، ط1 ، 2014 ، ص122 .

2- جواد علي ، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ج1 ، ط2 ، بغداد ، ص518 .

3 - جواد علي ، نفس المصدر ، ص518 .

4 - جواد علي ، نفس المصدر ، ص521 .

5 - فراس السواح ، لغز عشتار ، دار علاء الدين ، دمشق ، ص31 .

6 - فراس السواح ، نفس المصدر ، ص32 .

7 - فراس السواح ، نفس المصدر ، ص35 .

8 - فراس السواح ، نفس المصدر ، ص35 .

9 - فراس السواح ، نفس المصدر ، ص36 .

10 - فراس السواح ، نفس المصدر ، ص38 .

11 - السيد القمني ، الاسطورة والتراث ، المركز المصري لبحوث الحضارة ، القاهرة ، ط3 ، 1999 ، ص85 .

12 - السيد القمني ، نفس المصدر ، ص87 .

13 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص312 .

14 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص302 .

15 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص303 .

16 - عبد المعطي بن محمد ، نفس المص لعلاقات بين شمال شبه الجزيرة العربية وبلاد الرافدين ، ايتراك للطباعة والنشر ، ط1 ، القاهرة ، 2007 ، ص120 .

17 - عبد المعطي بن محمد ، نفس المصدر  ، ص121 .

18 - عبد المعطي بن محمد ، نفس المصدر ، ص122-124 .

19 - عبد المعطي بن محمد ، نفس المصدر ، ص125.

20 - عبد المعطي بن محمد ، نفس المصدر ، ص127 .

21 - عبد المعطي بن محمد ، نفس المصدر ، ص145 .

22 - عبد المعطي بن محمد ، نفس المصدر ، ص151 .

23 - هند بنت محمد تركي ، مملكة قيدار ، مكتبة الملك فهد الوطنية ، الرياض ، 2011 ، ص68 . .

24 - عبد المعطي بن محمد ، نفس المصدر ، ص133 .

25 - السيد القمني ، نفس المصدر ، ص180 .

26 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص319-320 .

27 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص324 .

28 - السيد القمني ، نفس المصدر ، ص179 .

29 - السيد القمني ، نفس المصدر ، ص176 .

30 - بشار خليف ، العبرانيون في تاريخ المشرق العربي القديم ، ص102 .

31 - بشار خليف ، نفس المصدر ، ص103 .

32 - الإله سلمن : هو إله عربي عرف كإله الأمان والسلامة الصحراوي .

33 - فاضل الربيعي ، يوسف البئر ، رياض الريس للكتب والنشر ، ط1 ، 2008 ، ص198-199 .

34 - .Luchenbill. D.D. Arab vol. II, p.208. no 518 

35 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص290 .

36 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص313 .

37 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص291 .

38 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص312 .

39 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص277 .

40 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص292 .

40 - جواد علي ، نفس المصدر ، ج6 ، ص323 .

 

 

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker