سلام طه

السلطة وطاعة الجماهير في بحوث ستانلي ميلكرام

Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 4 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتعطيل النجوم
 


السلطة وطاعة الجماهير في بحوث ستانلي ميلكرام
* عبدالسلام صبحي طه


تقديم

ستانلي ميلكرام عالم اميركي من اصول اوربية شرقية و ينحدر من عائلة يهودية,  حاصل علىدرجة الدكتوراه في علم النفس من جامعة هارفارد وقد عمل استاذاً مساعداً في جامعة ييل ومن ثم كأستاذ في جامعة نيويورك قبيل وفاته عام 1984 , ويعتبر احد اهم علماء النفس التجريبيين في القرن العشرين, احدى ابحاثه المثيرة للجدل سيكون موضوع هذا المقال والمتعلقة بطاعة الجماهير للسلطة. قام العالم ميلكرام بتجاربه في ستينيات القرن الماضي و نشر نتائح بحوثه المثيرة في الدوريات العلمية و قد امرت السلطات حينها بأيقاف هكذا تجارب بحجة تأثيراتها الجانبية على نفسية الخاضعين لها.  أجرى السيد ميلكرام ما مجموعه (16) تجربة ما بين 1960 – 1964 بمعدل ( 600 ) عينة لكل تجربة، وقد وثق تجاربه بأفلام مسجلة عن التجارب في جمعية العلوم النفسية الاميركية و كذا نشرها في العديد من الدوريات العلمية والمقالات..
احدى دوافع هذا النوع من البحث في البداية كانت وقائع محاكمات الالماني (آدولف آيخمن) وكان عضواً في قوات العاصفة والجستابو النازية, والذي ألقي  القبض عليه  في الارجنتين و سيق للمحاكمة في مدينة القدس المحتلة ،  وحُكم عليه بالاعدام حينها عام 1962, من مجريات المحاكمة و اعترافاته ثبتت طاعته العمياء لسلطة النظام النازي حيث ورد في احدى مداخلاته :

 " انما انا احد الخيول التي كانت تجر العربة ولم نتمكن حينها من الميل باتجاه اليمين او اليسار بسبب اصرار الحوذي , لذا انا لا استشعر اي ندم بخصوص ما حصل ".

فتحت هكذا تصريحات الباب واسعا امام تساؤلات عن مسؤولية الفرد الاخلاقية  كجزء من منظومة حزبية او سياسية.

وصف التجربة
تمتد فترة الاختبار لمدة ساعة واحدة فقط. يُستدعى  متطوعين لقاء أجور مثبتة في عقد، و يُسند إليهم  دورفي هذه التجربة. المتطوع ( وهو عينة الاختبار الوحيدة ) سيقوم بدور يسند اليه يُعرّف بـ(المعلم )، حيثُ يُجلس في غرفة مزججة معزولة وامامه لوحة مفاتيح الكترونية ومولدة كهرباء ترسل شحنات كهربائية الى كرسي الشخص الجالس قبالته عبر اسلاك موصلة به، وهو في الحقيقة عضو ضمني في فريق البحث و الدراسة و يٌعرّف بـ(التلميذ )، يجلس بالقرب من المعلم شخص اخر(الباحث)،  وهو من فريق الاختبار يرتدي صدرية مختبر بيضاء ليشجعه خلال لحظات تردده ويمثل امام المعلم دور الجهة المسوؤلة عن ما يتم تسميته ( التجربة أو الإختبار) ويعيد عليه مرار تكرار لفظة ( التجربة أو الإختبار) يليها كلمات مثل(تتطلب، ترتأي، تقترح، تفرض) .

يطرح المعلم ثلاثين سؤال مهيئة مسبقاً على التلميذ بحجة أنها تمارين على الذاكرة وعند فشل التلميذ في الإجابة على اي منها، يعاقبه المعلم بإرسال تيار كهربائي بفولتية تتصاعد طرديا مع فشل التلميذ على الإجابة، وتبدأ من 15 فولت، ويجري اعلامه  بأن الحد الحرج هو 300 فولت والاقصى 450 فولت، هذه العقوبة ربما ستبدو حقيقية امام المعلم ولكنها في الحقيقة افتراضية في جوهرها، لان لوحة المفاتيح امام المعلم غيرمربوطة باي اسلاك من الداخل او لها علاقة بكرسي التلميذ في القاعة المقابلة, والتلميذ في الحقيقة انما يتصنع الالم جراء الصعقة.


المعلم قد يتلكأ في اتخاذ قرارته بالعقوبة, فيدفعه المستشار الى المتابعة وعدم التوقف والاستمرار برفع فولتية الجهاز, ليصل الى قياس ردود افعال المعلم،  فالبعض من العينات اعتراضوا على التجربة وفضلوا عدم الاستمرار بها و اخرين اجهشوا بالبكاء جراء عدم تحملهم مشهد التلميذ وهو يتألم, لكن الاغلب الاعم واصلوا التجربة حتى النهاية.
الفكرة المعلنة للملأ حينها انها اختبارات ذاكرة ليس الا ولكن الغاية المخفية الحقيقية كانت في قياس مقدرة المعلم على الاستمرار بالتجربة ومديات طاعته لمفهوم السلطة والذي اعطي كأسم للتجربة,  وكذا دراسة الصراع الاخلاقي الداخلي الذي يتعرض له المعلم جراء عقابه للتلميذ و قياس مديات رغبته في انهاء او استمرار التجربة.

خلاصة البحث


( 1 ) – طبيعة البشر

البشر بطبيعتهم ميالون للطاعة والخنوع واتباع ما يصدر عن السلطة بمختلف مظاهرها بشكل يستطيع ان يصل الى حد غشيان العقل بسحابة ناجمة عن الارتباط الحيوي بفضاءات السلطة، و الدليل ان التجارب وجدت ان نسبة المشتركين ( 66% في اميركا و  61% خارجها) قد اكملوا التجربة حتى النهاية بالوصول الى حد ال( 450 فولت)، واذعنوا  لصوت المشرف الذي اعاد عليهم صيغة محددة وهي ان التجربة يجب ان تستمر رغم اعتراضاتهم وتلكوء البعض منهم خلالها.


( 2 ) – وهم القناعة

   كلما ارتفع أو ارتقى مستوى المحفل العلمي الملتزم بالتجربة (من جامعة ييل المشهورة الى مركز بحوث في مدينة صغيرة ) نلاحظ ازدياد واشتداد طاعة البشر لتتراوح مابين ( 77% في الحالة الاولى وتنخفض الى 54% في الثانية) .


( 3 ) – السادية الكامنة

البشر لديهم القابلية على إيذاء الآخر باسم السلطة والتبرير لها لأنها ترفع عن كاهلهم أي مسؤولية أخلاقية فهم بمجرد استشعار السلطة ستسهل قيادتهم لارتكاب أي ذنوب أو معاصي تبيحها لهم هذه السلطة.


( 4 ) - صناعة الدكتاتور
ساهمت النتائج بفهم عميق لطبيعة الجماهير وكيفية قيادتها في المجتمعات غيرالمهيأة لتقبل الديمقراطية, فالدكتاتور يعتبر حل مثالي مطيع للسلطة الاكبر التي تسهل له الوصول الى الكرسي وممارسة سلطته على ابناء شعبه, فهو من انسب المتفهمين لأصول لعبة السلطة و هو من سيقوم بمهمة تجزأة الفضاء السلطوي الى كانتونات سلطوية يمنحها لمواطنيه ليمارسوا اللعبة ولو بحجم أصغر يليق بمقامهم وهم قد لايعرفون بعضهم البعض بالضرورة، لكن الكل سيكون منتشيا بطاعته العمياء للسلطة الاكبر وبذات الوقت يعبرون عن ولائهم هذا بتقبلهم مهمة ممارسة سلطة أصغر تُرضي السلطة الجمعية الأكبر فتكون العلاقة مابين السلطتين الاكبر والاصغر تكافلية.

 

أسنتاجات الباحث


نشر ميلكرام نتائج ابحاثه عام 1974 في مقالة بعنوان (أعمدة الطاعة)، وقد خلص بها الى التالي :


- ان الابعاد القانونية والفلسفية للطاعة تكتسب اهمية حيوية, لكنها لا تقدم اي بيان عن حقيقة تصرف البشر في المواقف الحرجة.
- لقد اجريت تجربة بسيطة في جامعة ييل لاختبار مديات مقاومة الانسان العادي للضغط النفسي الناجم عن تحمله مسؤولية التسبب بالم لمواطن عادي اخر بمجرد اعطاءه مسؤولية عالِم في مختبر.


- جرى متابعة المشتركين بالتجربة بدقة و دراسة ردود افعالهم جراء زيادة كم الالم الذي سببوه للطرف الاخر، و النتيجة المفزعة انهم انصتوا بالنهاية لصوتهم الداخلي بالاستمتاع بممارسة السلطة جراء سماع  صوت صراخ التلميذ المتألم.


- ان هناك اصراراً واعياً من قبل المشتركين للذهاب الى اقصى مديات ممكنة كي يمارسوا قدر مُرضي لهم من النفوذ والسلطة ولو باعلان اذعانهم لسلطة اكبر منهم , يثير الكثير من الريبة بخصوص فهمنا اليقيني للسوك البشري والذي ربما يحتاج الى المزيد من البحث.

- ربما ان الذين اشتركوا في مأسي النازيين كان اغلبهم من مغيبي العقل ( الوعي) وان الماكنة الحزبية والاعلامية حينها دفعتهم لهذه الافعال ولا يجوز تجريمهم مئة بالمئة.

النتائج التي نُشرت حينها كانت مقلقة ومثيرة للجدل بذات الوقت كونها طرحت اسئلة مسكوت عنها عن الطبيعة البشرية ومديات تقبلها لفكرة الطاعة والخنوع.


نتائج هذه التجارب تسللت لاحقا في الكثير من الدراسات المتخصصة بفلسفة قيادة الجماهير وموضوعة مساحات الحرية الفردية الحقيقية في الديمقراطيات الغربية مقارنة بالانظمة الشمولية المنضوية تحت خيمة المعسكر الاشتراكي إبان الحرب الباردة، وتجربة امكانية تهيئة أنسان ومجتمع الحرب الباردة بشكل عقائدي غير مباشر وفقاً لآيديولوجية الغرب لما بعد الحرب الثانية على ارض الواقع،  سنجد ان الشعارات والمفاهيم التي تم تسويقها و ترسيخها في المجتمعات الغربية من مثل الديمقراطية \ العالم الحر\ المنافسة الرأسمالية، إن هي الا تجسدات لفكرة او مبدأ السلطة الشمولية بقفازات من حرير ، وعلى الجميع ان يمارسوا الاذعان الاختياري و الطاعة لها كنوع من التعبير عن المسؤولية الجمعية كونها تشكل العقل الاكبر الحامي للجماهير، والمتحكم في مصائرها، رغبةً بالخلاص من العدو المتربص بها( المنظومة الشيوعية آنذاك ), و عليه فعلى الاغلبية ان تنتخب وتطيع  ، بل وتمارس سلطات اصغر حفاظا على هذا المبدأ.


مفهوم السلطة المعني فضفاض و يشمل الكثير و يتشكل بصور مختلفة، فهو قد يأخذ صفة مقدسة (الله, الدين, الكهنة)، او سياسية (ديمقراطية, احزاب, ايديولوجيات ) او حتى دكتاتورية وطنية، نزولا الى مستوى رب العمل كالشركات المانحة لفرص التوظيف.


استُلهمت هذه النتائج لاحقات في سلسلة من الافلام السينمائية, احدها ربما الفلم الفرنسي المعنون(انا مثل أيكار), حيث تدور احداث الفلم حول موضوعة الانتخابات و تلاعبات السلطة بالنتائج خدمة لغايات معينة من خلال استغلال هذه الصفة في البشر وتوجيهها بالمسار المطلوب .

نقـــد البحث ومصيره


قامت السلطات الاكاديمية المعنية بأرغام مليكرام و فريقه بالتوقف عن اجرائها ( استمرت البحوث المختبرية ما بين  1960 –1964 ), لما قد يشكله الضغط على المشاركين من الم النفسي ومعاناة اخلاقية خلالها, بالرغم من أن 81 % من المشتركين قد ايدوا فكرتها بعد كشف نتائجها، وقد صدرت حينها تنديدات من قبل المحافل العلمية الاكاديمية وكذا اليهودية المهتمة بموضوع المحارق النازية ومسؤولية افراد القوات المسلحة والامنية الالمانية عنها.  وقد تم توجيه النقد التالي لها من قبل المحافل العلمية آنذاك:

- التجارب اجريت في مختبرات داخل غرف مغلقة وربما كانت النتائج لتختلف لو انها اجريت في الواقع.
-  العينات التي تم انتخابها من الذكور فقط.
-  النتائج التي نشرها ميلكرام ، ربما جرى التلاعب بها والارقام المنشورة ، قد لا تعبر عن الحقيقة, فاكثر من 50% من المشاركين ربما انسحب من التجربة حال وصوله الى الرقم الحرج بالعقوبة والبالغ 300 فولت لكن ميلكرام  ضمنهم للاكثرية كي يصل الى رقم يتجاوز يقترب من الثلثين ليبني نظريته على هذا الاساس.



المراجع


Milgram, S. (1974). Obedience to authority: An experimental view. Harpercollins.
Milgram, S. (1963). Behavioral study of obedience. Journal of Abnormal and Social Psychology, 67, 371-378.
Orne, M. T., & Holland, C. H. (1968). On the ecological validity of laboratory deceptions. International Journal of Psychiatry, 6(4), 282-293.
Shanab, M. E., & Yahya, K. A. (1978). A cross-cultural study of obedience. Bulletin of the Psychonomic Society.
Smith, P. B., & Bond, M. H. (1998). Social psychology across cultures (2nd Edition). Prentice Hall.


_____________________________________________________________________
  *كاتب عراقي
 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

www.iraqinhistory.com


اضغط ( هنا ) لتحميل المقالة بصيغة بي دي اف

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker