د. أمل بورتر

مملكة الحضر المدينة والمدنية

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in د. أمل بورتر

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

 د. أمل بورتر

لتحميل ومطالعة المقالة ( اضغط هنا من فضلك )

Hatra

 

الحضرمملكة عربية في عمق  السهل الشمال الغربى من وادي النهرين، او كما عرفت بـ(عربايا) اي مملكة العرب والتى تقع في بادية لا ماء فيها شانها شأن تدمر والبتراء. هذه المملكة تعلن انتمائها العربي بكل وضوح وبدون لبس ولو تتبعنا الكتابة الحضرية والتي لا تشبه الكتابه العربية الحالية  في الشكل ابدا، ولكنها تحتوي على نفس المضمون ونفس الالفاظ وحتى ان هناك  نص كتابي كما يلي( ابجدهوزحطي كلمن سعفص قرشت). كما وتدل الكتابات التي وجدت على الواح  وتماثيل الحضر على تفتح اجتماعي وتقيم لكل افراد المجتمع، بل ان هناك منحى للاشارة الى مهنة الانسان مهما كانت بسيطة وتندرج تحت اوطا السلم المهني الاجتماعي وكذلك الاشارة بدون الاحساس بالحرج الى المرض او الحاجة، مما يدل على ان المجتمع الحضري قد قبل بكل الصيغ المتواجدة فيه وتعايش مع الغريب والمختلف ولم يجد في ذلك حرجا او عيبا.ان الحضر خير مثال على امتزاج حضارات وتفاعل جماعات من اصول عرقية وثقافية مختلفة. لقد استقطبت  مملكة الحضر كافة قبائل العرب وجعلتهم يحجون الى كعبتها التى كانت تتباهى بتماثيلها التى تمثل الهتها المختلفة واشهرها اله الشمس، بحيث  اطلقت على مدينة الحضر تسمية (مدينة الشمس).

لقد عبد اهل الحضر (الشمس) باسماء مختلفة فكان في الجزيرة  وفي كعبة  الحجاز يعرف باسم (هبل) وبذي الشرى في البتراء وباللفظ الآرامي (شمش) في الحضر. اللغة الحضرية هي الاساس الآرامي الذي انبثقت منه اللغة العربية، ولكننا نترك البحث في الاصول العرقية  واللغوية لأصحاب الاختصاص. يدل تاريخ الحضر على انها بدأت تظهر في القرن الاول الميلادي، اثرزوال الدول العراقية  القديمة.

منها الآشورية والبابلية وتنامي دور القبائل ألآرامية والعربية. اما بالنسبة لنهايتها فأنها انتهت بسبب دينى وعسكري اذ  زالت اهميتها كموقع دفاعي عسكري. وبما ان الحضر كانت تعتنق الديانة العراقية القديمة(عبادة الكواكب) فأن ظهور المسيحية وانتشارها في العراق ثم تسربها بين القبائل الآرامية والعربية هبوطا حتى  شمال الجزيرة العربية، لذا  فقدت الحضر دورها الديني السابق ولم يبقى لكعبتها وتماثيلها اية اهمية .

الحضر كانت ملتقى العديد من الحضارت اذ فيها ازدهرت التجارة نظرا لوقوعها على خط القوافل الممتد من جنوب العراق والجزيرة العربية و شمال الخليج والشام ثم البحر المتوسط. الحضر كانت بودقة لتاثيرات حضارية عديدة انصهرت لتبرز باسلوب جديد جلي واضح لا يخفى تاثير الشخصية الحضرية المميزة والخاصة بها. 

ان  فترة نمو الحضر وازدهارها كانت من الفترات التاريخية التي وصلت البشرية فيها  الى مراحل جديدة ومتقدمة من نضوجها ، اذ ترسخ الفكر المدنى الاجتماعي بمؤسساته المتنوعة والثابته  ،مما  يدل على ان  الفكر البشري قطع اشواطا بعيدة مواصلا سعيه لخلق مجتمعات تعي ذاتها وتلبى حاجات متنوعة  لافرادها  بخلفياتهم المتعددة ،والحضر خير مثال على ازدهار مدينةعبر امتزاج حضارات وتفاعل امم.رغم انها  كانت في بادية لامياه جارية  فيها شانها شأن تدمر والبتراالا انها نمت وترعرت  وطورت ذاتها.

ان ازدهار التجارة في الحضر ادي الى الانتعاش الاقتصادي وهذا بدوره انتج فن عمارة متقدمة جدا مع تقدم موازي له في كل نواحي الحياة الفكرية والحضارية، فبتقدم العمارة تزدهر الفنون كافة.

وكما يبدو لكل من درس الحضر، قد تعددت العبادات فيها، وكان هناك احترام وتسامح دينى متبادل بين مختلف الاديان، فنجد الانسان الحضري يتعبد جنبا الى جنب مع اناس من اديان واقوام مختلفة، وهنالك نصب لآلهة عراقية قديمة نبعت في سومر وانتشرت  واغريقية  وفارسية ورومانية وعربية.

 لقد تمتع الانسان في مدينة الحضر بكل  ما توفره السلطة الواعية لذاتها وما تقدمه من مبادرات حياتية يومية تناسب المناخات الاجتماعية والروحية  لتعميمها كحق للجميع بحياة  تخدم  وتراعي كافة متطلبات الانسان الحضري للمرأة والرجل، اذ تشاركا في حياة الحضر بدور متميز يتجلى في ناحيتين، لكلا الجنسبن روحيا واجتماعيا ،فنجد الالهة الانثوية جنبا الى جنب مع  الالهة الذكورية  في عبادتهم، ثم دوريهما في الحياة السيادية  ضمن مختلف الطبقات الحاكمة او النبيلة او العاملة بمختلف  المجالات والساحات .

يبدو لنا واضحا  اهمية دور النساء في الحياة الملكية من ملكات واميرات, ودور المراة الاعتيادي كزوحة او عازفة موسيقية او مرتله وكحبيبة ايضا، ولم يبخل على الرجل  في تعريفه فهو اما  نبيل  او محارب او تاجراو  كاتب  او فارس  الخ 

                   

مثلما للحضر آلهة ذكورية، على رأسها (شمش) اله الشمس، كذلك هنالك آلهة انوثية. حظيت الهات الحضر بكثير من التبجيل والتقديس ولم تكن مكانتهن لتقل عن مكانه الاله الذكر ابدا، فلهن اماكنهن المخصصة للعبادة ومعابدهن والكهنة والسدنة وكل ما يخص الالهة. ومن اهمهن:

اترعتا،  وهي من اهم الالهة الحضرية وتقوم مقام (عشتار) (الهة الانوثة والحب والحرب والحياة ). وكان لها حضورها المميز، وفي فترة من الفترات اختص احد الكهنة ويسمى (عجا بن أبا) بالعناية  بمعبدها وتقديم الطقوس الخاصة به.

تماثيل (اترعتا) جائتنا تصورها غالبا مع اسد او لبوة ونجدها في احجام وهيئات مختلفة فاحيانا تأخذ صفة اللات العربية(التي ظهرت في الجزيرة العربية فيما بعد بقرون)، واحيانا (عشتار) العراقية حاملة طفلا واسد بين اقدامها ، او الالهة اليونانية اثينا الهة الحب او الحرب وصورة المدوزا على صدرها. وهي قد تصور واقفة او جالسة لوحدها او مع الهة اخرى او في نصب للبخور.نشاهد ايضا الربة (اترعتا)  تشارك زوجها (نرجول. نركول ) في حماية الحضر ومراقبة ابراجها وفي  معبد فخم ومهم من معابد الحضر ونجد لها الكثيرمن التماثيل او الالواح.

نرجول اله العالم السفلي مع صورة اترعتا

ومن الالواح المهمة لوح الاله (نرجول) حيث نجد الالهة (اترعتا) في الزاوية اليمنى وترتدي زيا من الازياءالشائعة في الحضر.  نجد هنا ان  نرجول الاله الحارس يستعين باترعتا في. وهذا دليل اخر على ان فكر وفلسفة الانسان الحضري هي تعميم مشاركة المرأة للرجل على مختلف المستويات، بداية من الالهة نزولا الى الطبقة الحاكمة، ومن ثم الانسان الاعتيادي.

ولا نغفل  ان نشير هنا  الى الالهة (نني) العراقية الاشورية، كما وكانت تعرف باسم (ارتيميس نناي) في تدمر اوعشتار. ولكن (اترعتا) الحضرية تصطبغ بصبغة حضرية صرفة فهي ترتدي الزي الحضري من غطاء الرأس والفستان الطويل والضيق عند الصدر الذي ترتدية جميع نساء الحضر لكونها الهة فانها لا ترفع يدها بالتحية وتردي صندلا  مفتوحا حسب التقليد السائد في الحضر. ومن الملاحظ انها ترفع بيدها راية وشعار الحضر وهما الدائرة والنسر، مما يدل على اعتبارها الهة رئيسية لها القوة والسيطرة بتملكها راية وشعار الحضر. وقد وجد لاترعتا الكثير من التماثيل والالواح، كما في هذا اللوح. ولكن هناك تخطيط بطريقة الحفر على جدار المعبد الثالث مثير للاهتمام حقا اذ نجد وجهها معبر تماما وجسمها ممتلئ وملابسها واسعة بها الكثير من الكسرات والطيات ووشاحها ينسدل على كتفها وظهرها ولا يغطي جسمها من امام.  وهذا الزي قريب جدا من الازياء الفينيقية التي كانت منتشرة في بقاع سوريا ولبنان.

الالهة مرن ومرتن  وبرمرين وهي جزء من الثالوث الحضري (مرن- مرتن -برمرن) وتعني ( السيد ـ السيدة ـ بن السيد)،. في المنحوتات يصور مرن وقد تغضن جلبنه علامة على انه الاب اما  برمرين فنجد ان وججه  ممتليء ويدل على الشباب  ومرتن تصور كشابة جميلة واحيانا كانت (مرتن) تأخذ صفات الهة القمر. نجد اسم هذه الالهة يتردد كثيرا في االادعية والصلوات ودائما توضعز

برفقة زوجها وابنها وعند تنفيذ التماثيل الخاصة بها نجد انها تنفذ بكثير من الدقة والاهتمام مما يدل على مساواتها بزوجها الاله (مرن).

وبما ان الاله (مرن) يمثل الشمس فهناك اعتقاد بان (مرتن) ربما تمثل القمر او الزهرة لذا نجدها وقد صورت وكانهاتخرج  من صدفة او يكون جسمها او جزء منه محاط بقوس يشبه الهلال.

الألهة مرن  ومرتن وبرمرين

السيد والسيدة وإبن ساداتنا

 
   

الالهة تايخى او تايكه هي الالهة حارسة المدينة والابراج والابواب ونجد دائما غطاء راسها يشبه البرج وكانت زوجة لنرجول الحارس اذ انهما يتقاسمان حراسة وحماية الحضر ونرجول ايضا يحرس العالم السفلي وكان  المعبد السابع في الحضر مخصص لنرجول وتايخى مما يدل على مسؤوليتهما المشتركة في حماية المدينة. اصل هذه الربة يوناني الا انها استعيرت من الحضارة الاغريقية واكتسبت الصفات الحضرية وصورت في تماثيلها وهي ترتدي الزي الحضري.

الالهة اللات في الوسط ترتدي خوذة حربية على راسها  وتنتعل الهة  صندلا وعلى جانبي اللات صورتا امراتين اصغر حجما  وكلهن يقفن على ظهر اسد  وبجانبها صورة لالهة اترعتا وهي تحمل طفلا كما تصور عادة  في الحقبة البابلية   اذ في تلك الفترة هكذا كانت   تصور هذه الالهة دائما مع الهتين اصغر منها حجما ورغم انها تشبه الاهة (اترعتا) وتحمل  صفاتها، الا ان اللات ايضا وجدت في معابد الحضر بصفتها المتميزة. ونجد الاسد ايضا بجانبها وهو ايضا من مميزات (عشتار/اينانا).

 
   

ثلاث نسوة وأسد واللات في الوسط  والى جنبهم صورة الالهة اترعتا كما صورت في الحقبة البابلية                          ا

                        

       

                              

 من اشهر الاميرات اللواتي خلدت بتمثال رائع لها هي الاميرة (دوشفري وابنتها سمياكما في الصورة) بنت الملك (سنطروق الثاني) فلقد خلدت هذه الاميرة على ابهى صورة  تعكس لنا الجلال والمهابة التى عرفت بها  فملابسها تدل على الترف  مزوقة با جحار كريمة وموشاة بازرار قد تكون من الذهب او اللؤلؤ والحلى النفيسة  من اقراط وقلائد تزينها كما وان تاجها الاسطوانى الشكل يدل على  مقامها السامي ونفس الشئ ينطبق على تمثال ابنتها (سمي بنت دوشفري). ونلاحظ هنا ان الابنة انتسبت بالاسم الى امها الاميرة  وهذا يدل ععلى اهمية مركز المرأة. 

ونجد هناك نصا كتابيا يقول ان  تمثال دوشفري، اقامه لها  صديقها بن عبد عجيلي بن ستنبل، كما واقام هذا الرجل تمثالا اخر للاميرة سمي ابنة دوشفري، وعندما تذكر هنا كلمة صديق  فهي تعني المعنى الشامل والكامل للصداقة بين البشر وليس بين الجنسين فقط، تتكرر كلمة الصداقة كثيرا على  قواعد التماثيل  في الحضر اذ يبدو ان للصداقة اهمية كبيرة في اعراف مجتمع مملكة الحضر، فهناك نصوص كثيرة تشير الى ان المتعبد اقام التمثال له ولاصدقائه ولم يكن هناك اي احراج في اعلان صداقة الرجل للمرأة كما وان نصا كتابيا اخر يقول بان للآميرة دوشفري رجل  مرافق وقد اقام هذا المرافق تمثال لسنطروق بن سنطروق وكما يبدو انه اخ للاميرة دوشفري، فاذا كان للاميرة مرافق رجل فأن هذا يدل على التفتح الذهني والفكري  للمجتمع وفي

لديانه الحضرية.عكس ما حدث ويحدث في المجتمعات العربية المعاصرة.

كان في الحضر تقليد سائد  بنحث تماثيل  او الواح  تمثل سيدات المجتمع الحضري  بصحبة ازواجهن وهذه التماثيل توضع في المعابد الخاصة بالهة معينة دليل على تبعية المتعبد لذاك المعبد  والهته ولم يجد الرجل الحضري اي غضاضة او حرجا في هذه المصاحبة العلنية لزوجته حيث يضع زوجته على قدم المساواة  معه امام الناس والالهة  ويعتبر  زوجته صنوا له  ويفتخر بها مما يدل على سعة تفكيرة والاحترام العميق الذي يكنه الرجل  للمرأة.  

           

جذوة وزوجهاعبد ملك

خير مثال على ذلك  تمثال (جذوة وزوجها عبد ملك) ولقد صورا واحدهما ملتفتا الى الاخر وابتسامة من الرضى تعلو.  وجه (جذوة) وتدل ملابسهما على ترف ولابد انهما كانا من طبقة الاشراف في المجتمع الحضري.

كما و نحتت تماثيل لسيدات  مرموقات من طبقة الاشراف  حيث وضعن في اطار منحوتة تضمهن مع الالهات كمتعبدات  مما يدل على ان   قيمة هولاء النساء قد تصل الى درجة شبه مساوية للالهات او حتى تكرم من قبل الاله نفسه.وهن يعتبرن مفخرة للحضر رغم انهن لسنا الهات وخير مثال  كما في الصورة هذه  السيدة واسمها  ابو بنت دميون . اذ انها تعتبر مفخرة الحضر بدون منازع وعلى قاعدة تمثال هذه السيدة ذات المهابة والرفعة نقراء ان الاله برمرين وهو الاله الابن قد اقام لها هذا التمثال. هناك الكثير من التماثيل التى كانت تقدم  من قبل ازواج او اباء النساء للمعبد احيانا خلال حياتهن او بعد وفاتهن.

واهم مثال على ذلكما وجد مكتوب على  تمثال لفتاة كانت قد اغتيلت وهي في الثامنة عشر من العمر واسمها (ابو بنت جبلو) واقام التمثال لها زوجها  ( اشا بن شمش لطب )وكتب على قاعدة التمثال احياء لذكرى هذه الزوجة ما يلي( استغيث بالألهة مرن ومرتن وبرمرين  وبعلشمين واترعتا على من قتلها  وشمت بموتها وعلى كل من تكلم عنها بالكلام البذيءز

سمي بنت عجا

هناك تمثال (سمي بنت عجا) التى كما يبدو لنا انها كانت عازفة ومرتله في المعبد اذ نجد كتابة على قاعدة التمثال تشير الى ان هذا  تمثال (سمي بنت عجا بن اشتطي بن  سلوك) اقامه لها زوجها( عجا ابن ابا كاهن اترعتا)( واشير الى ذلك على قاعدة التمثال .  ولن ننسى  تمثال العازفة (قيمى بنت عبد سميا بائع الخمور).اذ نجدها قد صورت في ابهى حلية وممسكة بالالة الموسيقية الى تعزف عليها مما يددل على ان للمرأة الحق والحرية في ان تعزف على الة موسيقية وتغني وقد تكون قيمي مرتلة في معبد  اذ انها ترتدي زيا حضريا مختلف بعض الشئ عن الازياء الاعتيادية وان لتمثالها قيمة فنية عالية من ناحية التنفيذ التشكيلي.

وهناك نص اخر على قاعدة تمثال للكاهنة مرتبو  ترتدي زيا حضريا الا انه محور بعض الشئ ربما كان خاص بالكاهنات فقط وان تماثالها اقامه لها ابنها وهذا ما يسترعي الاهتمام اذ ان الكاهنات في الحضر لم يسمح لهن بالزواج ولكن كما يبدو ان الكاهنة مرتبو قد دخلت سلك الكهنوت بعد ترملها. كما ظهر لنا ان النساء في الحضر كن يصلين او يعزفن ويرتلن في المعابد التى كانت مختلطة وتعج بالمصلين من الجنسين، كما عبر عن ذلك الفنان العراقي المبدع حافظ الدروبى في احدى لوحاتة والتى استند فيها على الحقائق من خلال التنقيبات التى جرت في الحضر.

 

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker