متابعات

Written on 14/01/2020, 14:06 by Salam Taha
2020-01-14-14-06-31اكتشاف منحوتات صخرية آشورية في  منطقة فايدة -  محافظة ( دهوك ) #Salam Taha متابعات العراق في التاريخ - تقرير    عشرة نقوش صخرية جديدة تُظهر الملك الآشوري...
162 0
Written on 22/12/2019, 11:15 by Salam Taha
2019-12-22-11-15-29صدور المجلد الخامس من  مجلة آثار الرافدين الصادرة عن جامعة الموصل لسنة 2020 ( لتحميل العدد - يرجى الضغط على الرابط )  
275 0
Written on 21/09/2019, 13:11 by Salam Taha
craftsmanship-and-the-creation-of-babylon-s-ishtar-gate ISAW - NEW YORK UNIVERSITY  ( Click Here )   متابعات العراق في التاريخ : #  SALAM TAHA Future Exhibitions    November 6, 2019–May 24, 2020 Reconstructed panel...
627 0
Written on 21/09/2019, 13:01 by Salam Taha
100  Getty Trust to Invest $100 Million in Saving Threatened Antiquities The money will go toward preserving ancient artifacts that are in danger because of crises like...
507 0
Written on 26/07/2019, 20:10 by Salam Taha
1982متابعات العراق في التاريخ - سلام طه # طقم من سبع عملات تذكارية عراقية تم اصدارها احتفاءاً بمدينة بابل الاثرية   في العام  1982 ؛ تضم  في...
1031 0
Written on 16/07/2019, 21:55 by Salam Taha
2019-07-16-21-55-58متابعات العراق في التاريخ - سلام طه    
1184 0
Written on 14/07/2019, 20:04 by Salam Taha
2019-07-14-20-04-43   متابعات العراق في التاريخ- سلام طه   مزججات باب عشتار الكبيرة التي كانت تنتصب خلف الصغيرة الحالية المركبة في متحف البيرغامون في برلين، نجح الوزيرالحمداني في اعادتها...
1057 0

مدونة الموقع

Written on 26/11/2019, 09:51 by Salam Taha
2019-11-26-09-51-03نُشرت في صحيفة المدى البغدادية ( العدد  - 4554 /لزيارة موقع الصحيفة  أضغط هنا من فضلك  ) - 25 تشرين الثاني 2019 لتحميل نسخة الكترونية من...
393
Written on 24/10/2019, 09:30 by Salam Taha
7  نشرت في مجلة افاق عربية العدد التاسع - ايلول 1985  الآثاري العراقي حكمت بشير الاسود لتحميل المقال ( اضغط هنا من فضلك )  
788
Written on 24/10/2019, 00:45 by Salam Taha
2019-10-24-00-45-06  الحلقة الاولى :     الحلقة الثانية :
546
Written on 21/09/2019, 14:16 by Salam Taha
2019-09-21-14-16-12قناة الميادين اللبنانية - برنامج لعبة الامم ( اضغط هنا من فضلك لمشاهدته على القناة ) عرض اللقاء في 4 أيلول 2019 الاعداد والتقديم السيد سامي...
680
Written on 21/09/2019, 12:42 by Salam Taha
2-4نُشر المقال في مجلة بين نهرين العدد ( 123  ) - العدد الخاص ببابل ( سرّة الارض ) عبدالسلام صبحي طه    في  هذا المقال ( اضغط هنا من...
886
Written on 12/08/2019, 06:38 by Salam Taha
2019-08-12-06-38-00 بقلم : د.امل بورتر نشرت في مجلة بين نهرين ( العدد  122  بتاريخ تموز 2019 ) - ( لتنزيل العدد - أضغط هنا من فضلك )...
1051 1
Written on 05/08/2019, 19:46 by Salam Taha
2019-08-05-19-46-59  عبد الأمير الحمداني نشرت في مجلة بين نهرين - ملف  إدراج بابل في قائمة اليونسكو للتراث العالمي ( العدد 123 لشهر آب 2019 - اضغط هنا لتنزيل...
1352 3

ان تقرير عام 2016 عن المشروع الآثاري في منطقة أور جاهز للاطلاع والتحميل. ( اضغط هنا

Ur 2016

حيث يمكنكم الاطلاع على آخر فعالياتنا في الحقل.

نوجه شكرنا الجزيل للمانحين والداعمين، وخاصة البارون لورن تايسن- بورنميسزا من مؤسسة أوغسطس، كيرينتكو، المركز البريطاني لدراسة العراق، الاعتماد المالي لآثار الشرق الأدنى لجيرالد أفيري وينرايت، السفارة البريطانية في العراق والمجلس البريطاني.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 تقرير البعثة للعام 2015 ( أضغط هنا )

Write comment (0 Comments)

 

التقرير الاولي  للدكتور بهنام ابو الصوف ( مدير التحريات وحماية المواقع الاثرية في المديرية العامة للأثار ) وقد نشر في مجلة سومر  ( هنا )

حينما تقرر البدء بتنفيذ مشروع جسر باب المعظم في منتصف السبعيينات من القرن المنصرم وابتدأت أعمال التحرّي والدراسات الهندسية الأولية في جانبي الكرخ والرصافة من بغداد في البقعة المحددة له ولمقترباته على ضفتي دجلة. قمنا من جانبنا في مديرية الآثار العامة بفحص المنطقة التي ستحتلها مقتربات الجسر في كلا طرفيه، وخاصة تلك الواقعة منها في جانب الكرخ في المنطقة المسماة بخضر الياس. إذ كنا على علم بوجود مسناة مشيدة بآجرّ بعضه قديم من النوع المعروف في مدينة بابل وفي غيرها من أمهات المدن البابلية القريبة من بغداد، وبعضه الآخر حديث. بالإضافة إلى أن مادة البناء هي الأخرى غير متجانسة. فالقار والجص والأسمنت كانت تشاهد في الأجزاء الظاهرة من هذه المسناة. من الواضح أن سبب وجود هذه المسناة في هذا المكان من بغداد كان لحماية هذه المنطقة من جانب الكرخ من أخطار الفيضانات. إن ما كان ظاهراً من هذه المسناة للعيان كان يبدو للنظر المتفحص حديثاً. لذا فقد كان الشك يساورنا في قدم أجزاء هذه المسناة، كما كان الظنّ يتجه إلى احتمال كون الآجرّ القديم المشيدة به بعض تلك المسناة منقولاً من بابل أو من غيرها من المدن القديمة في وسط العراق. ولم يكن في حينه، أي سبيل لفحص الأجزاء المستترة من هذه المسناة. إذ كان ما يقع منها خلف الواجهة المطلة على دجلة، عند مزار خضر الياس، مغطى بحي سكني كامل، وبعد ذلك (أي بعد هدم ذلك الحي) بأنقاض ذلك الحي بارتفاع لا يقل عن بضعه أمتار، مما يجعل من العمل الآثاري والتنقيب العلمي أمراً صعباً للغاية. لذا فقد أثرنا في حينه الانتظار حتى تبدأ أعمال تسوية البقعة التي ستقوم عليها مقتربات الجسر في هذا المكان وعندها سيصبح بالإمكان فحص حقيقة هذه المسناة وما يقع وراءها(*)

(*)بصدد ما ذُكر عن وجود ما يشبه المتراس يحاذي ضفة دجلة الغربية، وهو مشيد بالآجرّ البابلي وملاطه من القار، ومشاهدة ذلك منذ أواسط القرن الماضي، انظر دليل خارطة بغداد قديماً وحديثاً (1958) للمرحوم الدكتور مصطفى جواد والدكتور أحمد سوسه ص 27-28

 

وعندما بدأت أعمال التسوية في (أوائل صيف 1975). كان عدد من منتسبي مديرية الآثار العامة المختصين يتناوب الإشراف على تلك الأعمال لمشاهدة ما يستجد نتيجة لإزالة الأنقاض والأتربة المتراكمة. وقد لوحظت بالفعل أجزاء بناية قديمة ممتدة وراء واجهة المسناة باتجاه شارع الإمام موسى الكاظم المجاور. وهذه الأجزاء البنائية القديمة مشيدة بالآجرّ والقار، ولأجل التعرّف بصورة أوضح على هذه البقايا وطبيعتها والغرض من وجودها في هذا المكان عند نهر دجلة فقد سارعت المديرية العامة للآثار إلى وضع خطة عاجلة لإجراء التنقيب الواسع في منطقة المسناة بالتنسيق مع القائمين على تنفيذ مشروع الجسر في الشركة العراقية للمقاولات والمديرية العامة للطرق والجسور. وقد ابتدأت بالفعل أعمال التنقيب الموسع في أواسط حزيران (1975) واستمرت لمدة شهرين، ثم توقّفت بسبب ازدحام منطقة العمل بالآلات والمعدات استعداداً لصبّ دعامات الجسر على اليابسة في منطقة خضر الياس إلا أننا كنا نأمل استئناف التنقيب مرة أخرى فور الانتهاء من الأعمال الإنشائية لمقتربات الجسر في هذا المكان.(**)

 

(**) كانت الهيئة المكلّفة بإجراء التنقيب تتألف من كاتب المقال رئيساً وعضوية الآثاريين السيدين شاه محمد علي الصيواني وإسماعيل حسين حجارة. كما كان السيد عز الدين جعفر الصندوق مسؤولاً عن أعمال المسح والترسيم الهندسي وقد صوّر الحفريات واللقى المكتشفة السيد مظهر غالب

 

تم خلال هذين الشهرين الكشف عن بقايا جدران ضخمة مشيدة بالآجرّ المربع (الفرشي) والقار. طول ضلع الأجرة الواحدة يتراوح بين 33 إلى 35 سم كما أن سمكها يتراوح بين 7 إلى 8 سم. تعلو سطح العديد من هذا الآجرّ طبعة ختم الملك البابلي الشهير نبوخذ نصر الثاني (605-562 ق.م) أبرز ملوك الإمبراطورية البابلية الحديثة. وترجمة نص هذا الختم كالآتي:

(نبوخذ نصر ملك بابل حامي إيساكلا(***) وإيزدا(****) الابن البكر للملك نبوبلاصر ملك بابل).

(***) معبد الآله مردوخ في مدينة بابل.

(****) معبد الآله نابو في بورسيبا (برس نمرود جنوبي مدينة الحلة)

 

تتألف البقايا المكتشفة، لحدّ الآن، من كتلتين صلدتين، الجنوبية منهما الكائنة لصق مزار خضر الياس عبارة عن دعامة ضخمة من الآجرّ والقار ربما كان ذراعها الشرقي يدخل حوض دجلة إلى مسافات لم نستطيع تحديدها بعد. إن طول ما استُظهر من هذه الدعامة، لحد الآن 24 م تقريباً وعرضا  17.5م تتخلّله فتحة عند طرفه الشمالي ربما كانت لدرج ينزل إلى النهر، أما الكتلة الشمالية فتتألف من جدارين ضخمين متوازيين يذكراننا بدفاعات مدينة بابل على عهد نبوخذ نصر طول ما استُظهر منهما 41 م تقريباً، يحصران بينهما فراغاً وقد يكون ممراً عرضه 5.2 م تنحدر إلى قاعه درجات مشيّدة بنفس مادة بناء الجدارين (أي الآجرّ والقار). لقد ضيق هذا الممر عند نهايته بحيث جعل 1.80 ثم أغلق هذا التضيق أيضاً في فترة لاحقة. هذا وتخترق كل من هذين الجدارين المتوازين بوابة يعلوها قوس نصف دائري يشبه بشكله تلك الأقواس التي تعلو بوابات ومداخل مماثلة في أبنية ودفاعات مدينة بابل من الفترة ذاتها، وتمتد بقايا هذه الكتلة إلى مسافة في حوض النهر حيث ظهرت بقاياها في مكان إنزال دعامة الجسر الأولى في الماء قرب الضفة الغربية لدجلة. لقد أهملت هذه المنشآت البابلية واستغني عن استخدامها كلياً في زمن الفترة الفرثية في العراق (139ق. م-226م) .إذ وجدت أبنية وبقايا هذه الفترة وقد غطّت تلك المنشآت في جميع الأجزاء المكتشفة(*) بعد أن مهّدتها بحيث جعلت منها قاعدة (مصطبة) شيّدت فوقها قصورها وأحيائها السكنية. وأغلب الظن أن الساسانيين (226م-637م) الذين أعقبوا الفرثيين في وجودهم في أجزاء من العراق آنذاك قد استمروا في اتخاذ هذا المكان موضعاً لقصورهم وسكناهم. كما اتخذه العباسيون بعد ذلك أيضاً(**).

(*)_ الأدلة على ذلك مواد البناء الفرثية، وخاصة اللبن الضخم المعروف، والفخاريات الممثلة لتلك الفترة ثم النقد الفرثي الذي يرجع للملك ولجش الثالث (سنة 489 سلوقية المقابلة للسنة 178 الميلادية).

(**)- ربما تكون رحى المعركة التي درات بين قسم من جيش خالد بن الوليد والفرس في هذا المكان للسيطرة على المحل المعروف آنذاك بقرية سوق بغداد. حيث تمّ عبور قائد تلك القوة النسيم بن الديسم (12هـ - 633م) من الجانب الغربي إلى الجانب الشرقي على جسر ساساني كان معقوداً هناك. هذا وقد استفاد العباسيون من كرسي الجسر الشرقي والغربي فعقدوا هناك جسراً سنة 383هـ -992م وهو الجسر الذي نزل على مقربة منه الرحّالة ابن جبير أيام زيارته لبغداد سنة 580 هـ - 1184م. انظر المرحوم الدكتور مصطفى جواد (آثار بغداد الإسلامية) في دليل تاريخي على  مواطن الآثار في العراق. بغداد 1952 ص 5-12

هذا وصف موجز لمنطقة الاكتشاف، وللأجزاء المُستظهرة لحد الآن، بقي الجانب المهم المتعلق بماهية هذه المنشآت وطبيعتها والغرض من تشييدها في هذا المكان عند نهر دجلة.

بالطبع إن الأقسام المُستظهرة من هذه المنشآت ليست كبيرة أو كافية إلى حد ما، بحيث تمكننا من أعطاء تفسيرات مباشرة وقاطعة ولهذا سأحاول هنا تقديم أكثر من احتمال معتمداً على ما هو متوفر من نصوص ومدوّنات لها علاقة من قريب أو بعيد بموضوع البحث (  * ) إن كون هذه المنشآت الموصوفة أعلاه بابلية من الفترة المعروفة بالدور البابلي الحديث (النصف الأول من القرن السادس ق. م.) شيدت في الغالب في زمن أشهر ملوك تلك الفترة نبوخذ نصر الثاني شيء مؤكد الآن، وذلك استناداً إلى الطبيعة المعمارية لهذه المنشآت ومطابقتها لمنشآت من الفترة ذاتها في مدينة بابل، إضافة إلى استخدام القار في البناء كما هو الحال في بابل نفسها(** ) كما وأن صراحة النص على الآجرّ حيث يعزى هذا الآجرّ على الأقل إلى نبوخذ نصر نفسه

 

(*) -  إن أي احتمال آخر يقدّم من القارئ الكريم يرحّب به وهو عرضة للمناقشة، كما أن الاحتمالات التي سأقدمها هنا هي الأخرى عرضة للمناقشة.

(**) - كثر استخدام القار في البناء مع الآجرّ منذ العصر البابلي الحديث، وبقي استخدامه شائعاً في أبنية العراق القديم حتى أواخر العصر السلوقي (312-139 ق.م)

.

إن اقامة هذه المنشآت ذات علاقة بهذا النهر أي يمنحها الطبيعة الإروائية. وهنا أيضاً يكمن أكثر من احتمال: فهل كانت هذه البقايا جزءاً من شاذروان عظيم تمتد ذراعه (لاحظ الدعامة الجنوبية) إلى مسافات في دجلة لترفع من مناسيبه وتلقي بالفائض من مياهه إلى فتحات أو بوابات كائنة على ضفته (لاحظ الفتحات التي تعلوها أقواس في الكتلة الشمالية) تنساب بعدها إلى جداول وحقول في بقاع مجاورة ( * ) أم كانت هذه البقايا لمسناة أو ناظم عظيم شيّده نبوخذ نصر في هذا المكان للحد من طغيان دجلة في زمن الفيضانات خوفاً من انحداره من ثغرة في هذه البقعة وإغراقه ما يحيط ببابل من حقول ومزارع، لا بل تهديده مدينة بابل نفسها. وربما استفاد نبوخذ نصر من هذا الناظم لغرض دفاعي أيضاً. فبالإضافة إلى درء خطر الفيضان عن بابل وما يحيطها فإنه قد كان يعمد إلى فتح بوابات هذا الناظم عند الحاجة لملء المنخفضات المحيطة ببابل كي تصبح مستنقعات يتعين على المهاجمين اجتيازها قبل محاصرتهم لبابل نفسها. هناك احتمال آخر يسنده نص إلى نبوخذ نصر نفسه ( ** ) في كون هذه المنشآت هي بقايا لبداية سور عظيم شيّده نبوخذ نصر محكماً قوياً بدايته فوق أوبسس( *** ) عند نهر دجلة. ونهايته عند مدينة سبار (أبوحبة) على الفرات (في منطقة اليوسفية) لصدّ هجمات الأعداء من مملكة الميديين.

 

(*) -  إن منطقة الكرخ في هذه البقعة لم تكن بالارتفاع الذي تُشاهد عليه الآن، وسبب ارتفاعها الحالي ناجم عن وجود هذه المنشآت أولاً ثم ما علاها بعدئذٍ من منشآت فرثية فساسانية وعباسية وحديثة.

(**) - انظر : Lane, W.H. 1923. Babylonian Problems ,pp.163-137 and 188-189.

(***) -  اسم أطلقه المؤرخون اليونان أمثال سترابوا ( 24ق. م.) على مدينة سومرية قديمة عرفت باسم أكشاك في المدونات السومرية ثم أصبحت تسميتها أوبي (Upe) البابلية في الفترة الكاشية. وقد حورت اللفظة الأخيرة (أوبي) عند المؤرخين اليونان إلى أوبس (المرجع السابق: ص1-3) وهناك أكثر من احتمال عن موقع هذه المدينة أحدها ما يفترض وجودها قرب بلد على دجلة ويجعل من الجدار المشيّد باللبن والكائن إلى الشمال من بلد (على بعد 27 كم جنوبي سامراء) الجدار الميدي، أي جدار نبوخذ نصر كما أن رأياً آخر (حديثاً) يفترض وجودها أسفل بقايا المدينة الساسانية كوخة في منطقة سلوقية (انظر مجلة ما بين النهرين الإيطالية (تورينو) المجلد الأول 1966 ص17-38). إن صح الرأي الأخير يكون موضع السور، الذي نتحدث عنه في منطقة خضر الياس أكثر ملائمة لما ورد في نص نبوخذ نصر المار ذكره أعلاه خواصة إذا ما علمنا بأن السور الذي كان يعرف بالميدي سابقاً (الكائن شمال البلد) قد شيد على الأكثر في أوائل الفترة الساسانية واستمر استخدامه في العصور الإسلامية التالية، وقد عرف باسم المطبق عند الرحّالة والآثاريين الأوائل (سومر، المجلد العشرين 1964، ص83-89 القسم الأجنبي).

 

Write comment (0 Comments)

 

لما تقرر البدء بتنفيذ سد أسكي الموصل، في محافظتي نينوى ودهوك في آواخر السبعينات، قام عدد من الآثاريين في دائرة آثار محافظة نينوى بإجراء الدراسات والمسوحات اللازمة لإحصاء التلال والمستوطنات الآثرية التي ستتعرض للغمر بمياه البحيرة الواسعة التي ستنشأ من إجراء تشييد هذا السد وقد أعدت بنتيجة هذه الدراسة خارطة تفصيلية تضم عشرات التلال والمباني المندرسة والمغاور والقلاع التي تنتشر بقاياها في ربوع الوادي على طرفي نهر دجلة، والتي كانت يوماً مأهولة بالسكان في مختلف حقب التاريخ.

بعد استكمال العديد من الأعمال التمهيدية وتخصيص مبالغ سخية رصدتها الدولة في خطتها الخمسية 1981-1985، بدأت الدائرة الشمالية للآثار والمتاحف أعمال حملة التنقيبات الإنقاذية الواسعة في الحوض في عدد من تلال ومواقع الطرف الشرقي من الحوض في منطقة فايدة، بين الطريق العام الذاهب إلى هوك، ونهر دجلة ومن أبرز هذه المواقع: جمبور، بقاق، كري قاسم، جيكان، خرابوك، مشرفة، كرهول، شعبو، جالوقة، زهرة خاتون، كرانة والعديد غيرها. كما قامت جامعة الموصل بنفس الوقت بالتنقيب في تلال مصيفنة وسلال وضويج في منطقة زمار إلى الغرب من نهر دجلة.

وتلبية لدعوة مؤسسة الآثار العراقية، بدأت بعثات تنقيب من اقطار خارجية مختلفة تصل القطر منذ ربيع 1982 للمساهمة في حملة التنقيبات الإنقاذية في حوض سد أسكي موصل، فعملت بعثة إنكليزية في عدد من المواقع على طرفي دجلة منها: محمد عرب، خاتونية، خربة شطاني، قصرج، ديرستون، سيانات ووادي السويدي، ونقّبت لموسم واحد بعثة نمساوية في تل عنزة، وأخرى فرنسية في تلال كوتان وكرخوش وعثرت على عدد من مقارّ إنسان العصر الحجري القديم من قسمه الأسفل ومخلّفاته من الأدوات الحجرية على أكتاف بعض الوديان المنحدرة إلى نهر دجلة في هذه البقعة من الطرف الشرقي من الحوض وعملت بعثة جامعة كوكوشيكان اليابانية في مجموعة من التلال على طرفي نهر دجلة في منطقتي فايدة وزمار منها: جيكان، فسنة دير هال، مشيرفة، جيساري، ضويح وقصر البنت، وقامت بعثة جامعة وارشو البولونية بإجراء مسوحات أثرية على مصاطب نهر دجلة التي تحف بمجراه في منطقتي رفان وفايده وسجلت عدداً من مستوطنات إنسان العصر الحجري القديم إلى الجنوب من مركز ناحية زمار على ضفة دجلة الغربية. كما وقفت على بقايا أقدم قرية زراعية من بداية العصر الحجري الحديث عند قرية نمريك إلى الغرب من فايدة على ضفة دجلة الشرقية ونقبت فيها كما نقبت في موقعي رفان ورجم عمر دلة وعملت بعثة سوفيتية من أكاديمية العلوم في موسكو لموسم واحد في تل شيخ حمصي على ضفة دجلة الغربية إلى الشمال من مركز ناحية زمار ونقبّت بعثة إيطالية من جامعة تورينو في موقع حتارة إلى يسار طريق موصل - دهوك العام. وحفرت بعثة مشتركة من جامعة هامبورغ في ألمانيا وجامعة نابولي الإيطالية في موقعي كرانة 3 وخربة صالح، وأجرت بعثة جامعة هايدلبرغ في ألمانيا حفريات قصيرة في مستوطن واسع في عقار بابيرة.

أظهرت نتائج المسوحات السطحية والتنقيبات الواسعة التي أُجريت في عدد كبير من مواقع الحوض خلال ما يقرب من خمس سنوات أن وادي دجلة في هذه المنطقة من شمال العراق كان مأهولاً بالسكان بشكل كثيف وعلى طرفي النهر ومنذ أكثر من ربع مليون سنة ابتداءً من العصر الحجري القديم مرورا ًببقايا الاستيطان في أوائل عصر القرى الزراعية قبل معرفة صناعة الفخار وبعده مباشرة في أدوار جرمو وحسونة وسامراء وحلف والعبيد في الألفين السابع والخامس قبل الميلاد، كما أن غالبية مواقع الحوض قد شهدت سكنى كثيفة خلال عصر الوركاء في الألف الرابع قبل الميلاد والفترة اللاحقة من بداية الألف الثالث ق. م. والتي تعرف في الأقسام الشمالية من العراق وشمال سوريا بعصر نينوى الطبقة الخامسة، وهي تعاصر في وسط وجنوب بلاد الرافدين المراحل النهائية من عصر جمدة نصر والفترة الانتقالية إلى بداية فجر السلالات السومرية، وقدمت بعض تلال حوض السد إشارات مؤكدة من زمن الإمبراطورية الأكدية في النصف الثالث ق. م. تعقب ذلك وفي معظم مواقع التنقيب لقى وفيرة وبقايا بنائية من مرحلة بداية الألف الثاني ق. م. وحتى منتصفه وأبرز تلك اللقى الفخاريات المميزة لهاتين المرحلتين والمعروفة بفخاريات الخابور وما يعاصرها من فخار العصر الآشوري القديم وكذلك فخاريات العصر الآشوري الوسيط وفخار الخوري ونوزي الذي يعاصره.

تلي ذلك بقايا بنائية وفخارية من مرحلة العصر الآشوري الحديث في النصف الأول من الألف الأول ق. م. تعقبها إشارات من مراحل الغزو الفرثي الفارسي والساساني لهذه المنطقة وكشف عن مبانٍ وقلاع وبقايا مدن من زمن ازدهار الحضارة العربية الإسلامية من أواخر العصر العباسي وفترات الحكم الإتايكي والإيلخاني للمنطقة. وقد وجدت بقايا بعض مباني هذه المرحلة بحالة جيدة تغطيها الأنقاض والأتربة كمباني مواقع خرابوك وشرفية وزهرة خاتون وبقاق 3 و4 وكلها مشيّدة بمادة الجص والحجارة أو الطابوق.

إن أبرز اكتشاف حصلت عليه الأوساط الآثارية المتخصصة من نتائج تنقيبات ومسوحات حوض سد أسكي موصل في الفترة الأخيرة والذي يلقي الضوء على التحرّكات البشرية الواسعة في مرحلة موغلة في القدم من حياة قطرنا ومنطقتنا العربية هو التوصل إلى اكتشاف مخلفات مؤكدة لإنسان العراق خلال المراحل الأولى من العصر الحجري القديم يرجع زمنها إلى أكثر من ربع مليون سنة مضت. وهذه المخلّفات ممثلة بآلات وأدوات ذلك الإنسان في عدد كبير من المقار على مصاطب نهر دجلة الأربع التي خلفتها العصور الجليدية خلال دهر البلايستوسين في المليون سنة الأخيرة من عمر الأرض، فقد عثر على ما يقرب الأربعين مستوطناً لإنسان العصر الحجري القديم الأسفل على مصاطب نهر دجلة الكائنة فوق قرية رفان العليا إلى الجنوب من مركز ناحية زمار كما عثر على ما يقرب نصف هذا العدد من مقار ذلك الإنسان على مصاطب دجلة الشرقية وأكتاف الوديان المؤدية إليه جنوب مركز ناحية فايدة وأبرز تلك الآلات المصنوعة من الحجر مفارم وفؤوس ومقاشط كلها من الصناعة المعروفة بالأشولية والممثّلة لتلك الفترة السحيقة من العصر الحجري القديم. إن الظاهرة البارزة على هذه الآلات والأدوات الحجرية أنها ومثيلاتها المكتشفة على طرفي نهر الفرات في حوض سد القادسية في أوائل الثمانينات والأخرى التي عثر عليها في غرب كربلاء بين منخفض الرزازة ومنطقة الأخيضر في أوائل السبيعينات كثيرة الشبه بما اكتشف سابقاً من هذا النوع من اللقى الحجرية ومن نفس الفترة الزمنية في هضبة الجزيرة العربية الشمالية.

إن الدراسة المقارنة لهذه المواد الحجرية تؤكد المسار الذي اتخذه إنسان المنطقة العربية وكان دائماً يتّخذه في الأزمان اللاحقة الأكثر حداثة باتجاهه نحو وديان الأنهار العظيمة وهو يؤكد في نفس الوقت أن جزيرة العرب هي موطن معظم الموجات البشرية التي استقرت في بلاد الرافدين وبلاد الشام وفلسطين ووادي النيل ومنذ العصور الحجرية القديمة. بقي أن نذكر أخيراً أن أنواعاً من الأدوات الحجرية من الصناعة الموستيرية اللاحقة (80-40 ألف سنة قبل الآن) والتي تتشابه مع مثيلاتها في بعض مقار جبال العراق الشمالية والشرقية وكهوفها قد وجدت أيضاً في بعض مقار ضفتي دجلة في حوض سد أسكي موصل شمالي مدينة الموصل، وهي من الصناعات المحلية في تلك المقار. والتي تطوّرت فيها على مرّ الزمن من قبل سكان تلك المناطق الذين كانوا ينحدرون أحياناً حاملين معهم أدواتهم وآلاتهم الحجرية إلى ضفاف نهر دجلة.

 

تاريخ منطقة الموصل القديم من الكهف إلى القرية:

شهد العراق بجباله وهضابه وسهوله وضفاف نهرية العظيمين دجلة والفرات تطورات أولى في تاريخ البشرية منذ ما يقرب ربع مليون سنة. فقد عاش على هذه الأرض وتجول إنسان العراق الأول في عصوره الحجرية القديمة. وكان ذلك الإنسان لا يزال يدرج، كما كان حال معاصريه في بقاع الدنيا الأخرى في مضمار التطوّر، فقد كان ينتمي إلى إنسان النياندرتال المنقرض الذي لدنيا نماذج عديدة من بقاياه العظمية في كهف شانيدار في محافظة أربيل، والتي تعاصر مثيلاتها في فلسطين في مغارة الصخول في جبل الكرمل. إن إنسان الكهوف العراقي هذا بدائيٌّ في شكله وفي طريقة معيشته. والفرد منه يتميّز برأس ضخم ووجه عريض وحاجبين بارزين وجبهة منحدرة إلى الخلف وذقن صغير يكاد يكون معدوماً. ومع أن طوله لم يكن يتجاوز الخمسة أقدام إلا بقليل، فإن مظهره الغليظ وصدره الواسع واكتافه العريضة كانت تكسبه ملامح خشنة وقاسية. وقد عاش إنسان النياندرتال في جماعات صغيرة معتمداً في حياته على جمع والتقاط ما تجود به الطبيعة آنذاك، كما كان يسعى وحيداً أو في جماعات لمهاجمة واصطياد الحيوانات الضخمة التي كانت تزخر بها بيئته القاسية. وكان سلاحه فؤوساً مدببة من لب الحجارة يهيّئها لهذا الغرض، فضلاً عن هراوات وعصى من أخشاب الأشجار.

لقد أثبتت الدراسات المقارنة لعلم الإنسان الجسديPhysical Anthropology  في السنوات الأخيرة أن نوع إنسان النياندرتال الذي يسكن كهوف العراق وفلسطين في المراحل الأخيرة من عصر البلايستوسين قد مرّ بمراحل تطورية إحيائية سريعة خلال الـ 35- 40 ألف سنة الماضية نتج منها نوع عاقل من الجنس البشري له من الصفات والمظاهر والطباع ما يجعله مؤهّلاً ليكون السلف المباشر لجنسنا البشري الحالي في هذه المنطقة من العالم القديم، ومنها العراق بالذات، وإذا ما تذكرنا بأن عراقيي كهف شانيدار قد اعتنوا عناية خاصة بدفن موتاهم أسفل أرضية الكهف، وأنهم زوّدوا بعض أولئك الموتى بزهور برية كانت تنمو على سفوح الجبال وجدت بقاياها مدفونة عند رأس عدد من هياكلهم، كما قاموا بالاهتمام بالمعوقين والكسيحين من أبناء جنسهم أثناء حياتهم، تأكّد لنا التوجّه الإنساني المبكر لآولئك البشر سكان العراق الأوائل وأنهم ربما كانوا في طريقهم إلى تحقيق الطفرة التطورية الهائلة لبني نوعهم من البشر.

أكدت الدراسات والبحوث الآثارية لمرحلة العصور الحجرية في القطر، ومنذ أواخر العشرينات من القرن الماضي، على وجود مخلفات إنسان العراق في أكثر من بقعة من شمالي بلاد الرافدين ووسطه وغربه خلال العصور الحجرية القديمة والوسطى والحديثة، فقد عُثر على مخلفات إنسان العصر الحجري القديم من قسميه الأسفل والأوسط بهيئة آلات وأدوات حجرية معمولة أبرزها حجارة القطع، والفرم وبعض الفؤوس الحجرية الكمثرية الشكل والشظايا والمقاشط والسكاكين من الصناعتين الأشولية والموستيرية والتي حُدّد زمانها بين ثلاثمائة ألف سنة وثمانين ألف سنة قبل الآن في صحراء الرطبة ومنطقة الرزازة غربي كربلاء وعلى طرفي نهر الفرات في منطقة الفحيمي وجزيرة بيجان في حوض سد القادسية وعلى طرفي نهر دجلة في حوض سد أسكي موصل إلى الجنوب من مركز ناحية فايدة على الضفة الشرقية لدجلة وأكتاف الوديان المؤدية إليه في أطراف قريتي كرخوش وبابيرة المغمورتين بمياه الحوض الآن.

ومنطقة برده بالكة قرب مركز قضاء جمجمال في محافظة التأميم وفي الطبقة السفلى من كهف شانيدار في محافظة أربيل، كما عُثر على بقايا العصر الحجري القديم الأعلى (30000-12000 سنة قبل الميلاد) لأول مرة في شمالي العراق في كهفي زرزي وهزار مرد في منطقة السليمانية في عام 1928. وفي الطبقات العليا في كهف شانيدار في محافظة أربيل قرب راوندوز، وفي كهف بالي كوره في محافظة السليمانية وكهف ببيخال في محافظة أربيل وباراك في محافظة نينوى.

وقد أُطلق على هذه المرحلة الأخيرة من مراحل العصر الحجري القديم في العراق العصر البرادوستي نسبة إلى جبال برادوست التي يقع فيها كهف شانيدار ببقاياه المميزة لهذا العصر وعند نهايات هذا العصر في حدود 15 ألف إلى 12 ألف سنة مضت حين بدأ مناخ العالم بالتغيّر وقارب آخر عصر جليدي على الانتهاء وبدأت مرحلة الدفء والجفاف النسبي تسود العراق، ومنطقة الشرق الأوسط، أخذ العراقيون سكنة الكهوف في الأقسام الشمالية من العراق يهجرون كهوفهم لفترات طويلة وخلال أشهر الصيف يختارون فيها مقرات ومستوطنات وقتية في العراء، غير بعيدة عن أماكن كهوفهم تلك، قرب الينابيع والجداول ومجاري الأنهار وينزلونها مع عوائلهم وأطفالهم.

ومن أبرز هذه المقرات والمستوطنات الأولى التي حلّ فيها العراقيون إثر خروجهم من الكهوف، زاوي جمي على ضفة الزاب الأعلى الشرقية وهو ليس بعيداً من كهف شانيدار، وكريم شاهر بالقرب من مركز قضاء جمجمال في محافظة التأميم، وملفعات على الكتف الغربي لنهر الخازر قرب طريق موصل - أربيل في محافظة نينوى، ونمريك على ضفة دجلة الشرقية إلى الغرب من مركز قضاء فايدة في محافظة دهوك والمغزلية وقرمز دره غربي بلدة تلعفر في محافظة نينوى. وعشرات غيرها لم يكشف عنها البحث الآثاري لحد الآن. وفي هذه المقار والمستوطنات الأولى احتاج سكنة العراق الأوائل إلى ملجأ يحيمهم وأطفالهم من حرّ النهار وبرد الليل ومكان يجمعون فيه حاجاتهم وأدواتهم البسيطة فبدؤوا يخططون منازلهم الأولى، وكانت ثمة حفر دائرية في الأرض يرفعون جدرانها بالحجارة والطين ويسقفونها بالقصب وأغصان الأشجار فكانت تلك أكواخ العراق الأولى بشكلها الدائري، وأرضياتها مفروشة بالحصى أو الحجارة، وتتألّف في الغالب من حجرة واحدة، فتمَّ بهذا للعراقيين تعلّم البناء ومبادئ العمارة البسيطة قبل أكثر من اثنتي عشرة ألف سنة. وبقيت لهم خطوة أخرى إذا ما حققوها فسيضعون قدمهم على أول مرحلة نحو الاستقرار الذي يقود للحضارة، وهذه الخطوة هي الزراعة وتدجين الحيوان.

لم تمضِ على خروج سكان الكهوف من العراقيين واستيطانهم العراء غير ألفي سنة حتى بدأنا نواجه بين بقايا مقارهم تلك إمارات وأدلة على سيطرتهم على  إنتاج القوت وبدء الزراعة وتدجين الحيوان، بعد أن كانوا ولألوف عديدة من السنين جامعين للقوت وصيادين، ومن هذه الإمارات حبوب متفحمة للقمح والشعير المزروعة في حقل والتي تختلف عن مثيلاتها التي تنمو برياً، وكذلك عظام وقرون للخراف والماعز مدجّنة وغيرها من الحيوانات الصغيرة، فضلاً عن آلات وأدوات من الحجارة للطحن والجرش والدق والحصاد. كالمناجل المصنوعة من شفرات من حجر الصوان والملصقة مع بعضها بالقار والمثبتة بمقبض من العظم أو الخشب لتصبح مناجل صالحة للحصاد بأيدي ماهرة ومدربة، بجانب هذا بقي إنسان العراق في بيئته تلك يصطاد أحياناً ويجمع القواقع والبلوط لغذائه أيضاً.

إلا أنه بدأ يسير حثيثاً نحو الاستقرار النهائي في قرى ثابتة نمتْ واتسعت وتعاقب فيها السكان خلال الألفين السابع والسادس قبل الميلاد. حيث بدأت مهارات فلاحي العراق الأوائل تزداد وتتنوّع فيها فأتقنوا فن العمارة وتشييد الدور من الطوف واللبن بأشكال مربعة أو مستطيلة وبعدد من الغرف تفي حاجات العائلة الواحدة. كما تعلّموا صناعة الفخار وتلوينه وحرقه وغزل أصواف الخراف وشعر الماعز وخيوط الكتان بمغازل أقراصها من الحجارة أو الطين وحاكوا منها أقمشة بجوم بدائية ثقالاتها من الحجارة أو الطين أيضاً. واستوردوا بعض الخامات ومواد الزينة من أقطار بعيدة كبلاد الأناضول والخليج العربي وشرق إيران وشمال أفغانستان.

إن توصّل الإنسان إلى معرفة الزراعة وتدجين الحيوان والاستقرار في قراه الزراعية الأولى يعدّ انقلاباً خطيراً في مسيرته الطويلة على سطح الأرض، ويؤشر هذا الانقلاب إلى بداية للعصر الحجري الحديث في منطقتنا وفي العراق بالذات. وقد أطلق عليه مؤرخو الحضارات القديمة ثورة العصر الحجري الحديث أو ثورة إنتاج القوت وأحياناً الثورة الزراعية.

إذ إنها قد نقلت البشرية من عهد طويل من التنقّل والسعي وراء القوت والصيد إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والأمن وتشييد القرى التي نمت فيها المعارف والمهارات والتقنيات وتنوعت تبعاً لحاجات الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والفنية والعقائدية. وتطوّر العديد من هذه القرى الأولى خلال الألف الرابع قبل الميلاد في شمال ووسط وجنوب العراق إلى نواة لعدد كبير من المدن التي اشتهرت في بداية الألف الثالث ق. م. حواضر مزدهرة للعراق القديم في عصوره التاريخية اللاحقة كمدن نينوى، وسامراء، ونمرود، وآشور، وبابل، وكيش، والعقير، ونفّر، والوركاء، وأور، والعبيد، وتلو، وأريدو، والعديد غيرها، وقلاع الموصل، وتلعفر، وأربيل، وكركوك.

كان للموصل وإقليمها الواسع على طرفي دجلة دور بارز ومهم في حياة إنسان العراق الأول في عصوره الحجرية القديمة كما شهدت سهولنا الخصبة الفسيحة وباديتها الغربية البدايات الأولى للاستيطان الزراعي الدائمي لفلّاحي القطر الأوائل في مرحلتي ما قبل الفخار وبعدها في مفتتح العصر الحجري الحديث خلال الألفين الثامن والسابع قبل الميلاد وما بعدهما بقليل. لقد أثبتت الدراسات والمسوحات التي أجرتها فرق العمل الأثاري في حوض سد أسكي موصل في أواسط الثمانينات وجود مخلفات أكيدة لأنسان العراق خلال المراحل الاولى من  العصر الحجري القديم يرجع زمنها إلى أكثر من ربع مليون قبل الآن. وهذه المخلفات ممثلة بآلات وأدوات ذلك الإنسان في عدد كبير من المقار وعلى مصاطب نهر دجلة الأربع التي كوّنتها العصور الجليدية خلال دهر البلايستوسين في المليون سنة الأخيرة من عمر الأرض. فقد عثر على ما يقرب أربعين مستوطناً لإنسان العصر الحجري القديم الأسفل على مصاطب نهر دجلة الكائنة فوق قرية رفان عليا إلى الجنوب من مركز ناحية زمار في الطرف الغربي من الحوض. كما عثر على ما يقرب من نصف هذا العدد من مقار ذلك الإنسان على مصاطب دجلة الشرقية وأكتاف الوديان المؤدية إليه جنوب مركز ناحية فايدة. وأبرز تلك الآلات المصنوعة من الحجارة مفارم وفؤوس ومقاشط وكلها من الصناعة المعروفة بالآشولية والممثلة لتلك الفترة السحيقة من العصر الحجري القديم. إن الظاهرة البارزة على الآلات والأدوات الحجرية أنها ومثيلاتها المكتشفة على طرفي نهر الفرات في حوض سد القادسية في أوائل الثمانينات والأخرى التي عثر عليها في غرب كربلاء بين منخفض الرزازة ومنطقة الأخيضر في أوائل السبعينات كثيرة الشبه بما اكتشف سابقاً من هذا النوع من اللقى الحجرية ومن نفس الفترة الزمنية في هضبة الجزيرة العربية الشمالية. إن الدراسة المقارنة لهذه اللقى الحجرية تؤكد المسار الذي اتخذه إنسان المنطقة العربية، وكان دائماً يتخذه في الأزمان اللاحقة الأكثر حداثة، باتجاهه نحو وديان الأنهار العظيمة في المنطقة. وهو يؤكّد في الوقت نفسه أن جزيرة العرب هي موطن معظم الموجات البشرية التي استقرت في بلاد الرافدين وبلاد الشام وفلسطين ووادي النيل ومنذ العصور الحجرية القديمة.

بقي أن نذكر أن أنواعاً من الأدوات الحجرية من الصناعة الموستيرية اللاحقة (80-40 ألف سنة قبل الميلاد) والتي تتشابه مع مثيلاتها في مقار جبال العراق الشمالية والشمالية الشرقية وكهوفها قد وُجِدت أيضاً في بعض مستوطنات ضفتي دجلة في حوض سد أسكي موصل شمال مدينة الموصل وأنها من الصناعات المحلية في تلك المقار والتي تطوّرت فيها على مرّ الزمن على يد سكان تلك المناطق الذين كانوا ينحدرون أحياناً حاملين معهم آلاتهم وأدواتهم الحجرية إلى ضفاف نهر دجلة طلباً للماء والقنص.

إن من أبرز منازل الاستيطان الأولى لطلائع فلاحي منطقة الموصل، بعد مضي ما يقرب من أربعة آلاف عام على خروجهم من الكهوف والتمرّس في مبادئ الزراعة وتدجين الحيوان، التي كشف عنها البحث الآثاري حتى الآن ملفعات على ضفة نهر الخازر الغربية إلى الشمال قليلاً من طريق – موصل- أربيل . وقرمز درة والمغزلية إلى الغرب من بلدة تلعفر. أعقب ذلك بنحو ألف سنة بداية ظهور قرى إقليم الموصل الزراعية الدائمية التي نشاهد بقاياها البنائية والفخارية وأدوات المنزل الخاصة بإعداد الطعام والتنانير والمواقد ومخازن الغلال وأقراص المغازل وثقالات جوم الحياكة وخرز وقلائد الزينة من العظم والحجارة والصدف والأحجار الثمينة وتماثيل صغيرة للأم الآلهة من الطين والحجر، ومواد أخرى عديدة تطلّبتها الحياة الجديدة المستقرّة في قرى الألف السادس ق. م. في أماكن عديدة منها أسفل طبقات تل قوينجق في مدينة نينوى التاريخية وأسفل تراكمات قلعة الموصل المطلّة على نهر دجلة في المنطقة المسمّاة بقليعات، والاربجية شرق مدينة الزهور بالموصل، وتبة كوره وتل جنجي وتل بلا قرب مدينة خرسباد التاريخية والطواجنة جنوبي مدينة الموصل بمسافة 18 كم على يمين الطريق الجديد موصل - كوير- كركوك، وحسونه في منطقة حمام العليل وإبراهيم عزو في منطقة السحاجي جنوب غرب مدينة الموصل ويارم تبه والثلاثات في منطقة تلعفر وكرى ره ش في منطقة سنجار وأم الدباغية إلى الغرب من مدينة الحضر التاريخية. وضويج وسلال ومصيفنة وشيخ حمصي في منطقة زمار من حوض سد أسكي موصل وجيكان ودير هال وكوشان وكرخوش في الطرف الشرقي من الحوض، والعديد غيرها سيكشف عنها البحث الأثاري في السنوات القادمة.

لقد مارس سكان قرى الموصل هذه حرفاً متعدّدة منها الزراعة والرعي وصناعة الفخار وتلوينه وحرقه وغزل الصوف وشعر الماعز وخيوط الكتان وحياكة الأقمشة. كما مارسوا التجارة بنوعيها الداخلية والخارجية فجلبوا حجر الزجاج البركاني من أماكن وجوده في وسط بلاد الأناضول، وقد سلكوا طريق شمال سوريا مروراً بمنطقة سنجار وتلعفر فقرى البادية الشمالية ومنطقة الحضر والقرى الكائنة على طرفي نهر دجلة في منطقة الموصل. وأتوا بصدف بحري خاص وعقيق لعمل قلائد لزينة النساء والأطفال من منطقة الخليج العربي، كما استوردوا الشذر من شرق إيران واللازورد من مناطق مناجمة في شمال أفغانستان.

إن اكتشاف التماثيل الصغيرة من الطين للنساء في كل هذه القرى دليل واضح على انتشار عقيدة تقديس الأم الآلهة عند سكان منطقة الموصل خلال هذه الفترة، كما هو الحال في بقية مناطق القطر والعالم القديم، لقد رمزوا إلى الخصب والعطاء والإكثار التي منحتها لهم الأرض بدمى صغيرة لنساء في حالة الحمل. فصارت المرأة لديهم رمزاً للخصب. والأرض المعطاة شبيهة بالمرأة الحامل وصارت كلتاهما الأرض والمرأة رمزاً للخصب والأرض شبيهة بالمرأة الحامل وأصبحت كلتاهما الأرض والمرأة رمزاً مقدساً للعطاء والحياة.

Write comment (0 Comments)

نسخة مجلة سومر ( هنا _1 )

نسخة مجلة سومر ( هنا_2 )

نسخة مجلة سومر ( هنا_3)

 

 

فيما يلي ملخّص لعمل البعثات العراقية والعربية والأجنبية في حوض سد حمرين، إثر تلقّينا من الجهات المعنية في وزارة الري نبأ البدء في تنفيذ مشروع سدّ حمرين الأروائي على نهر ديالى قرب موقع الصدور في شهر آذار من عام 1976. بدأنا في مؤسسة الآثار إجراء مسح آثاري شامل لمنطقة الحوض التي ستتحول إلى بحيرة بعد إنشاء هذا السد، وقد أنجزنا عملية المسح هذه في أوائل سنة 1977 وأعددنا خارطة للمنطقة التي ستتعرض للانغمار وضعنا عليها ما يقرب من سبعين موقعاً أثرياً سيتناولها الغمر جمعيها، وتتراوح أزمنة هذه المواقع بين أواخر الألف السادس قبل الميلاد (حيث ظهرت على بعضها بوادر من فترتي سامراء وحلف) وبين القرن الثاني عشر الميلادي (السادس الهجري)، وربما بعد ذلك بقليل. تنتشر معظم المواقع على طرفي نهر ديالى، وخاصة في الأراضي المنخفضة القريبة من شواطئ النهر وعند فرعية الرئيسيين نارين وكوردرة، وقد تبعد قليلاً عن مجاري هذه الأنهار شرقاً أو شمالاً حيث تتوفر جداول وعيون وربما مجارٍ كانت قديماً صالحة للاستخدام واندثرت بمرور الأجيال وبفعل الترسبات والعوامل الطبيعية الأخرى.

وسهل حمرين بشكل عام منخفض واسع من الأرض يمتدّ بمحاذاة السفوح الشرقية لسلسلة جبال حمرين وهو يتكوّن من التواء مقعّر واسع محصور بين التوائين محدبين، وقد ملأته عوامل التعرية بطبقة سميكة من الترسبات الرملية والطينية التي حملتها الأنهار والسيول من التلال والهضاب المجاورة. إن سلسلة جبال حمرين التي عرف السهل باسمها تعتبر أطول سلسلة جبلية في العراق، إذ تمتد من الحدود العراقية الإيرانية جنوب مدينة خانقين حتى نهر دجلة ولمسافة 250 كم وهي ضيقة يتراوح عرضها 5-12 كم ويبلغ أعلى ارتفاع لها 527 م بالقرب من نهر دجلة، وإن معدل ارتفاعها العام نحو 200 م ويقل هذا الارتفاع في أجزائها الشرقية. والقسم الذي يحدّ منها حوض سد حمرين من الغرب لا يتجاوز عرضه 7 كم وهو قليل الارتفاع، وتعتبر سلسلة جبال حمرين أول سلسلة جبلية تعقب نهر دجلة من الشرق، وهي تمتدّ كسائر السلاسل الجبلية من الجنوب الشرقي باتجاه الشمال الغربي ويقطعها نهر عظيم بالقرب من قرية أنجانة في المكان المعروف باسم بندر العظيم، كما يقطعها دجلة في فتحة مسمّاة بجبل مكحول ويظن بأن سلسلة جبال حمرين قد وردت في الكتابات المسمارية باسم إبخ (Ebech) والتي اعتبرها الآشوريون موطن كبير آلهتهم آشور، وحددوا امتدادها من عاصمتهم المقدسة آشور وحتى مدينة على نهر ديالى جاءت في النصوص باسم مي- ترنات والتي تعني مياه ديالى، وترنات هو اسم نهر ديالى في المصادر البابلية والآشورية. هذا وإن للآشوريين إلهاً باسم هذه السلسلة من الجبال.

ابتدأت المؤسسة العامة للآثار في النصف الثاني من شهر أيار 1977 حملة انقاذية واسعه في أرجاء الحوض، فأوفدت أولاً هيئات آثارية للتنقيب في تلال سليمة وآق تبه والزاوية والخباري وأمام إسماعيل الكبير والصغير وأبو سعود وإرشيدة وعبد عمه وكرجية وابن علوان وبردان والسيب وصباغ، ثم أعقبتها بفرق أخرى في أوائل عام 1978 للتنقيب في تلال عبادة ورشيدة وشور تبه ومحمود آغا، ثم ابو كباب وأبو شعاف وقاسم وكريش وخيط نملة، كما ساهمت جامعة بغداد- قسم الآثار ومنذ البداية في التنقيب في تل عياش. وابتدأت جامعة الموصل- مركز البحوث والدراسات الأثرية التنقيب في تل حلاوة الواسع والكائن عند الطرف الشمالي للحوض في النصف الثاني من شهر شباط 1978.

هذا ورغبةً من المؤسسة في مشاركة أكبر عدد ممكن من المؤسسات الآثارية في الخارج في حملة التنقيب الإنقاذية التي تخوضها في الحوض. فقد وزّعت نداءات من طريق منظمة اليونسكو تدعو فيها هذه المؤسسات للمساهمة إن رغبت وفق تسهيلات مادية تشمل سكن أعضاء البعثات المساهمة وتزويدهم بمواد ولوازم العمل والعمال والوقود والإدامة لآلياتهم ووسائط نقلهم في الحوض وذلك وفق توجيهات الدولة واهتمامها ودعمها المادي والمعنوي الكامل. وقد استجاب لهذه الدعوة كثير من المعاهد والمؤسسات الآثارية داخل القطر وخارجه منها قسم الآثار في جامعة بغداد ومركز البحوث والدراسات الأثرية في جامعة الموصل، حيث عملتا كما أسلفنا في تلي عياش وحلاوة على التوالي، كما بدأت بعثة جامعة تورينو والمركز العراقي الإيطالي للآثار في بغداد عملها، ومنذ أوائل الحملة في تلال اليلخي وأبو حصيني والسراح وحسن.

وفي خريف عام 1977 بدأت بعثة جامعة كوكوشيكان اليابانية عملها في منطقة منخفضة من الحوض قريبة من ملتقى ديالى بفرعيه نارين حيث تقوم مجموعة من التلال المتقاربة من عصور مختلفة منها الكبة (الوركاء، جمدة نصر، فجر السلالات والعصر الأخميني في الأعلى) وصنكر بمستوطناته الثلاث من عصري حلف والعبيد (وربما سامراء) والحميديات (العصر البارثي والساساني) وعملت بعثة إنكليزية في تل مظهور(من عصر العبيد) بالقرب من قرية كشكول وفي تل ربيضة (عصر الوركاء) عبر نهر نارين في الطرف الغربي من الحوض. وقد كانت بعثة أمريكية من جامعة نيويورك قد عملت في أوائل شتاء 1978 ولمدة شهرين في خيط كنج (بداية الألف الثاني ق. م. من العصر البابلي القديم) وعملت للموسم الثاني على التوالي بعثة فرنسية في خيوط قاسم (مقبرة من عصر فجر السلالات وربما جمدة نصر)، كما عملت بعثة بلجيكية وأخرى نمساوية في موقعي صبرة (فجر السلالات، والبابلي القديم والأخميني) والعبابرة (البابلي القديم) على التوالي. وأنجزت بعثة جامعة ميونيخ الألمانية موسماً في أواخر عام 1978 في تل الأبكع الواسع (أخميني، وبابلي قديم وأكدي) في الطرف الشرقي من الحوض قرب قرية جميلة، كما أنجزت في نفس الوقت بعثة ألمانية أخرى من متحف ما قبل التاريخ في برلين الغربية موسم عمل في مجموعة تلال أحمد الحتو (وركاء، جمدة نصر، فجر السلالات والبابلي القديم) الكائنة قرب النهاية الشمالية من الحوض، وقد أجرت أسباراً واسعة في هذه المجموعة من التلال للتعرّف بشكل سريع على ما تبطنه في جميع أقسامها المتباعدة، وقام في نفس الوقت عدد من الجيولوجين الألمان التابعين للبعثة الأخيرة بإجراء دراسات حقلية وبيئية في نفس المنطقة، كما عملت بعثة ألمانية أخرى من معهد الآثار الألماني في بغداد في تل الزبيدية (البابلي القديم والكاشي) الكائن في منطقة متوسطة بين بردان والكبة بعد أن كانت قد أجرت في خريف 1978 أسباراً سريعة في تل أمليحية (كاشي)، وعملت بعثة من المعهد الشرقي لجامعة شيكاغو في مجموعة تلال أوج تبه عند الطرف الشمالي للحوض وفي منطقة منخفضة تغمرها المياه طيلة أيام الشتاء. وقد ركزت البعثة عملها في تلين رئيسين (عتيقة ورزوق) أولهما من الفترة الأكدية والآخر من عصر فجر السلالات، وقد وجدت البعثة فيهما مبانٍ مهمة من هاتين الفترتين وتجري البعثة أسباراً في تل ثالث يقع إلى الشرق قليلاً من تل رزوق يدعى تل أحمد المغير.

هذا عرض موجز وسريع لما قام به الزملاء من عراقيين وأجانب في الحوض. أعطانا هذا العمل صورة واضحة لما في هذه المنطقة من قطرنا من بقايا أثرية فقد وقفنا على التدرّج الحضاري في الحوض الذي سكن ومنذ الألف السادس قبل الميلاد ومن دون انقطاع (هناك موقع من عصر سامراء عبر نارين، تل ريحان) في فترات سامراء وحلف (صنكر وحسن)، وإن كانت سكنى سامراء وحلف غير كثيفة وواضحة بشكل بارز هنا بسبب عدم العثور حتى الآن على مبانٍ أكيدة ولُقى منوعة من هاتين الفترتين في التلال التي ظهرت بوادرها فيها، إلا أن عصر العبيد كان أكثر بروزاً ووضوحاً في الحوض، إذ إن تلّي عبادة ورشيدة في الطرف الشرقي من الحوض، قد اعطيانا بقايا بنائية وأثرية كاملة وبارزة  من هذا العصر، وكذلك تلال عياش وصنكر وأبو حصيني وبدرجة أقل مظهور. لقد استمرت السكنى من دون انقطاع في الحوض في فترات الوركاء (أحمد الحتو، الكبة) وجمدة نصر (خيط قاسم، أبو قاسم، مظهور، الكبة) وفجر السلالات (الكبة، مظهور، زروق، خيط قاسم، أبو قاسم) والأكدي (مظهور، عتيقة، سليمة، حلاوة، الزاوية، الأبكع)، ثم عاش الحوض بغالبية مستوطناته فترة العصر البابلي القديم بكل وضوح وجلاء، فترى بقايا بنائية وآثرية لهذا العصر منتشرة في جميع مناطق الحوض وبكل وضوح (تلال سليمة، الزاوية، السيب، اليلخي، خيط كنج، امليحية، العبابرة، صبرة، حلاوة وعشرات غيرها). وقد استمرت السكنى في الحوض في الفترات الكاشية والآشورية (بشكل قليل جداً). ثم تبرز بعدئذٍ بوادر الاحتلال الأخميني والبارثي والساساني في غالبية تلال الحوض (آق تبه، الخبارى، سعود، شعير، أمام اسماعيل، بردان، إرشيدة، صباغ، أبو شعاف، الكبة، الحميديات، أبو كباب وغيرها)، حتى مجيء الفتح العربي الإسلامي للقطر وتحريره لهذه المنطقة أيضاً، لقد أصبح الحوض في العصر العربي الإسلامي منطقة حيوية مهمة؛ ففيها كان يمرّ طريق خراسان التجاري الشهير.

Write comment (0 Comments)

 نسخة مجلة سومر الاصلية ( هنا )

من يصل مدينة أربيل قادماً إليها من طريق كركوك يشاهد على يمينه (جوار الملعب الرياضي للإدارة المحلية) تلاً واسعاً يعلو عن مستوى الشارع المحاذي له بما يزيد على سبعة أمتار يدعي محلياً كرد (تل) قالينج آغا، ويتوسط هذا التل أرضاً خالية تقوم بلدية أربيل بإنشاء فندق سياحي فخم في طرفها الشمالي، ويشغل هذا التل الأثري مساحة كبيرة من الأرض تزيد على ثلاثين ألف متر مربع، وإن ازدياد رقعة المنطقة السكنية في أربيل في السنوات الأخيرة والتوسع العمراني الذي يشمل مساحات كبيرة وبعيدة عن مركز قلعتها المشهورة أدى إلى وقوع تل قالينج آغا وسط الأحياء الجديدة من المدينة مما حدا بمالكي الأرض التي يقوم وسطها هذا التل إلى مطالبة المديرية العامة للآثار السماح لهم باستغلال أرضهم للأغراض العمرانية بعد تقسيمها إلى وحدات سكنية وبيعها إلى الناس، وبحكم مواد قانون الآثار القديمة النافذ وحمايةً لتراث البلد التاريخي امتنعت مديرية الآثار عن الموافقة على تغيير مزيّة الموقع الأثري بالبناء عليه أو بإزالة قسم مما يبطن من بقايا عمرانية ولقى أثرية قبل إجراء الدراسات اللازمة لمعرفة أزمنة ونوعية تلك الآثار، ولكنّ حرص مديرية الآثار العامة على مصلحة ذوي العلاقة من المواطنين واحتراماً منها لحقّ الملكية الخاصة فقد أجازت لهم التصرّف بكل ما يحيط بالمستوطن الأثري من أراضي خالية من البقايا التاريخية ريثما يتم لها إنجاز دراساتها وتحرياتها بالكشف عن أكبر جزء من الموقع، وهذا عمل علمي بطيء يتطلب الدقة والحرص الشديدين، وقد يستغرق عدة مواسم من التنقيب الأثري المنتظم، وللبدء بتلك الدراسات فقد أُوفد المؤلف في أواخر سنة 1965 للكشف على الموقع والتعرّف ولو بصورة أولية على طبيعته الأثرية وأدواره التاريخية. وبعد فحص التل وسفوحه ودراسة الكسرات الفخارية الكثيرة المنتشرة عليه مع غيرها من الملتقطات السطحية تمكنا من التوصّل إلى أن فالينج آغا سكن في أزمان متعاقبة خلال الألفين الخامس والرابع قبل الميلاد في الفترات المعروفة بأدوار حلف والعبيد والوركاء( *) من عصور ما قبل التاريخ وربما هجر المكان نهائياً في أوائل الألف الثالث قبل الميلاد حيث لم نجد أية آثار باقية لأدوار سكنى تعقب هذا الزمن الأخير بين الفخاريات والملتقطات السطحية الظاهرة، كما تراءى لنا في حينه بأن التراكمات الأثرية لدور الوركاء قد تكون سميكة في هذا الموقع بالنظر لكثافة البقايا واللقى السطحية المميزة لهذا الدور وانتشارها الواسع وخاصة على قمته وأطرافه الغربية

 

(*)-سمّي كل دور من هذه الأدوار بالاسم الحديث للموقع الذي كُشف فيه عن آثاره وفخارياته لأول مرة. فدور الوركاء الذي تحدد زمانه بين 3500-3100 قبل الميلاد تقريباً اكتشفت بقاياه المميزة للمرة الأولى في الطبقات السفلى من مدينة الوركاء السومرية الشهيرة قرب مركز محافظة السماوة. ودور العبيد الذي يبدأ زمانه في حدود 4300 سنة قبل الميلاد وربما قبل ذلك بقليل وينتهي في بداية عصر الوركاء في حدود 3600 ق. م. عرفت آثاره المميزة أولاً في تل العبيد القريب من أور في محافظة الناصرية، وأما دور حلف (في حدود 4900-4300 ق. م. تقريباً) فقد عثر على بقاياه المميزة لأول مرة في تل حلف (موقع مدينة كوزانا القديمة) في أعالي الخابور شمال سوريا. لقد وضعت البحوث والدراسات المختصة الكثيرة عن هذه الأدوار الحضارية ومميزاتها وأزمانها، ولعل خير مرجع يلخّص ويبحث في هذه الأدوار باللغة العربية هو مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة (الجزء الأول) للأستاذ المرحوم طه باقر، ونود أن نذكر باختصار أن الدراسات الحديثة قد أثبتت بأن بلاد الرافدين بشمالها وجنوبها كانت مهداً لمولد وتطوّر معظم العناصر الحضارية المكونة لهذه الأدوار وغيرها من الأدوار التي سبقتها أو أعقبتها في فترتي العصر الحجري الحديث والحجري المعدني، ومنها انتشرت إلى البقاع المجاورة في الشرق الأوسط، كما أن الأهمية الخاصة التي يتميّز بها دور الوركاء دون سواه من الأدوار الحضارية في هذه الحقبة من تاريخ العراق القديم أنه فيه قد وضعت الأسس والمقومات الأولى للحضارة السومرية العظيمة التي ازدهرت وأينعت بعد ذلك في وسط وجنوب العراق في بداية الألف الثالث قبل الميلاد ففي هذا الدور (الوركاء) اتسعت الزراعة كثيراً وتوسعت القرى حتى أصبحت مدناً عامرة بسكانها وبمناطقها السكنية وأبنيتها الدينية الفخمة التي أخذ بعضها يرفع على مصاطب مدرجة من اللبن الصلد هي بداية الزقورات الشاهقة التي اشتهرت بها حضارات العراق الأولى قبل غيرها بآلاف السنين وفي  هذا الدور نضج واكتمل فن النحت فأنتجت نماذج رائعة من أوائل قطع النحت في العالم، كما بدأ الفنان بالحفر على الأختام الأسطوانية بأشكال عديدة وعلى أنواع من الأحجار الثمينة التي جلبت خاماتها من مناطق مناجمها من أماكن بعيدة كأفغانستان وإيران وسواحل الخليج العربي، وتطور الدولاب الفخاري وبلغ مرحلته النهائية. ومن منجزات هذا الدور التوصل إلى استنباط طريقة للكتابة الصورية التي وضعت حداً فاصلاً للفترة المعروفة بعصور ما قبل التاريخ في العراق حيث بدأ التدوين، فدخلت البلاد مرحلة العصور التاريخية نحو سنة 3000 ق. م.

 

 

ولزيادة التأكّد من كل هذا فقد قمنا في أوائل شباط من عام 1966 بتنقيبات استكشافية دامت ثمانية أيام بمساعدة عدد من العمال المحليين أعارتنا إياهم مشكورة محافظة أربيل ورئاسة بلديتها وكان من نتائج هذه التحريات القصيرة الأمد الكشف عن ست طبقات متعاقبة من دور الوركاء، في مقطع بمقياس 6×2.5 م وعمق2.22 م على قمة المستوطن وعلى خمس طبقات أثرية مماثلة في النهاية الغربية من الموقع، جوار الشارع العام الذاهب إلى كركوك في حفرة أخرى (بطول1.80 م وعرض 1.24 م وعمق2.15 م) تستقر طبقتها الخامسة (أي السفلى) على الأرض البكر مباشرة والتي تنخفض عن مستوى الطريق المجاور بمترين(**). وهذه دلالة قاطعة على أن سهل أربيل قد ارتفع بفعل عوامل طبيعية مختلفة بما يزيد على المترين عما كان عليه في حدود 5000 سنة قبل الميلاد حين ابتدأت السكنى في قالينج آغا وربما في قلعة أربيل نفسها (إن لم تكن السكنى قد بدأت فيها أقدم من ذلك في بداية دور تأسيس القرى وبدء الزراعة في حدود 7000 ق. م.)، وإن معظم ما أعطتنا حفرتا الجس في سنة 1966 من لقى أثرية كان الفخار المميز لدور الوركاء بأنواعه الثلاثة المعروفة وهي الأحمر والرمادي والنوع الاعتيادي البسيط وهو الغالب

وللاستزادة من معلومات أخرى من ماضي فالينج آغا والتعرّف على أحوال وحياة من تعاقب عليه من الناس، رأينا ضرورة الكشف عن مساحة أكبر من تراكماته الأثرية فكانت التقنبيات الاستكشافية التي دامت هذه المرة طيلة شهر آذار من عام 1967(**).

 نشرنا دراسة تفصيلية لهذه التنقيبات الاستشكافية الأولى في قالينج في القسم الأجنبي من مجلة سومر، المجلد 22 لسنة 1966 ص 77-78 - (*)

( **)- نشرنا نتائج الموسم الثاني من التنقيبات التجربية بالاشتراك مع الزميل شاه محمد علي الصيواني الذي شاركنا في عمليات الحفر  في ذلك الموسم. القسم الأجنبي من مجلة سومر المجلد23 لسنة 1967 ص 69-75.

 

فقد كان من حصيلة هذه العمليات الاستكشافية الثانية التغلغل في الحفرة الدراسية في قمة المستوطن إلى الطبقة الثانية عشرة على عمق خمسة أمتار ثم اقتطاع خندق كبير بطول 92 متراً وعرض ستة أمتار يربط بين قمة الموقع، حيث حفرة الجس العميقة ونهايته الغربية، وكشف فيه عن العديد من الطبقات البنائية العائدة إلى دور الوركاء نفسه، وبالإضافة إلى كميات وفيرة من فخار عصر الوركاء المعهود فقد جاءتنا أعداد كبيرة من الحلي والخرز كانت تزين أعناق وصدور وربما ملابس الموتى(*) عند دفنهم في أسفل أرضيات بيوت ذويهم في قبور خاصة. وكانوا يدفنون الأطفال في جرار كروية الشكل ذات فواهات واسعة يوضع فيها الطفل المتوفي بهيئة تشبه إلى حد كبير وضعية الجنين في الرحم. ومن أبرز الآثار التي جاءتنا من تلك القبور هي قلادة ذهبية وجدت في قبر امرأة تتألف من عدد كبير من خرز مختلفة الحجوم والأشكال (تشاهد صورتها في أول المجلد الثاني والعشرين من سومر) تضم بالإضافة إلى ما يزيد على خمسين قطع ذهبية قطعَ خرز أخرى من أحجار ثمينة كاللازور (Lapis Lazuli) والعقيق (Garnelian)، ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أن اكتشاف حليّ ذهبية في موقع فالينج يعتبر سابقة آثارية. فهذه واحدة من أقدم الحليّ الذهبية المكتشفة لحد الآن(**)، كما أنها من الأدلة الأولى على استفادة الإنسان من ذلك المعدن الثمين لأغراض الزينة بعد طرقه وصياغته، ومع أن الذهب يعتبر من المعادن الأولى التي اجتذبت أنظار الإنسان في عصور ما قبل التاريخ إلا أن استغلاله لأغراضه الخاصة لم تتم إلا بعد فترة طويلة حين توصّل إلى معرفة المبادئ الأولى للتعدين (بالطرق) ومارسها بصورة عملية في مواد أخرى أولها النحاس (ربما كان ذلك في أواسط الألف السادس قبل الميلاد). ولما كان الذهب موجوداً ولو بصورة ضئيلة جداً في جميع الصخور والتكوينات الحصوية والغرينية، كما هو موجود في خامات بعض المعادن كالنحاس والرصاص، فربما حصل عليه سكان المواقع القديمة في شمالي العراق (تبة كوره وقالنيج آغا وربما عشرات غيرها من المواقع القديمة) محلياً من غسل المواد الصخرية والغرينية، أما الحجارة الأخرى كاللازورد والعقيق والشذر فإنهم حصلوا عليها من مناطق مناجمها في أفغانستان وإيران وسواحل الخليج العربي من طريق التجارة.

 

(*) - إن أعداداً كبيرة من الخرز تتكون من الصدف أو العظم أو أحجار ثمينة كاللازورد والعقيق وجدت حول صدر الهيكل العظمي أو قرب الركبتين والقدمين تدل على أنها كانت مطرزة على الثياب لتزيينها تماماً كما تفعل النساء الآن في بعض ثيابهن الخاصة بالمناسبات، ونودّ أن نشير بهذا الصدد إلى أننا عثرنا على بعض تماثيل طينية صغيرة في تل الصوان (من أوائل الألف السادس. ق. م) كانت تزيّن ركبها وأقدامها وكذلك يلف حول وسطها حبيبات من الطين أيضاً محاكاةً لقلائد الخرز التي كانت تطرّز في الثياب.

(**) عثر في عدد من القبور العائد إلى عصر الوركاء في موقع تبة كوره قرب الموصل على عدد من الخرز والحليّ الذهبية في الثلاثينات من القرن العشرين من قِبل البعثة الأمريكية التابعة لجامعة بنسلفانيا

 

وبعد هذين الموسمين القصيرين من التنقيبات الاستكشافية التي أوضحت لنا جوانب كثيرة من ماضي تل قالينج آغا (ولو بصورة محدودة) والمستوى الحضاري الذي بلغه سكانه من العراقيين القدامى قبل أكثر من خمسة آلاف سنة بدأنا نخطط لحفريات شاملة تكشف لنا عن رقعة واسعة من التل الأثري وخاصة في طرفه الغربي حيث بقايا عصر الوركاء الغني بقبوره ومنجزاته العمرانية وكان هدفنا من ذلك:

  1. استكمال البحث في المقبرة الغنية بآثارها الثمينة والتي ظهرت بوادرها في موسم التقنيب لعام 1967، وذلك خشية العبث بمحتوياتها من طريق نقل الاتربة أو التجاوز بالحفر غير المشروع.
  2. الكشف عن مساحة واسعة من كل طبقة من طبقات السكنى لنتمكن من التعرف بصورة واضحة على تخطيط متسوطناتهم، بما فيها من دور سكنية وأبنية دينية ومرافق عامة ودروب وما شابه في هذه الفترة المهمة (دور الوركاء) من تاريخ العراق القديم (لا بل الشرق الأدنى القديم كله) حيث أخذت القرى بالاتساع لتصبح مدناً عامرة مكتظة بسكانها بفضل الرخاء الاقتصادي واتساع الزراعة والتخصص في الحِرف بمختلف أنواعها.
  3. التحقق من احتمال الكشف في الطبقات العليا من هذا الموقع عن نماذج من الكتابة الصورية الأولى التي تضاهي في القدم ما كشف منها في وسط وجنوب العراق (في الربع الأخير من الألف الرابع قبل الميلاد) في مدن أثرية شهيرة كالوركاء وفارة والعقير وجمدة نصر(*). إن الكشف عن بعض فخاريات ولقى أثرية من الفترة الزمنية التي تعرف بعصر نينوي الطبقة الخامسة (**) في الطبقات المتأخرة (العليا) من تل قالينج آغا قد حدا بنا إلى التفكير باحتمال الوقوف هنا على ألواح من تلك الكتابات الأولى، وإن كان الحظ لم يسعفنا في هذا الموسم بالعثور على دليل بهذا الشأن فلعلنا سنصل إليه في مكان آخر من قالينج أغا قد يتناوله معول التنقيب في المواسم القادمة أو ربما سيكشف عنه في موقع آخر من مواقع العراق الشمالية(***).

(*) - لعل ذلك يلقي بعض الضوء على المشكلة القائمة عن أصل السومرين وحضارتهم ولغتهم،  ولو أن المؤلف يؤمن بأن أصل ومقومات الحضارة السومرية وعناصرها المختلفة في العمارة والفخار والنحت والفنون الأخرى قد ولدت وتطوّرت في بلاد الرافدين كما يؤمن أيضاً بأن لا صحة لما يدّعيه بعض المستغلين في هذه الدراسات من علماء آثار غربيين من أن السومرين وحضارتهم ولغتهم غرباء عن هذه البلاد، ويجعلون منبتها أحياناً مراكز في أواسط آسيا وأحياناً يرجعون أصول بعض عناصرها الفنية والتقنية إلى تركيا أو إيران.

(**) تعقب هذه الفترة مباشرة دور الوركاء في شمال العراق ويعاصرها في الجنوب دور جمد نصر (وربما بداية دور فجر السلالات السومرية) وهي الفترة الزمنية التي ظهرت فيها الكتابة لأول مرة في وسط وجنوب العراق (حوالي 3200 ق. م) وقد سميت هكذا (أي عصر نينوى الطبقة الخامسة) نسبة إلى العثور لأول مرة على فخارياتها المميزة بأنواعها الملونة والمبرقشة بحزوز غائرة والأخرى البسيطة الخالية من النقوش لأول مرة في الطبقة الخامسة من حفرة الجس العميقة في تل قوينجق في نينوى من قبل البروفسور سنة 1931-1922.

(***) قد نكون متفائلين بعض الشيء في هذا الصدد وقد يكون سكان مواقع شمال بلاد الرافدين لم يتوصّلوا إلى الكتابة الصورية الأولى وقد يكون الجنوب لأسباب حضارية معينة والحاجة الملحة للتدوين لتصريف شؤون المعابد وما شابه استنبط طريقة مبسطة للكتابة بعد محاولات وتجارب عدة، على كل حال سيكون الجواب القاطع بهذا الشأن في معول المنقب.

 

تنقيبات الموسم الثالث في قالينج آغا (أربيل 1968)

ولو أن الهدف الأخير لم يتحقق إلا أن موسم التنقيب الثالث والذي دام نحو ثلاثة أشهر من صيف 1968(3)، كان مثمراً للغاية، إذ بالإضافة إلى ما أظهرته لنا الطبقات الثلاث التي تم التنقيب فيها من بقايا معمارية دينية وسكنية مهمة فقد كشف بين طياتها وتحت أسفل أرضيات منازلها عن عدد من قبور الأطفال يربو على الخمسين قبراً يضم معظمها قلائد من خرز من الصدف والعظم والأحجار الثمينة مع بعض الحلي الذهبية القليلة، منها مكحلة صغيرة مدببة من الزجاج البركاني الأبيض الشفاف يلتف حول وسطها حزام من الذهب دلالة على مكانة صاحبتها المرموقة، كما عثر في هذه الطبقات الثلاثة على العديد من التماثيل الصغيرة من الطين بهيئة نساء في الأغلب بوضعية الجلوس تظهر عليهن علامات الحمل رمز الحياة والخصب والإكثار التي ترمز للأم الإلهة. بعض هذه الدمى الطينية كانت تبدو عليها مسحة من الرمزية والتحوير عن الطبيعة، حيث قد شُكّلت أجسام بعضها بهيئة أشكال أسطوانية أو مخروطية لا أثر للأيدي أو الأرجل عليها، ويرمز للرأس عادة بتدبب تخرج من أحد جانبيه ندبة أو أكثر تعطي للوجه بعض تفاصيله. كما كشف عن عشرات من الصور الحيوانية المجسمة من الطين أيضاً، بينها الحصان والكلب والكبش والعجل وحتى النمر. وللدلالة على اهتمام سكان قالينج اغا بحياكة الملابس من الصوف أو شعر الماعز المغزول فقد خلّفوا لنا وراءهم المئات من أقراص المغازل من الطين بأشكال مخروطية أو قرصية وثقالات من الطين أو الحجر أو الحصى لجومة الحياكة اليدوية البسيطة، وكانت بعض ملابس النساء والأطفال تطرز بخيوط عديدة من الخرز الصدف أو الأحجار الثمينة. والتطريز عادة كان بتثبيت هذه المواد على حافات الثوب أو في وسطه أو حافات أكمامه (انظر أيضاً الهامش رقم 17) ومن اللقى الأثرية التي لها تفسير عقائدي رؤوس من الطين لعجول بقرنين صغيرين وجد بعضها مثبتاً في أرضيات غرف بعض الأبنية الدينية. كما كُشف عن عدد من الأجسام الطينية وهي ذات شكل دائري تقريباً تنتهي من الأعلى بقرنين. وقد يدلّ هذا على تقديس سكان تل قاليج آغا في زمن الوركاء للعجول أو الثيران بصورة خاصة، بحيث كانت رؤوسها أو أشكال تلك الرؤوس المحورة عن الطبيعة أحياناً تنصبّ في غرف خاصة في منازلهم أو دور عبادتهم (ونودّ أن نذكر بهذا الشأن أن سكان موقع جتل هيوك في غربي تركيا، وخاصة سكان الطبقتين السادسة والسابعة، قد اتخذوا لرؤوس ثيرانهم المقدسة بقرونها الطويلة المقوسة أحياناً معابد خاصة أسّسوها لهذا الغرض في أواخر الألف السابع قبل الميلاد وصبغوا جدرانها ونقشوها أحيانا ًبصور آدمية وحيوانية). إن تقديس الثيران وإظهار رؤوسها بقرونها البارزة كان من أهم الطرز التي تزين جدران الأواني الفخارية لعصر حلف (أوائل الألف الخامس قبل الميلاد) ويمكن للباحث أن يتتبع تطور هذا الطراز على بعض تلك الفخاريات من شكله الحقيقي الذي يحاكي الطبيعة حتى أصبح رمزياً محضاً بعد مروره بعدة مراحل بين هذا وذاك(**)

 

(*)- كانت الهيئة المسؤولة عن تنقيبات الموسم الثالث في قالينج آغا تتألف من كاتب المقال رئيساً والسادة شاه محمد علي الصيواني مساعداً لرئيس الهيئة وإسماعيل حجارة مسؤولاً عن ترسيم وتسجيل الآثار وتحسين عبد الوهاب وإحسان حسين للمشاركة في الأعمال الحقلية وخضر عبد الله لمراقبة العمل والعمال ومحمد الأحمد الحميضة للمساعدة في أعمال الهندسة ورسم الأبنية المكتشفة.

(**)- يمكن مشاهدة هذا التطوّر على بعض فخاريات عصر حلف في إحدى خزانات المتحف العراقي في بغداد (قاعة عصور ما قبل التاريخ).

.

وبالإضافة إلى رؤوس العجول الطينية تلك فقد أعطتنا تنقيبات صيف عام 1968 في هذا الموقع بعض الأشكال الفخارية الغريبة التي ترمز لأجسام بشرية محورة عن الطبيعة في أعلاها عادة تجويفان كبيران يرمزان إلى موضع العيون، كما أن أسافلها بهيئة قرصية صلدة أو مجوفة ولا أثر للأرجل أو الأيدي على هذه الأشكال. وتعرف هذه الأجسام عند الباحثين من الآثاريين عادة بآلهة العيون Eye-Goddesses or Eye-Symbols or Eye –ldol، وكان تقديس هذا النوع من الآلهة من الطين (وأحياناً أخرى من الحجارة أو الحصى) منتشراً في بقاع عديدة في شمال وجنوب العراق وشمال سوريا أيضاً، فقد وجدت نماذج عدة من آلهة العيون هذه في موقع تبة كوره قرب الموصل وكري ريش قرب سنجار وفي مدينة الوركاء نفسها وأور ولكش، كما وجد منها بالآلاف في تل براك على الخابور(شمال سوريا) وأظهرت حفريات ماري (تل الحريري) العديد منها ( * )، وفي براك كان قد أُفرد لهذا المعبود مزار خاص(Eye-Temple) ، وقد أُقيمت دكة عالية في أبرز مكان منه، ورفع عليها شكل كبير من الحجر لإله العيون هذا، كما زُيّن الجدار وراءه بإفريز محلّى بالذهب ومطعم بالأحجار الملونة.

 

(*) انظر بهذا الصدد:

O.G.S Crawford " the Eye Goddess' London 1957

حيث يدرس المؤلف في كتابه هذا آلهة العيون؛ نشأتها في الشرق الأوسط القديم وانتشرها غرباً بشكل أو بآخر إلى اليونان وجنوب إيطاليا وجزيرة صقلية وإسبانيا وغرب فرنسا وإنجلترا وإيرلندا وشمال أفريقيا وجزر الكناري.

 


Write comment (0 Comments)

مقدّمة

بقلم د. بهنام ابو الصوف ( مستلة من مؤلفه  الموسوم التاريخ من باطن الارض ).


في ما يلي مجموعة من البحوث والدراسات الآثارية، هي نتائج تنقيات وأعمال ميدانية قام بها المؤلف بنفسه، أو أشرف ميدانياً وعلمياً على بعضها (تنقيبات إنقاذية شاملة في حوضي سدي حمرين في منطقة ديالى شرقي بغداد، وأسكي موصل في محافظتي نينوي ودهوك) بين الأعوام 1956 وحتى مطلع ربيع 1986 عند تقاعده من العمل الوظيفي. والبدء بموضوع مواطن الآثار في حوض سد دوكان والتنقيب في موقع باسموسيان (الرقم1) كان بسبب إنجازه عند بداية التحاق المؤلف بالعمل في مؤسسة الآثار في أواخر تموز 1955 بعد تخرجه مباشرة في قسم الآثار والحضارة في كلية الآداب. فقد ذهب صحبة المرحوم الآثاري محمد علي مصطفى إلى منطقة الحوض في سهل بتوين في شهر أيلول من نفس العام. حيث قاما بمسح آثاري شامل للمواقع التي ستغمرها مياه الحوض بعد الانتهاء من تشييد السد، وقد أنجزا هذا المسح إما مشياً على الأقدام أو على ظهور الخيل عند توفرها. وعلى طرفي نهر الزاب الأسفل، وخلال أسبوعين تم إحصاء ما لا يقل عن أربعين موقعاً أثرياً معرضاً للغمر، يشار إلى وصف مختصر لغالبيتها في ثنايا هذا البحث وقد أوصينا، في التقرير الذي أعددناه بنتائج المسح هذا التنقيب في عدد كبير من التلال في منطقة الغمر كان من بينها تل ياسموسيان، الذي كان العمل فيه من حصة المؤلف مع عدد من الزملاء من منتسبي مؤسسة الآثار في صيف عام 1956، وتعرض نتائجه أيضاً ضمن هذا البحث. كانت عمليات التنقيب في باسموسيان تجربة المؤلف الأولى في أعمال التنقيب إثر تخرّجه من الكلية، إلا أنها كانت تجربة غنية بحلوها ومرّها فقد استطاع المؤلف على الرغم من صغر سنّه تحقيق نتائج جيدة وذلك بفضل تعاون زملائه أعضاء فريق العمل، ومنهم بالذات الكوادر العمالية (الأسطوات) وخصوصاً المرحومين عيسى الطعمة ومحمد الأحمد الحميضة، وبقية الأسطوات الشرقاطيين الذين منحوه وبسخاء خبرتهم وتجربتهم الطويلة في أعمال الحفر والتنقيب عن الآثار وذلك للهفته على التعلّم منهم والجلوس معهم في خنادق التنقيب طويلاً والاستماع بجد إلى شروحاتهم وملاحظاتهم وكان لهذا كله جوانب ايجابية مجزية بقت تلازمه وترافق تنقيباته في كل موقع أو منطقة عمل فيها حتى نهايات عمله الميداني في الآثار في أواخر الثمانينات من القرن المنصرم. أقمنا مخيم هيئة التنقيب قرب شاطئ الزاب الصغير الغربية حيث يقوم موقع باسميان على مسافة نصف كيلومتر باتجاه مغيب الشمس والذي تغطّي سفوحه الشرقية قرية باسموسيان الكردية ورئيسها الشيخ كاكه حمه والذي كان لتعاونه معنا الأثر الكبير في نجاح مهمتنا العلمية خلال موسم التنقيب. وعلى الرغم من أشهر الصيف الحارة إلا أن مناخ المنطقة كان معتدلاً، عدا ما كان يعكّر هذا الاعتدال من الرياح الشرقية اللاهبة والتي يطلقون عليها محلياً اسم الرشبه (أي الهواء الأسود). وكانت هذه الرياح تحيل حتى ليالي الصيف الباردة نسبياً إلى فرن لاهب، فكنا نقدم على التخفيف من ملابسنا والغطس في مياه نهر الزاب لتفادي سموم الرشبة. وإحدى موجات هذه الرشبة أثارت حريقاً، في أواخر شهر تموز، صار يتقدم نحو المخيم ليحيق به من جهاته الثلاث فصرنا كلنا ومعنا العمال الشرقاطيين وسكان القرية نكافح لإطفاء النار محاولين إبعادها عن المخيم وذلك بالضرب على حافات اللهب بأوراق التبغ الخضراء التي نزعناها من مزارع التبغ القريبة. ومن مجموعة بحوث تقنيبات تل الصوان، قرب سامراء في وسط العراق، كانت أقدم نتائج تنقيبات الموسم الرابع (الرقم2). لقد كان الهدف من وراء اختيار هذا الموقع لعمليات تنقيب شاملة في حينه سبب كما هو موضح في مقدمة البحث عن نتائج أعمال هذا الموسم: أولهما الكشف في هذه المنطقة من وسط العراق عن ما قد يشير إلى احتمال العثور على بقعة التلاقي الحضاري بين الشمال والجنوب في أواخر العصر الحجري الحديث (الألف السادس ق.م)، وثانيهما التعرّف على المزيد من بقايا عصر سامراء لما قبل التاريخ، إضافة لفخارياته المعروفة سابقاً في مواقع الشمال وفي عدد من القبور وجدها هرتزفيلد في مطلع القرن العشرين في مكان ما أسفل بقايا قصر الخليفة في سامراء عند الحافة الشرقية لنهر دجلة. وقد جاءت نتائج تنقيبات الموسم الأول وما أعقبها من أعمال (نتائج تنقيبات الموسم الخامس في أدناه- الرقم 3) مصداقاً لكل التوقعات إضافة للكشف عن بقايا عمارية وأدلة دفاعية ولقى وتماثيل من الحجر الشمعي التي يكشف عنها لأول مرة في هذه البقعة من بلاد الرافدين أو الشرق الأدنى القديم.
إن مجموعة مواسم التحري والتنقيب في تل قالينح آغا الكائن وسط المنطقة السكنية في مدينة أربيل، جنوب قلعتها وعلى يسار الطريق العام الذاهب إلى كركوك، كان بسبب عائديته مع ما يحيط به من أراضي لأحدى عوائل أربيل والتي أعلنت عن رغبتها في تقسيم هذه الأراضي بما فيها الموقع الأثري وبيعها للمواطنين للبناء، مما دفع مؤسسة الآثار إلى استملاكها بأكملها، بعد أن تأكد لأجهزتها العلمية، نتيجة لموسمين من أعمال السبر والتحري قصيرين (كان الأول لمدة ثمانية أيام من 29 كانون ثاني – شباط 1967، والثاني للمدة من 4-31 آذار 1967) أعقب ذلك كله تنقيبات شاملة في صيف 1968 (17 حزيران-5 أيلول) نشرت نتائجها كاملة بالعربية والإنكليزية في سومر المجلد15 سنة 1969 (الرقم4) وقد أظهرت كل هذ الأسبار والتنقيبات الشاملة أدلة تؤكد أن تل قالبنج آغا قد سُكن لأزمان متعاقبة خلال الألفين الخامس والرابع قبل الميلاد في أدوار حلف والعبيد والوركاء، وربما كان السكن قد انقطع فيه في مطلع الألف الثالث قبل الميلاد. إضافة إلى العدد الكبير من اللقى الأثرية المكتشفة خلال أعمال التنقيبات الشاملة في صيف عام 1968 بما فيها الفخاريات والدمى الطين والحرز والخرز والقلادة الكاملة من الذهب وروؤس العجول ذات القرون من الطين وأشكال آلهة العيون الكبيرة العدد من الطين (Eye-ldols) وغيرها، كما أن الطبقة الثالثة في الموقع والتي يعود تاريخها إلى عصر الوركاء كانت غنية أيضاً بالبقايا العمارية. وقد كشف فيها عن حيين سكنيين يفصل بينهما شارع ينحدر نحو الغرب وينتهي عند سفح التل قرب مسار الشارع المحاذي الذاهب إلى كركوك. يتوسّط كل من هذين الحيين معبد ثلاثي التخطيط البنائي(Tri-partite) يقوم كل منهما على مسطبة من اللبن، قد تكون هي ومثيلاتها في تل العقير في وسط العراق البدايات الأولى لمباني الزقورات اللاحقة التي تميّزت بها عمارة الألف الثالث ق. م. وما بعده في بلاد الرافدين. هذا وإن جدران غرفة المصلى في معبد الحي الغربي أسفل الجدار الشرقي لهذه الغرفة بقايا إفريز منقوش باللونين الأحمر والأسود على الأرضية (الطلاء) البيضاء بأشكال معينات.
في البحث رقم 5 كلام مقتضب للمؤلف عن نتائج التنقيبات الإنقاذية الشاملة في حوض سد حمرين في منطقة ديالى شرق بغداد والتي أُنجزت من قبل بعثات تنقيب عراقية، بما فيها جامعتي بغداد والموصل، وبعثة عربية لمنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة المرحوم الدكتور برامكي رئيس قسم الآثار في الجامعة الأمريكية في بيروت وعضوية الدكتور إبراهيم أبو غوش مسؤول الآثار في المنظمة مع لفيف من طلبة وطالبات الجامعة، بالإضافة إلى عدد كبير من بعثات التنقيب الأجنبية؛ أوروبية وأمريكية وكندية ويابانية، وذلك للأعوام 1977-1980 وقد كان المؤلف مشرفاً علمياً وإدارياً على كامل أعمال التنقيب في الحوض، وضم المقال رقم 6 خلاصة بأعمال التنقيبات الانقاذية الواسعة في حوض سد أسكي موصل في شمال العراق، للبعثات العراقية والأجنبية للأعوام 1980-1986 فقد كان المؤلف أيضاً مشرفاً علمياً على هذه الأعمال إضافة إلى عملة مديراً عاماً لآثار ومتاحف المنطقة الشمالية في حينه، والبحث رقم 7 والذي عنوانه: تاريخ منطقة الموصل القديم والذي كان قد نشر ضمن بحوث موسوعة الموصل الحضارية الذي أصدرته جامعة الموصل. والموضوع يضم خلاصة بتاريخ وحضارة منطقة الموصل العتيقة المطلّة على نهر جلة في جزئها الشرقي، ولقد كان هذا التل المرتفع، والذي يطلق عليه محلياً اسم قليعات، حصناً أو قلعة آشورية، وواحداً من عدد كبير من القلاع الآشورية الدفاعية إلى الغرب من العاصمة نينوى عبر نهر دجلة خلال وجود الآشوريين في المنطقة منذ أواخر الألف الثالث ق. م. وحتى سقوط العاصمة نينوى في العام 612 ق. م. على أيدي التحالف الكلدي الميدي. واكتشاف منشآت ري بابلية محاذية لنهر دجلة في منطقة خضر الياس في جانب الكرخ من بغداد هو البحث الأخير ذو الرقم 8 في هذه المجموعة من بحوث نتائج الأعمال الميدانية للمؤلف والذي يلخّص نتائج أعمال الحفر والاستكشاف التي رأسها المؤلف خلال صيف عام 1975 حين كان العمل جارياً في تشييد جسر باب المعظم ومقترباته في جانب الكرخ، حيث اصطدمت أعمال الحفر ولا تزال أساطين الجسر في هذه الناحية من الشاطئ في جانب الكرخ ببقايا جدران من الطابوق المربع الشكل وبأحجام كبيرة، مما هو معروف في أبنية مدينة بابل التاريخية على أيام العاهل الكلدي - البابلي نبوخذ نصر الثاني (605-562ق. م.) وفي غيرها من أمهات بلاد الرافدين، وقد امتدت أعماله العمرانية إليها. وقد جاءت نتائج أعمال الحفر الميدانية والدراسة المقارنة للمعطيات التاريخية والنصوص المسمارية، كما طرحها المؤلف مرجّحة لأكثر من احتمال عن ماهية هذه المنشآت بكونها شاذرواناً أو مسناة أو سوراً (وهذا الأرجح) شيّده نبوخذ نصر بدايته فوق مدينة أوبس على دجلة ونهايته عند سبار (أبو حبة) على الفرات لصد احتمال هجوم أعدائه الميدين على العاصمة بابل ولهذا يدعوه البعض باسم السور الميدي.

Write comment (0 Comments)

نسخة مجلة سومر  ( الموسم الرابع - هنا )

نسخة مجلة سومر ( الموسم الخامس - هنا )

 

 

مقدمة :
يقع تل الصوان (*) ، قرب النصب المعروف بالقائم على الضفة الشرقية لنهر دجلة، جنوب مدينة سامراء على مسافة أحد عشر كيلومتراً، وإن البقايا الأثرية للموقع تؤلف تلاً بيضوي الشكل تقريباً طوله من الشمال إلى الجنوب 230 متراً وعرضه من الشرق إلى الغرب 110 أمتار ولا يزيد ارتفاعه على ثلاثة أمتار ونصف عند أعلى بقعة على سطحه.

( *)  للمزيد عن الموقع انظر "سومر" المجلدات 19-22 فيما يتعلق بموجز تنقيبات المواسم الثلاثة الأولى في هذا الموقع، وكذلك القسم الأجنبي من المجلدين 21 و22 بصدد النتائج التفصيلية للموسمين الأول والثالث ).


إن أول من التفت إلى الطبيعة الأثرية لتل الصوان هو عالم الآثار الألماني إرنست هرتسفيلد الذي كان ينقب في أطلال سامراء الإسلامية في مطلع هذا القرن (1912-1914 م) ثم قامت المديرية العامة للآثار في عام 1949 بالإعلان عن أثريته وميّزت نوعية الملتقطات المنتشرة على سطحه وأزمانها الحضارية. وفي أوائل عام 1964 قررت المديرية المذكورة إجراء تنقيبات علمية شاملة فيه وكان وراء ذلك القرار أمران: أولهما وقوع تل الصوان في وسط العراق والذي جعل التفكير يتجه إلى احتمال الكشف في طياته عن دلائل أثرية تلقي الضوء على نوع من الارتباط الحضاري بين شمال وجنوب بلاد الرافدين في النصف الثاني من الألف السادس قبل الميلاد، حين بدأ العراقي القديم ينحدر إلى منطقة السهول الغرينية في وسط وجنوبي وادي الرافدين لتأسيس أولى القرى الزراعية هناك.


ثانياً: إن كل ما كنا نعرفه عن المرحلة المسماة بطور سامراء لما قبل التاريخ (في أواخر الألف السادس قبل الميلاد) هي فخارياتها المميزة التي كشف عنها هرتسفيلد الأول مرة في قبور من هذه الفترة في مكان ما أسفل قصر الخليفة في سامراء. وقد كنا نجهل الشيء الكثير عن عناصر ومقومات أخرى لتلك المرحلة الحضارية، وكان أملنا كبيراً بالعثور هنا على قرية من هذا الطور بأبنيتها وآثارها الأخرى توضح لنا جوانب كثيرة ومهمة من تاريخ العراق القديم في النصف الثاني من العصر الحجري الحديث، وبداية ما يسمى بالعصر الحجري - المعدني. وكان معظم ما توقعناه صحيحاً. فبالإضافة إلى ما أظهرته نتائج تنقيبات الموسم الأول (17 شباط-20 أيار 1964) والمواسم الأربعة الآتية (أنجزنا تنقيبات الموسم الخامس بين المدة 25 تشرين الثاني 1967 لغاية 25 كانون الثاني 1968) من نتائج حضارية ألقت الضوء على جوانب كثيرة من هذين السؤالين، فإنها كشفت ولأول مرة عن لقى وبقايا أثرية تفوق كثيراً ما كان يدور بمخيلتنا ومخيلة المشتغلين بهذا الحقل في الخارج.(**)

(**) - كان كاتب المقال مسؤولاً عن تنقيبات الموسم الأول، وقد نشرت النتائج التفصيلية لذلك الموسم في القسم الأجنبي من "سومر" المجلد 21 لسنة 1965، ونظراً للأهمية العلمية البالغة التي أظهرها نتائج تنقيبات الموسمين الأول والثاني، ورغبة في الكشف عن الموقع بأكمله فقد ارتأت المديرية العامة للآثار بدء عمليات الموسم الثالث بأسلوب الحفر الأفقي الشامل ابتداء من قمة المستوطن الوسطي (ب) حيث كشفنا سابقاً عن جزء من طبقته العليا (الخاصة) وأنيطت رئاسة الهيئة المكلفة بالتنقيب بالسيد غانم وحيدة الذي نشر نتائج هذا الموسم (أي الثالث) في القسم الأجنبي من "سومر" المجلد 22 لسنة 1967. ويمكن إيجاز نتائج الموسم الثالث بما يلي:

(أ) إكمال استظهار جميع المرافق البنائية المتبقية للطبقة الخامسة (العليا) من المستوطن الوسطي (ب).

(ب) البدء بالكشف عن أبنية الطبقة التي تليها من أسفل (الرابعة) والتي كنا قد استظهرنا أجزاءً منها أثناء الموسم الأول في ربيع 1964.)

 


1) - التنقيبات في تل الصوان ( الموسم الرابع 1967):
بدأت تنقيبات الموسم الرابع في تل الصون في الأول من آذار 1967 واستمرت لغاية الثامن من حزيران من نفس العام. وكانت بعثة التنقيب تتألف برئاسة كاتب هذا المقال وعضوية السادة غانم وحيدة، عواد الكسار، وياسين رشيد، وكان السيد حسين رسول مسؤولاً عن حسابات البعثة كما كان السيد عيسى الطعمة مسوؤلاً كالعادة عن إدارة العمال ومراقبة العمل والسيد محمد الأحمد الحميضة للمساعدة في الأعمال الهندسية كما التحق بالبعثة في الشهر الأخير من الموسم السيد رمزي نعوم للقيام بتحبير المخططات ورسوم الآثار والفخار. وقام السيد انتران إيفان بتصوير الحفريات والآثار.
لقد تركزت أعمال الموسم الرابع بإكمال استظهار جميع المرافق البنائية للطبقة الرابعة ضمن الخندق الدفاعي في المستوطن الوسطي (ب) حيث أكمل ذلك في منتصف شهر نيسان (1967) ثم بُدئ بالحفر في الطبقة التي تليها من أسفل (الثالثة) وفي نفس المستوطن أيضاً. ومن الجدير بالإشارة إليه في هذا الصدد أن أجزاءً بنائية من هذه الطبقة الأخيرة، (أي الثالثة) وخاصة في طرفها الجنوبي، كانت قد استظهرت سابقاً أثناء تنقيبات الموسم الأول، كما كشف عن بعض أقسامها في الموسم الثاني أيضاً.
لقد تمّ إكمال استظهار الجدار الضخم الذي يلف حول الخندق الدفاعي من الداخل محيطاً بمعظم أبنية الطبقة الثالثة ضمن المستوطن الوسطي (ب) وخاصة قسمه الشرقي، إن هذا الجدار (أو السور) كان على ما يظهر قد شيد في بداية زمن الطبقة الثالثة في دورها الأسفل (Level III B). كما أن البناء رقم 12 قد شيد على امتداد ضلعه الشمالي في آواخر زمن الطبقة الثالثة أو ربما في بداية زمن الطبقة الرابعة التي تعلوها. لقد كشف في هذا الموسم (الرابع) عن ما يقرب من ثمانية أبنية، سبعة منها ذات تخطيط بنائي موحد يشبه إلى حد كبير الحرف اللاتيني(T) ، كما هي الحال في البناء رقم 12 (المذكور أعلاه) والذي تم اكتشافه خلال حفريات الموسم الثاني وأطلق عليه اسم "معبد الطبقة الرابعة".
وتتخلل هذه الأبنية ساحات واسعة ودروب بعضها مرصوف بالحصى. وفي إحدى الساحات تشاهد مجموعة من التنانير ملاصقة للوجه الداخلي للضلع الجنوبية من سور القرية في هذه الطبقة، وإن بقايا الجدار الضخم المجاور للبناء رقم 1 من الغرب ربما تمثّل الضلع الغربي لسور قرية الطبقة الثالثة. ولما كانت معظم أبنية الطبقة الثالثة (وربما جمعيها) تحتوي على مستويين (أرضيتين)، العلوي منهما عادة من الجص، فقد تأكد لدينا بصورة قاطعة أن هذه الأبنية (لا بل الطبقة نفسها) قد مرت بدورين سكنيين على الأقل نسميها: (1) دور التأسيس الأول أي الأسفل (أ) و(2) دور التجديد أو إعادة السكنى وهو الدور العلوي (ب). كما ظهر لنا بصورة لا تقبل الشك أن معظم مشتملات الدور العلوي (ب) بغرفها الصغيرة قد اتخذت مخازن للغلال، فلقد جاءتنا من باطن أغلب هذه المخازن بقايا من تلك الغلال وعظام الحيوانات التي استفادوا من لحومها للطعام وكذلك الآلات والأدوات الحجرية التي استعملت لتهيئة الطعام وللحراثة والحصاد. هذا وإن هنالك احتمالاً بكون بعض هذه المخازن ومشتملات الدور العلوي من الطبقة الثالثة قد بقي مستعملاً حتى أوائل زمن الطبقة الرابعة التي تعلوها.
القبور:
كانت القبور المكتشفة خلال الموسم الرابع في تل الصوان على نوعين؛ الأولى التي يرجع زمنها إلى دور سامراء، لما قبل التاريخ، دفن أصحابها على ما يظهر من قبل سكان الطبقة الثالثة نفسها، كما أن بينها ما هو مدفون من الطبقتين العلوتين (الرابعة والخامسة). أما المجموعة الثانية من القبور فترجع بزمنها إلى العصر البابلي أو الكاشي (نحو أواسط الثاني قبل الميلاد) حين اتخذ سطح الموقع مقبرة بعد أن هجر المكان بزمان طويل.
يسرنا في هذا المناسبة أن نشير إلى أن صديقنا طبيب الأسنان الدكتور جلال جرجيس قد قام بزيارة للموقع أثناء التنقيب بصحبة زوجته طبيبة الأسنان فائزة مقادسي وفحصا سوية عدداً من أسنان إنسان عصر سامراء والعصر البابلي القديم (أو الكاشي) وخلصا إلى أن أسنان سكان تل الصوان في عصر سامراء (أواخر الألف السادس قبل الميلاد) كانت أكثر تآكلاً وتسوساً وتساقطاً من أسنان الدور الأخير (أي العصر البابلي القديم)، وهذا مرجعه كما يعتقدان إلى نوع الغذاء السائد حينئذٍ.
المواد الغذائية الرئيسية:
إن من يعمل في حقل التنقيب العلمي في الوقت الحاضر لا يكتفي بالبحث عن الآثار الجميلة البارزة التي هي مطلب أي متحف من متاحف العالم، بل هو يسعى جهده إلى التوصل بشتى الوسائل المبتكرة إلى الكشف عن بقايا مادية تلقي الضوء على جوانب عدة من حياة سكان المستوطن الذي يعمل فيه. إن الجانب الاقتصادي أخذ يشغل أذهان علماء الآثار في الآونة الأخيرة وخاصة من يبحث منهم في فترات ما قبل التاريخ والمراحل التي أعقبت تدجين الحيوان ومعرفة الزراعة للتعرف على نمط الحياة الاقتصادية وأنواع المواد الغذائية الأولى التي عرفها واستخدمها الإنسان بعد أن استقر في قرى ثابتة قرب الينابيع والأنهار أو في المناطق التي تتوفر فيها الأمطار الكافية للزراعة، وهذا ما سعينا إليه دوماً في مختلف مواسم التنقيب في تل الصوان وقد كوفئنا على بحثنا بالعثور على نماذج من الغلال والبقايا العظيمة للحيوانات التي اقتات على لحومها سكان هذا الموقع في مختلف أدواره. ففي الموسم الأول (ربيع1964) عثرنا على نماذج من الحبوب المتفحمة في جهة من الضلع الشمالي من الخندق الدفاعي تفرغ لدراستها أحد مشاهير المختصين بالنباتات القديمة، هو البروفيسور هانس هيلباك من المتحف الوطني في كوينهاكن بالدنمارك، والذي أفادنا بأن من جملة المحاصيل الحقلية لأهالي تل الصوان هي الحنطة والشعير، وإن سكان الموقع كانوا يعتمدون أحياناً على السقي في زراعة هذين النوعين من الغلال، كما هي الحالة الآن في نفس المنطقة، لقلة الأمطار في وسط العراق في ذلك الزمن كما هي عليه الآن.
إن البحث الدقيق في التربية والركام الناجم عن حفريات مختلف أجزاء البقايا النباتية ومخازن الطبقة الثالثة خلال عمليات الموسم الرابع قد زوَّدنا بمجاميع كبيرة من بقايا عظام الحيوانات الأليفة والبرية، والتي اصطادها الإنسان في هذا الموقع، واقتات على لحومها واستفاد من بقاياها الأخرى، وبنتيجة تفرّغ المختصين بعظام الحيوانات على دراسة وفحص هذه البقايا العظيمة ظهر بأن الخراف والماعز والغزلان كانت عماد الثروة الحيوانية لأهل هذه المنطقة من العراق في الألف السادس قبل الميلاد. كما أن السمك كان الغذاء الرئيسي لسكان تل الصوان في عهوده جميعها.

 

2 ) - التنقيب في تل الصوان الموسم الخامس ( 1967-1968)


1. ابتدأت عمليات تنقيب الموسم الخامس في تل الصوان في الخامس والعشرين من تشرين الثاني1967 واستمرت لغاية الخامس والعشرين من كانون الثاني 1968 وكانت البعثة المكلفة بالعمل برئاستنا وعضوية كل من السادة الآثاريين شاه محمد علي الصيواني، وغانم وحيدة ووليد ياسين، وقد صور الحفريات والأبنية المكتشفة كالعادة السيد انتران إيفان رئيس المصورين في مديرية الآثار العامة كما قام بمهام مراقبة العمل والعمال السيد عيسى الطعمة وساعد في أعمال الهندسة والترسيم المرحوم محمد الأحمد الحميضة الذي كانت وفاته المفاجئة خلال عمليات الموسم السادس خسارة لهذه المؤسسة العلمية ومبعث أسى وحزن عميقين لجميع الذين عرفوه وزاملوه طيلة سنين طويلة.
كان الهدف الرئيس من تنقيبات الموسم الخامس هو إكمال استظهار بقية الأجزاء البنائية في الطبقة الثالثة بدرويها السفلي والعلوي (أ، ب) وبحدود الخندق الدفاعي والسور المحاذي له من الداخل وكذلك الكشف عما يبطنه القسم الشرقي من التل الوسطي (ب) والذي كانت معظم أقسامه العليا قد تعرضت لتخريبات واسعة من قبل المزراعين المجاروين في الأعوام الأخيرة. كانت تنقيبات الموسم السابق (الرابع) قد أُنجز بالإضافة إلى الكشف عن أغلب بقايا الطبقة الرابعة (الترقيم من الأسفل) استظهار ثماني وحدات بنائية (1) يتميز بعضها (الأبنية 2، 4، 8) بشكل موحد من الخارج يشبه بمظهره الخارجي( * )  الحرف اللاتيني (T) وقد ثبت لدينا في حينه بأن هذه الأبنية ذات الشكل الخارجي الموحد قد اشغلت على الأقل في فترتين زمنيتين متعاقبتين من حياة الطبقة الثالثة سميناهما بالفترة أ (Phase A) وترتيبها الأسفل في هذه الطبقة، وهي فترة التأسيس، تعقبها من الأعلى الفترة ب(Phase B) وفيها طليت أرضيات (وفي أغلب الأحيان جدران مشتملات هذه الأبنية بالجص بعد أن ارتفع بعضها بمعدل 80-120 سم) (بفعل الملء المتعمد بالنقض) مع بقاء نفس الجدران الأصلية للفترة أ أو أحياناً إضافة جدران جديدة ملاصقة للأولى (من الداخل عادة) طليت هي الأخرى بالجص أيضاً. وقد استخدم أغلب ما نتج من هذه التغيرات المعمارية في الفترة العليا كمخازن للغلال (Granaries) من قبل سكان الموقع في هذه الفترة، مع الاحتفاظ بالشكل المعماري الخارجي لهذه الواحدات البنائية كما كان سائداً في زمن التأسيس مع تغيير عدد وحجوم بعض غرف هذه الأبنية وذلك بتقيسم كل منها إلى غرفتين صغيرتين أو أكثر لاستيعاب أصناف متعددة من الغلال والمواد المراد خزنها لمواسم قادمة.

 

(*) -  في الواقع إن ما استظهرته عمليات الموسم الرابع من هذه الأبنية كان في الغالب حدودها الخارجية بالإضافة إلى التنقيب في جميع مشتملات فترتها العليا (الدورب) والنزول أحيانا(وخاصة في الأبنية 5-7) إلى مستويات دور التاسيس (الفترة السفلى أ).


2. أظهر التنقيب في القسم الشرقي من التل الوسطي (ب) خلال عمليات الموسم الحالي (الخامس) بقايا أثرية وبنائية بارزة يعتبر بعضها (أي البقايا البنائية) مكملاً لأجراء الطبقة البنائية الثالثة التي كشفت عنها في مواسم سابقة، فالبناية الواسعة (أعطيت الرقم 13) الكائنة قرب الزاوية الشمالية من هذا المستوطن لها نفس المظهر المعماري كغالبية أبنية الطبقة الثالثة وقد عايشت فترتي هذه الطبقة أيضاً، تتميز فترة التأسيس في هذه البناية بغرفها الواسعة والمتعددة وقد تغيّر معظم ذلك في الدور العلوي حين تحولت غرف البناية إلى مخازن صغيرة متعددة للغلال وحاجيات سكنتها الأخرى من فخاريات وسلال وأدوات وآلات من حجر وعظم وصوان وزجاج بركاني أسود( **).

(**) - بضعة كسر من فخاريات حلف الملونة وجدت في دفن غرفتي من هذه البناية.


لقد تيسر لنا في هذا الموسم تحديد أبعاد هذه البناية وشكلها الخارجي وكذلك التنقيب في مشتملات فترتها العليا، ومن الأبنية التي أكمل استظهار جميع مشتملاتها وتفريغها من النقض المتراكم في دوريها العلوي والسفلي بنايتين مجاروتين لبعضهما البعض بصورة خاصة على بقايا ومواد محروقة وبعض أدوات حجرية ولوازم منزلية وفخاريات لأغراض الطبخ والخزن، ومن المرجح أن تكون هذه البناية قد اتخذت في زمن الدور العلوي للطبقة الثالثة مخزناً لمواد ووقود التنانير والأفران الكائنة في الساحة المجاورة، أدّت تنقيبات الموسم الخامس إلى الكشف عن عدد من الساحات لا يقل عن ثلاث موزعة في أرجاء الطبقة الثالثة في القسم الشرقي من التل الوسطي استخدمت لأغراض عامة بصورة جماعية مشتركة من قبل سكان القرية، فالساحة الجنوبية الواسعة تحوي لصق ضلعها الجنوبي عدداً من التنانير يتراوح بين 8-10 استمر استخدامها حتى في زمن الطبقتين الرابعة والخامسة بعد عدة تجديدات ظاهرة من تراكم هذه التنانير فوق بعضها البعض.
من المكتشفات الأثرية المهمة في هذا الموسم أفران كبيرة من الطين عثر عليها في طرفي الساحة الوسطية الغربي والشرقي، وهناك احتمال كبير في أن تكون الكورة الأولى عند الطرف الغربي للساحة داخل غرفة مربعة تقريباً كما عثر على كورة ثانية أسفلها والكورة الثالثة وجدت عند الطرف الشرقي لهذه الساحة لصق غرفة مستطيلة وعلى بعد 7 م من مكان الكورتين السابقتين ويبلغ قطر كل من الكورتين الأولى والثانية 2 م أما قطر الثالثة فيقلّ عن ذلك بقليل. إن شكل الكور الثلاث دائري وهي مشيّدة بكتل من الطين وقد طليت أرضياتها وجوانبها بالطين أيضاً والباقي من ارتفاع جدرانها يتراوح بين 20-25 سم. وإن آثار الحريق الشديد ظاهرة للعيان في أرضيات وجدران هذه الكور وهذا ناتج بالطبع من تكرار عمليات الحرق ولسنين عديدة. من الملاحظ أن بناة الكورة الأولى (العليا) لم يتقيّدوا عند بناء فرنهم بنفس امتدادات الكورة الثانية (السفلى) بل انحرفوا بفرنهم العلوي إلى الغرب قليلاً، لم نتوصل إلى معرفة شكل ووضعية الأقسام العليا لهذه الكورة ولكن بقايا كتل الطين المتساقطة في باطنها وانحراف جدرانها التدريجي إلى الداخل كلما ارتفعت يدل على الأكثر بأن سقوفها كانت تُشكّل بما يشبه القبة. ولهذه الكور فتحات جانبية قريبة من القاع استخدمت لإدخال وإخراج الأواني وللوقود أيضاً.
ترجع هذه الكور في زمنها إلى عصر الطبقة الثالثة، وربما استمر استعمالها في زمن الطبقتين التاليتين (الرابعة والخامسة) لو صح اعتبار هذه الأفران كوراً لشيّ الفخار( *) كما ذهبنا إليه أعلاه نكون قد وفقنا إلى اكتشاف مهم يؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً من أن فخاريات سامراء بكل أنواعها (من بينها الملونة طبعاً) هي صناعة محلية في تل الصوان وليست مستوردة. ثم إن غزارة هذا النوع من الفخار هنا تؤكد بأن موقع تل الصوان كان واحداً من المراكز المهمة والرئيسية لهذه الصناعة في القسم الوسطي من العراق ومنه كانت تتزوّد القرى والمستوطنات الأخرى في هذه المنطقة من بلاد الرافدين.

 

(*)-قد يفسرها البعض أفراناً أو مواقد كبيرة للطبخ، بأن توضع قدور الطبخ الفخارية في قاعها وتوقد النار أسفلها وحواليها (أي القدور) وهذا جائز أيضاً. ولكننا نرجّح الرأي الأول بكونها كوراً لحرق الفخار استناداً إلى الأدلة الورادة أعلاه.


لقد برزت ظاهرتان مهمتان نتيجة لتنقيبات الموسم الخامس أولهما تكرر ظهور سلالم من درج من جصّ لصق أغلب أبنية القسم الشرقي من التل الوسطي في زمن الدور العلوي للطبقة الثالثة(IIIB) إذ أضيفت هذه السلالم سوية مع أرضيات وقواطع الجصّ التي أدخلت إلى تلك الأبنية. كان الغرض من السلالم الجص في الغالب، الصعود من الخارج إلى أعالي أبنية الدور الثاني من الطبقة الثالثة حيث مخازن الغلال والحاجات الأخرى، أما الظاهرة الثانية فهي دروب مرصوفة بالحصى تنحدر عادة من أعالي المستوطن الوسطي منتهية في أطرافه الشرقية حيث السور والخندق الدفاعي. بالإمكان تتبع أحد هذه الدروب عند الممرّ الضيق الكائن بين الأبنية في أعالي المستوطن ومروره في الساحة الوسطية وحتى نهايتها الشرقية. لقد مرَّ هذا الدرب بثلاث مراحل زمنية أظهرتها حفرة سبر اقتطعت في منتصف سيره حيث يشاهد مقطع عرضي تظهر فيه ثلاث طبقات من الحصى المرصوف: الأسفل وقد رصف في زمن تأسيس الطبقة الثالثة (IIIA) وبعد أن ارتفع مستوى الأبنية المجاورة في زمن الدور العلوي من هذه الطبقة (IIIB) أعيد رصف الدرب بمستوى أعلى كما رصفت للمرة الثالثة عند نهاية زمن الطبقة الثالثة وبقيت صالحة للاستعمال طيلة زمن الطبقتين (الرابعة والخامسة) على الأكثر.


3. لم يظهر التنقيب في القسم الغربي من التل الوسطي أجزاءً بنائية تذكر، ما عدا بقايا قليلة من ثلاثة جدران تتخلّلها بعض أرضيات تعود جميعها لبناء غير واضح المعالم كُشف عنه في نهاية الطرف الغربي للطبقة الثالثة، تتألف اللقى الأثرية المكتشفة حول هذه الجدران من عدد من كسرات من فخار سامراء بأنواعها مع بضعة كسرات من النوع الملون بعد الحرق (من عصر سامراء أيضاً) وصنارة باب من الحصى وعدد من حجارة المسن.(Celts)
إن السبب الرئيس في زوال أغلب البقايا البنائية في هذا الجزء من التل الوسطي يرجع إلى كثرة القبور الحديثة العهد نسبياً وتكرار الدفن لسنين طويلة بالإضافة إلى ما سببه استيطان جديد أعقب عصر سامراء وأبنيته في هذه الناحية من الموقع فقد كشف في منتصف القسم الغربي من التل الوسطي عن بقايا أسس من الحصى بشكل بقعة دائرية واسعة قطرها نحو 12 م وبسمك 20 سم يخرج من طرفها الشرقي بقايا أسس من الحصى أيضاً مستطيلة الشكل. تنتشر فوق أسس الحصى هذه وحواليها أعداد من كسرات فخار حلف الملونة خاصة، كما كانت تشاهد بعض كسرات من هذا النوع من الفخار في مستويات أعلى فوق هذه البقعة في ذفن الطبقتين (الرابعة والخامسة) وتعود أسس الحصى هذه وكسرات فخار حلف إلى استيطان وسكنى أكيد لأصحاب هذه الحضارة. إن حملة حضارة حلف القادمين من الشمال قد حلوا في تل الصوان في الأزمان الأخيرة من حياة الموقع (الطبقتين الرابعة والخامسة) وأقاموا أبنيتهم الدينية (Tholoi) وخاصة في القسم الغربي من المستوطن الوسطي حيث نزلت أسسها من الحصى إلى مستوى الطبقة الثالثة مما أدّى إلى تحطيم وإزالة قسم كبير من أبنيتها.


4. قبل اختتام بحثنا في نتائج عمليات الموسم الخامس في تل الصوان نرى بأن الوقت قد حان للشروع بمحاولات أولية لتقييم ما وصلنا من معلومات بتكرار التنقيب في هذا الموقع ومحاولة وضع أدواره البنائية والمواد الأثرية المكتشفة فيها في إطارها الزمني المناسب. لقد مضى على شروعنا بالتنقيب في تل الصون ما يقرب عشر سنوات أنجز خلالها ثمانية مواسم كاملة من العمل، لقد أعطتنا تنقيبات الموسم الأول (ربيع 1964) فكرةً شاملة وواضحة عن محتويات الموقع بطبقاته البنائية الخمسة والمقبرة الغنية بالتماثيل والأواني الحجر والكائنة تحت جزء كبير من الموقع الأثري، وخاصة التلين الوسطي والجنوبي (ب، ج) لقد أكدت نتائج حفريات المواسم اللاحقة ما حققته عمليات الموسم الأول وزادت عليها الشيء الكثير.
إن العدد الكبير من تماثيل النساء الذي وجد في مقبرة تل الصوان( *) قد يعني أن الموقع كان في أوائل الألف السادس ق.م. (وربما قبل ذلك بقليل) مركزاً رئيساً لعبادة الإلهة استطعنا أن نميّز أحد معابدها فيه منذ أسفل الطبقات وربما أقيمت لها مزارات أخرى قبل زمن هذه الطبقة في مستوطن سابق قد يكشف عنه التنقيب في المواسم القادمة أسفل التل الوسطي وبحدود الخندق الدفاعي(**)، لقد وضعت تماثيل الأم الإلهية في قبور الصغار لتحميهم وترعاهم في رحلتهم الطويلة في عالم ما بعد الموت.(***)

 

(*) - نعني بها دائماً المقبرة الكائنة تحت الطبقة السفلى من الموقع

(**) - إلا إذا افترضنا بأن أوائل ساكني الموقع هم أصحاب الطبقة البنائية الأولى (السفلى) عندئذ لن  يكون وجود لهذا المستوطن. إن الدلائل الآثرية تشير إلى ما يسبق أبنية الطبقة السفلى. فالخندق الدفاعي بالأصل كان قد اختط لأغراض سبقت زمن الطبقة الأولى حيث بعض أجزائها البنائية قد سدّت أقساماً من هذا الخندق.

(***)- للتفسيرات العديدة حول دمى النساء أو الأم الإلهية، انظر P.J Ucko "Anthropomorphic Fgureines) (1969) وخاصة الصفحات 409-436


إننا نجد في أبنية الطبقتين السفليتين (الأولى والثانية) والمقبرة الكائنة أسفلها وحدة حضارية متجانسة تختلف عن ما يعلوها في الطبقات الثاثة والرابعة والخامسة ففي هاتي الطبقتين (الأولى والثانية) وفي المقبرة تحتها عناصر من حضارتي جرمو وحسونة: فالأواني والمحابس (Rings) والأساور والقلائد الحجر وبعض الدمى السمجة من الطين كلها عناصر من الحضارة الأولى (أي جرمو)، كما أن الفخار السمج والدمى الطين وأدوات تهيئة الطعام المنزلية من الحجر وآلات الحجر والعظم والصون في هاتين الطبقتين من مظاهر حضارتي حسونة وجرمو ما بعد ظهور الفخار. ثم إن القليل من فخاريات حسنونة الأكيدة بأنواعها الخشن والملون، والملون المحزّز المكتشفة هنا هي من مظاهر طور حسونة المتقدّم، كل هذه العناصر تظهر في تل الصنوان بطابع وأسلوب محلي ثم إن الأبنية الكبيرة في الطبقتين الأولى والثانية بغرفمها المتعددة الواسعة والمشيدة باللبن ذي الحجوم الكبيرة لا نظير لها لا في جرمولا في حسونة ولا في أي مكان آخر نُقِّب لحد الآن..
لهذه كله، ومع علمنا بعدم جدوى الإكثار من التسميات، فإننا قد لا نكون مغالين في إطلاقنا التسمية: حضارة تل الصوان
Telles Sawwan Culture على كل ما يمت بصلة للطبقتين الأولى والثانية والمقبرة الكائنة أسفلها. إن حضارة تل الصون تتميز باحتوائها على عناصر من كل من طوري جرمو وحسونة بأسلوب محلي خاص بها، كما أن لها عناصرها المميزة الخاصة بها فقط ونعني بذلك البناء والنحت: نحت التماثيل والأواني من الحجر المرمر الشمعي والأواني والأشكال العقائدية الأخرى من الحجر أيضاً.
مع أن بعض الفخاريات المحززة (حسونة) تستمر في الظهور في الطبقة الثالثة إلا أن عنصر الفخار الرئيسي فيها وفي الطبقتين التاليتين (الرابعة والخامسة) هو سامراء بكل أنواعها: السمجة، وقليلة الخشونة، والمدلوكة، والملونة، والملونة المحززة، والمحززة، ثم غالبية أبنية الطبقة الثالثة أخذت تتبع أسلوباً معماريا ًخاصاً، ربما استمر بدرجة أقل في الطبقتين العلويتين، ويتميز من الخارج بمظهر الحرف اللاتيني (T). هناك احتمال، قد لا يكون بعيداً عن الواقع، كون أبنية عصر سامراء هذه كانت تشيّد لأغراض عقائدية، تماماً كما كان الحال مع أبنية عصر حلف ذات الشكل المزدوج ذي الغرفة الدائرية الكبيرة والأخرى المستطيلة الملصقة بها Tholoi وبسبب سيادة هذا النوع من العمارة مع طغيان فخاريات سامراء المميزة في الطبقات الثالثة والرابعة والخامسة فإننا نعتقد بأن ما تحويه هذه الطبقات الثلاث يستحق بكل جداره حمل اسم حضارة سامراء أكثر من غيرها في المواقع الأخرى. وربما يكون مركز هذه الحضارة هو تل الصوان بالذات!
إن حضارة حلف التالية قد تركت طابعها أيضاً بوضوح في الأقسام العليا من تل الصوان، فبالإضافة إلى كسرات فخار هذا العصر المميزة التي كانت ولا تزال تظهر بين طيات الموقع العليا فقد ظهرت أثناء عمليات الموسم الخامس أسس من الحصى لما يحتمل أن يكون بناءً عقائدياً (Tholos) من هذا العصر.

Write comment (0 Comments)

مواطن الآثار في حوض سد دوكان

نسخة مجلة سومر ( هنا )


مقدمة

حين اتجهت نية الحكومة العراقية لانشاء سد دوكان على الزاب الاسفل إلى جنوب من مركز ناحية مرزة رستم قررت مديرة الآثار العامة القيام بمسح أثري شامل لمنطقة الحوض التي ستغمرها المياه المتجمعة وراء السد بشكل خزان هائل على هيئة بحيرة واسعة ضمن خط الارتفاع520م فوق سطح البحر واسندت انجاز هذا المشروع بهيئة فنية مؤلفة من السادة محمد علي مصطفى ومظفر الشيخ قادر والمؤلف وقد اكملت الهيئة عملها خلال شهر أيلول من سنة 1955(1).

لقد كان الغرض من هذا المسح الشامل هو كشف وتثبيت جميع التلول والمواقع الأثرية الكائنة في منطقة الحوض ودراسة ملتقطاتها السطحية للتعرف على إزمانها الحضارية بقدر الامكان ومن ثم انتخاب أهمها لاجراء أعمال السبر والتنقيب لانقاذ اكبر كمية ممكنة من الآثار واللقى المطمورة في طياتها قبل أن تغمرها مياه الحوض نهائياً، سيما وأن حفر اثري لم يجر سابقاً في هذه المنطقة من شمال العراق.

واستناداً إلى تقارير المسح الاثري التي وضعتها هيئة 1955 وتوصياتها بهذا الشأن فقد اقرت مديرية الآثار العامة خطة واسعة للمباشرة بعمليات للتنقيب في بعض تلول سهل بتوين ومنها : كمريان, الديم, قورة شينة,شمشارة وباسموسيان, وقد وضعت بعض الدراسات والبحوث الأثرية عن نتائج تنقيبات بعض تلك المواقع في مجلة سومر يمكن الرجوع إليها(2) وفي القسم الثالث من هذا البحث سأورد موجزا بنتائج تنقيبات الموسم الأول في تل باسموسيان،اكبر وأهم التلول الأثرية في حوض دوكان.

وصف موجز لتلول حوض دوكان:

يتناول هذا القسم من البحث وصفاً موجزاً لمعظم التلول التي تمت دراسة ملتقطاتها السطحية وان ادوارها وتواريخها المثبتة تعتمد بالدرجة الأولى على نتائج تلك الدراسة وبخاصة كسرات الفخار المنتشرة عليها فأزمان هذه التلول تترواح بصورة عامة بين اوائل الألف السادس ق.م وحتى الوقت الحاضر. كما ان تسميات بعض عصور تاريخية ترد في المتن كالعصر الاكدي والخوري و الميدي تمثل بطبيعة الحال حقبا زمنية معينة تمتد من النصف الثاني عن الألف الثالث ق. م واوائل الألف الثاني ومنتصفه وحتى ما بعد الفترة الآشورية الحديثة.

1.كرد بور:

تلان يبعدان عن بعضهما مسافة 400م تقريباً ويفصل بينهما وادي تجري فيه مياه الأمطار شتاء.التل الشمالي دائري الشكل تقريباً محيطه 500م وارتفاعه 3م والجنوبي، الذي يقوم على نشر مرتفع من الأرض، قطره100 م وارتفاعه 4م ازمان التين: عصر الوركاء وما قبله بقليل(ربما العبيد أيضاً) ، الخوري والآشوري الحديث.

2.ملا عمر:

تل دائري الشكل يقوم على الكتف الغربي للزاب الأسفل محيطه 200 م وقطره عند القمة 15م حيث توجد بقايا أسس ظاهرة من الجص. أزمانه: الخوري، الآشوري الحديث ، الميدي، الفرثي.

3. كمريان:

تل عالي مخروطي الشكل. قطره 70م وارتفاعه12م، يقوم عل الكتف الشرقي لنهر الزاب، أزمانه: سامرا، حلف، العبيد، الوركاء، الاكدي، الخوري، الآشوري، الوسيط، الميدي.

4. بواتان:

تل واسع مستطيل الشكل تقريباً طوله 150 م عرضه 70م وارتفاعه يترواح بين 6-8م يقع قرب الضفة الشرقية لنهر الزاب. أزمانه: حلف (وربما ما قبله) الخوري، الآشوري، الميدي.

5. تل الديم:

تل نصف كروي تقريباً، قطره 70م وارتفاعه12م، تنتشر على قمته وسفوحه اعداد غفيرة من حصي كبير الحجم، أزمانه: العبيد، الوركاء، الأكدي، الآشوري، الخوري، الميدي.

6.كله:

تل بيضوي الشكل تقريباً، يقع قرب الضفة الشرقية لنهر الزاب، طول قاعدته حوالي 100 م وقطر قمته 70م وارتفاعه 20م.ازمانه: الآشوري، الخوري، الميداني، الفرني واوائل العصر الإسلامي.

7.تنكيجة:

مستوطن قليل الارتفاع يقوم فوق مرتفع من الأرض طوله 150 م وعرضه 100م ورتفاعه3م ازمانه: عصور ما قبل التاريخ، أشوري، ميدي.

8. كله كاوي:

مستوطن قليل الارتفاع يقع إلى الشرق من ناحية مرزة رستم في وادي سي ناجيان. طوله 200م وعرضه 70م بارتفاع 7م.ازمانه: العبيد، الوركاء، الآشوري، الميدي.

9.كله كاوي:

مستوطن قليل الارتفاع، طوله 250م يقع إلى الشرق من ناحية مرزة رستم في وادي سي ناجيان. طوله200 وعرضه 70م بارتفاع 7م ازمانه: العبيد، الوركاء، الآشوري، الميدي.

9.قره قاج:

مستوطن قليل الارتفاع، طوله250م وعرضه 150م ازمانه: الآشوري، الميدي، كما تكثر على سفوحه انواع متعددة من فخاريات محلية حديثة الصنع.

10.ملاشل:

تلان يقعان على الكتف الشرقي لنهر الزاب التل الشمالي طوله 150 والجنوبي200م، ازمانه: عصور ما قبل التاريخ الآشوري،الميدي.

11.هيز:

مستوطن واسع قطر قاعدته حوالي150م ارتفاعه15م ازمانه: عصور ما قبل التاريخ الخوري، الآشوري، الميدي.

12.بابو كوران:

تلان تفصل بينهما مسافة 300م، قطر قاعدة اكبرهما200م وارتفاعه 8م، وقطر قاعدة الآخر100م، ارتفاعه6م. ازمانهما متشابهة وترجع إلى: عصور ما قبل التاريخ والعصرين الآشوري والميدي.

13.ما مند:

مستوطن واسع قطر قاعدته 150م وارتفاعه 5م ازمانه: عصور ما قبل التاريخ، الآشوري، ميدي.

14. تبه كوران:

تلان، اوطأهما طوله150م وعرضه 50 م والآخر بطول 250م وارتفاعه3م تظهر على قمة الأول بعض بقايا أسس من الطابوق لأبنية آشورية، أزمانهما آشوري حديث، ميدي، ساساني، إسلامي.

15.شمشارة:

تل عالي مخروطي الشكل يطل على نهر الزاب، ارتفاعه 25م قطر قاعدته تزيد عن 50 م وقطر قمته يقرب من 20م ازمانه: عصور ما قبل التاريخ ، آشوري، ميدي، إسلامي.

16. كولاند:

تل منتظم الشكل، نصف كروي تقريباً قطر قاعدته 100م وارتفاعه 8م ازمانه: عصور ما قبل التاريخ، آشوري، ميدي إسلامي.

17. بارة بوست:

تلان صغيرون طولهما معا 200م، بعرض70م يتراوح ارتفاعها بين 2-3م.أزمانهما: عصور ما قبل التاريخ،آشوري حديث، ميدي ساساني.

18.باسموسيان:

اكبر التلول في سهل بتوين، يقع على مسافة12كم إلى الجنوب من مركز قضاء رانية، محيط قاعدته 1500م وارتفاعه 23م ازمانه عصور ما قبل التاريخ، آشوري، خوري، ميدي، ساساني، إسلامي.

19.قورة شينه:

مستوطن واسع،قطر قاعدته نحو من 70 م وارتفاعه 20م تقريباً ازمانه عصور ما قبل التاريخ(خاصة عصر الوركاء، حيث تكثر هنا فخارياته المميزة) آشوري، ميدي.

20.سرخمة:

تل واسع يقع في وادي باسلان، احد فروع نهر الزاب الغربية قطر قاعدته200م.وقطر قمته نحو من 100م وارتفاعه20م ازمانه : عصور ما قبل التاريخ آشوري.

21. بوسكين:

تل واسع قطر قاعدته نحو من 200 م وارتفاعه 20 م تقريباً، ازمانه: عصور ما قبل التاريخ، آشوري، ميدي.

22. كولان:

طوله 150م، عرضه 100 وارتفاعه10م، ازمانه : سامراء، حلف،العبيد، آشوري، حديث، ميدي.

23.كامه:

قطر قاعدته 250م ارتفاعه 15م. ازمانه: عصور ما قبل التاريخ آشوري، ميدي، ساساني، إسلامي.

24.كندو:

محيط قاعدته 300م، ارتفاعه 12م ازمانه: حسونه، سامراء العبيد، آشوري، خوري، ميدي.

25.قوراله الشمالي:

بيضوي الشكل تقريباً ، طوله200م وعرضه 50 م بارتفاع 10 م أزمانه: العبيد، الوركاء، آشوري، ميدي.

26.قوراله الجنوبي:

بيضوي الشكل تقريباً ، طوله 250م وعرضه 100 متر وارتفاعه20 م، ازمانه: العبيد ، الوركاء، آشوري حديث، ميدي.

27.محمود هباس:

طوله 200 م، ارتفاعه 10 م، ازمانه: آشوري حديث ، ميدي، إسلامي.

28. غزنة:

طوله 200م تقربياً وارتفاعه 21م، ازمانه آشوري، ميدي ، إسلامي.

29.عربان:

طوله 250م تقربياً ، وارتفاعه 20م، ازمانه : آشوري، ميدي، إسلامي.

30.قره تبه كون:

طوله 300م، ارتفاعه 20م، ازمانه: عصور ما قبل التاريخ،آشوري، وسيط وحديث، ساساني، إسلامي.

31.كردل:

طوله 200م،وارتفاعه 10م يقع على الطريق المؤدي إلى مركز ناحية بنكرد في قرية سيد كان، ازمانه: العبيد، الوركاء، آشوري، ميدي.

32.قبر الصحابة:

مستوطن قليل الارتفاع ، يطل بموقعه على مركز ناحية مرزة رستم(قبل أن تغمرها المياه)، وقد اتخذ قسم كبير منه مقبرة لسكنة القصبة، أزمانه: عصور ما قبل التاريخ، آشوري، ميدي.



تنقيبات الموسم الأول في باسموسيان 1956:

تل باسموسيان أكبر المواقع الآثرية في سهل بتوين، قرب الضفة الغربية لنهر الزاب، وإلى الجنوب من مركز قضاء رانية بمسافة 12كم ان ارتفاع باسموسيان يبلغ 23م ومحيط قاعدته يتجاوز1500م، ويبرز من طرف قاعدته الشمالي الغربي مستوطن قليل الارتفاع، سكن في أزمان أقدم بكثير مما تمثله الطبقات العليا للموقع نفسه.أن قرية باسموسيان التي تشغل مساحات واسعة من جهات التل الشرقية والجنوبية والغربية سميت على ما يظهر باسمه، وان عمرها يزيد عن نصف قرن (كما اخبرنا المسنون من سكانها) ان عدد بيوت القرية يقرب من اربعين ، وأن أغلبها قد شيد من الطوف على أسس من الحصى النهري الكبير، وكذلك أسافل جدرانها في بعض الحالات، كما أن سفوفها مسطحة مشيدة من أخشاب وأغصان الأشجار المتوفرة في المنطقة وقد لطشت سطوح هذه الدور بالطين، أن من أهم المحاصيل الرزاعية لسكنة قرية باسموسيان(وكذلك القرى الأخرى في سهل بتوين) كان التبغ والقطن والرز وبدرجة أقل الحنطة والشعير.

لقد استغرقت عمليات التنقيب للموسم الأول في باسموسيان ثلاثة أشهر(10 تموز لغاية 11 تشرين أول 1956)، وكانت الهيئة الموفدة لهذا الغرض تتألف من المؤلف رئيساً والسادة برهان جلميران مساعداً للرئيس ومسؤولاً عن تسجيل الآثار ورسمها وشعلان حسين كسرة (معاون ملاحظ متحف الموصل آنذاك) مديراً للمقر وحسن عزام محاسباً وعيسى الطعمة لمراقبة العمال والعمل ومحمد الأحمد الحميضة للمساعدة في الأعمال الهندسية ورسم الأبنية المكتشفة وخارطة منحنيات الموقع.

كانت عمليات الحفر قد بدأت بشق خندقين (مقطعين) كل منهما بعرض 20م: المقطع أ يتجه من قمة الموقع شرقاً وبمسافة 40 م، واتجاه المقطع ب إلى الغرب بمسافة 25م ،وأن استمرار التنقيب خلال الأسابيع الأربعة الأولى اثبت بأن البقعة الكائنة في منتصف قمة التل والمحصورة الآن بين المقطعين أ وب تحوي حارة للمعابد. وكان هذا سبباً كافياً لتركيز عمليات الحفر في هذه البقعة بالذات وحتى نهاية الموسم،أما حصيلة العمل في المقطعين نفسيهما فكان الكشف عن خمس طبقات بنائية في كل منهما، ولضيق الوقت فقد اقتصر على عرض خمسة أمتار فقط لكل من المقطعين أسفل الطبقة الثانية (ترقيم الطبقات من الأعلى)، ولا بد من الإشارة إلى أن الطبقات البنائية واللقى المكتشفة فيها ومن بينهما كسرات الفخار قد كانت مشوشة في كلا المقطعين وذلك بسبب التخريبات والحفر الحديثة التي اقتطعت من قمة الموقع وأن سكنة الأدوار المتأخرة من التل تسببوا في احداثها بالإضافة إلى أهل قرية باسموسيان أنفسهم.

وصف الطبقات البنائية في كلا المقطعين:

من الملاحظ أن معظم بقايا الطبقة العليا (الأولى) في كلا المقطعين (أ و ب) معدومة ما عدا أجزاء متناثرة من أسس من الحصى لا يمكن تكوين فكرة واضحة منها عن طبيعة الشكل البنائي لسكنة هذه الطبقة من الموقع. أما فخارياتها فمزيج يرجع على الغالب إلى القرنين الثامن والتاسع الميلادي، كما أن هناك بقايا قبرين كبيرين من الطابوق نازلين في هذه الطبقة وربما يرجعان إلى العصر الالخاني، وجدا في الطرفين الشرقي والغربي من الموقع. أن جدار الطابوق الضخم الذي يلف حول الطرف الغربي من أعلى التل يشبه إلى حد كبير ما يحيط بقلعة أربيل مثلاً من جدار ساند يلف حولها من جميع الجهات.

تدل المواد الآثرية المكتشفة على أن هناك فجوة سكنية بين الطبقتين الأولى والثانية بالرغم من تشابه بقاياهما البنائية الضئيلة، فأسس الحصى متناثرة هنا(أي في الطبقة الثانية) وخاصة عند النهايتين الشرقية والغربية في كلا المقطعين، كما أن هنالك أرضيات أو تباليط من الطابوق عثر عليها في الطرف الغربي من المقطع أ في هذه الطبقة(أي الثانية)، ومن الملاحظ أن أسس الطبقة الثانية قد تغلغلت إلى الأسفل حيث بقايا الطبقة الثالثة، وهذا أدى إلى امتزاج كسر فخار إسلامي مع فخاريات من عصور اقدم بكثير. إن أهم البقايا البنائية في الطبقة الثالثة هي بناية المعبد الأول الذي سنتكلم عنه فيما يلي: اما فخاريات هذه الطبقة فيرجع زمانها على الغالب إلى منتصف الألف الثاني ق.م كما أن هذه الطبقة نفسها قد تكون مصدر كسرات رقم الطين المكتوبة بالخط المسماري والتي يرجع زمنها إلى العصر الآشوري الوسيط والتي عثر عليها في حفرة اقتطعت في الطبقة الرابعة خارج الجدار الجنوبي للمعبد الثاني.

لقد كشفت لنا تنقيبات الطبقة الرابعة، بالإضافة إلى دور أقدم من بناية المعبد الأول دعيناه بالمعبد الثاني، بضعة جدارن سميكة من اللبن وخاصة ما ظهر منها في المقطع ب- لعلها تمثل بقايا مرافق بناية ذات أهمية خاصة لكونها تعاصر زمن المعبد الثاني، ولكن أرضياتها مشوشة في أماكن متعددة بسبب الحفر الحديثة النازلة من أعلى، يرجع زمن فخاريات الطبقة الرابعة بصورة رئيسية إلى النصف الأول من الألف الثاني ق. م كما تحوي هذه الفخاريات نماذج مميزة من النوع المعروف بصناعة الخابور.

أن ما استظهر من الطبقة الخامسة في كلا المقطعين كان صغيراً نسبياً، ومع هذا قد ظهرت فيهما بقايا بنائية واضحة متمثلة بجدران سميكة من اللبن عليها عدة طبقات من اللطوش باللون الرمادي المائل للخضرة. يرجع زمن الطبقة الخامسة بمحتوياتها إلى بداية الألف الثاني ق. م. لقد كانت عمليات تنقيب الموسمين الثاني والثالث(صيفي 1957 و1958) متممة من عدة وجوه لتنقيبات الموسم الأول، فقد قام الزميل السيد عبد القادر حسن التكريتي والذي كان مسؤولاً عن تنقيبات الموسمين الآخيرين باكمال استظهار حارة المعابد والنزول إلى أسفل الطبقة الخامسة وحتى الطبقة السادسة عشر حيث تأكد لديه بصورة عملية بأن تل باسموسيان كان قد سكن خلال معظم الألف الثالث ق. م . وكذلك في عصور الوركاء والعبيد وحلف وسامراء.

حارة المعابد: يتألف كل معبد من المعبدين المكتشفين في تل باسموسيان اثناء حفريات الموسم الأول من غرفة واحدة مستطيلة تتجه زواياها الأربع إلى الجهات الكونية الأربع. أن من الملاحظ أن بناية معبد الطبقة الثالثة (المعبد الأول) تشبه من وجوه عديدة بناية المعبد الثاني تحتها (في الطبقة الرابعة) وبصورة خاصة من حيث شكل البناء وحجمه، فيما عدا كون أسس المعبد الأول وجدرانه قد انحرفت قليلاً إلى الشرق عن مثيلاتها في المعبد الأول.

ولقد وجدنا أنه من المفيد اعادة رسم مخطط أرضي لمعبد الطبقة الرابعة معتمدين بذلك على الصورة والقياسات المتوفرة.

معبد الطبقة الثالثة(المعبد الأول) شيدت جدارن المعبد الأول من لبن كبير الحجم نسبياً (44×40×10سم) على أسس ضخمة من الحصى الكبير، أن جدران المعبد الضخمة البالغ سمكها 3م قد لطشت بالطين من الخارج والداخل ولأكثر من مرة. لقد وجد ان معظم جدران المعبد هذه قد تكسرت في أماكن عديدة نتيجة للحفر النازلة من أعلى وفي أوقات مختلفة. لقد كانت الأوجه الخارجية لجدارن هذا المعبد على ما يظهر مزينة بتغضنات معمارية(Buttresses and Recesses) كما هو مألوف في معابد العراق القديم، ومما يؤكد هذا الرأي وجود حنية (دخلةRecess ) عرضها 2.6م قرب الزاوية الغربية للجدار الجنوبي الغربي من الخارج، وكذلك طبيعة مدخل هذا المعبد الفخم المزين بهذه التغضنات، وعددها ستة في كل ركن من ركني المدخل. أن عرض فتحة المدخل هذا 1.60م فقط، ومن الجدير الإشارة إليه أن أرضية هذا المدخل عليها آثار حريق وتنتشر هذه الآثار إلى الفسحة الكائنة أمامه من الخارج. ومن بين تفاصيل غرفة المعبد نفسها مساطب قليلة الارتفاع مشيدة من اللبن لصق أسافل جدران المعبد، عرض المسطبة 40 سم بارتفاع 25 سم، كما تتوسط الغرفة دكة للقرابين من اللبن أيضاً، طولها 2.3م بعرض 1.1 م. وتتوسط الضلع الشمالي الغربي حنية المحراب التي عرضها 2 م وترتفع قاعدتها عن أرضية الغرفة 30 سم تؤلف ضلعاً حنية المحراب تغضنات متعاقبة عرض كل واحدة 20 سم ، ويشاهد إلى يمين الداخل إلى غرفة المعبد بناء من الطابوق الصغير الحجم(30×25×6سم) اسطواني الشكل كائن لصق الزاوية الشمالية للغرفة عميقة 1.5م بقطر 90سم من المحتمل أن يكون هذا البناء الاسطواني محلاً للماء الذي يستعمل لاغراض عقائدية، كما أنه من الجائز أن يكون موضعاً لصنارة باب المعبد؟ ولكن الاحتمال الأول أقرب إلى الواقع.

معبد الطبقة الرابعة(المعبد الثاني): ترفع بناية المعبد الثاني مسطبة متدرجة من اللبن يتراوح عدد سوفها بين 6-12 ساف، وارتفاع الساف الواحد من هذه المسطبة يتراوح بين 10-12سم لقد اقتطعت هذه المسطبة المتدرجة في بقايا الطبقة الخامسة أن جدران هذا المعبد ضخمة عريضة ولكنها قد اقتطعت في أكثر من محل واحد من قبل بناءة المعبد الأول، وجدران المعبد الثاني ليست بثخن واحد: فالجدار الجنوبي الغربي سمكه 2م والشمالي الشرقي 3.25سك بينما ثخن الجدار الجنوبي الشرقي 3.5سم، ويلاحظ في صلب الجدار الجنوبي الغربي من الخارج وقرب نهايته حنية Recess بداخلها ثلاثة أنصاف أعمدة من اللبن محاطة من الجانبين بتغضنات كما أن هناك مزيداً من بقايا لحنايا أخرى في صلب جدران المعبد تظهر خاصة في الزاوية الجنوبية وهذا دليل واضح يؤكد كون الجدران الخارجية للمعبد الثاني مزدانه بهذا النوع من التغضنات المعمارية كما هو مقترح في المخطط الأرضي لهذه المعبد.

لم نقف على أية تفاصيل لمدخل المعبد الثاني وذلك بسبب التهديمات التي تعرض لها فلا أثر هنا للتزيينات التي تظهر في مدخل المعبد الأول ومن الممكن الافتراض بأن ذلك المدخل لم يكن أقل مهابة (أن لم يكن افخم قياساً على التزيينات المعمارية في جدرانه من الخارج والداخل من مدخل معبد الطبقة الثالثة. أن أبعاد غرفة المعبد الثاني من الداخل كما يلي:

الطول 10 م والعرض 6.5م، ولقد وجدت تفاصيل هذه القاعة سليمة إلى درجة كبيرة، أن حنية المحراب هنا أكبر قليلاً مما كانت عليه في المعبد الأول كما أنها قد اتخذت في وسط الضلع الجنوبية الشرقية بعكس مكانها في معبد الطبقة الثالثة توجد أمام حنية المحراب دكة قليلة الارتفاع (ارتفاعها20 سم) طولها بعرض الغرفة نفسها (6.5م) وعرضها 2م، تحيط بأسفل جدران غرفة المعبد من الداخل مساطب قليلة الارتفاع بعرض 40سم والمتبقي من ارتفاعها 13سم، 17سم 22سم لصق الاضلاع الشمالي الغربي والشمالي الشرقي والجنوبي الشرقي على التوالي وتتوسط غرفة المعبد دكة للقرابين مربعة الشكل طول ضلعها 175سم وارتفاعها 32سم تزين الأوجه الداخلية لأضلاع قاعة المعبد الثاني انصاف اسطوانات من اللبن: ففي كل من الضلعين الطويلين ثلاثة مجاميع من انصاف الاسطوانات هذه تفصل بينها مسافات متساوية وأما الضلع الشمالي الغربي القصير فيحتوي على مجموعتين فقط من هذه التزيينات: أن المجموعة التي تواجه المدخل في الضلع الجنوبي الغربي الطويل قد تآكلت، أن عرض كل نصف عمود 40 سم بثخن 14 سم، من الملاحظ أن أرضية مدخل هذا المعبد تحوي آثارا ًلحريق تماماً كما كان الحال في أرضي مدخل المعبد الأول أيضاً.
بالرغم من ارتفاع المسطبة المتدرجة التي ترفع جدران هذا المعبد فأن مستوى أرضية الطبقة الرابعة خارج المعبد أعلى مما هي داخل غرفته مما أدى إلى وجود انحدار ملحوظ في مستوى الدروب المتجهة نحو المعبد في جميع الجهات وهذا مظهر واضح ومتوقع في الابنية الدينية التي يدوم استخدامها عادة لفترات أطول بكثير مما هو الحال في بقية أبنية ودور سكنى الطبقة أو الدور البنائي الكائنة فيه مع تكرار تجديدها وادامتها لعدة أدوار زمنية أحياناً، أن هناك دوراً بنائياً أقدم عهدا من غرفة المعبد الثاني تمكنا من الوصول إليه في الأيام الأخيرة القليلة من موسم التنقيب الأول وذلك باحداث حفرة دراسية صغيرة في أرضية لمعبد الثاني قادتنا إلى الوقوف على بعض تفاصيل البناء الكائن تحته مباشرة

(1) كان السيد صبري شكري من مفتشي مديرية الآثار العراقية السابقين قد قام في سنة 1950 بتثبيت المواقع الأثرية في منطقتي رانية ومرزة رستم كجزء من المنهاج العام لمديرية الاثار العامة في احصاء المواقع الأثرية في جميع انحاء القطر قبل انجاز اعمال تسوية حقوق الأراضي من قبل مديرية التسوية العامة.

(2) عبد القادر التكريتي: سومر مجلد16(1960) ص93-160

 

هارولد انكلولت: سومر مجلد 12(1957) ص 214-215.

يون لاسو: سومر مجلد 15(1959) 15-18.

يون لاسو: سومر مجلد16(190) ص12-19.

بيدر مورتنسن: سومر مجلد18(1962) ص76-80.

بيدرمورتنستن: سومر مجلد 20(1964) ص28-36.

بهنام أبو الصوف: سومر مجلد20(1964) ص27-42.

 

 

Save

Write comment (0 Comments)

الارشيف الصوري

أخر أصدارات المكتبة

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker