سلام طه

الآثار العراقية سيرة حياة الحضارة وسجلُّها المجيد - ملحق الشبكة العراقية

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

بقلم ريا عاصي

 مجلة الشبكة العراقية ( اضغط هنا من فضلك )3 2

أذكر ذلك اليوم جيداً، يوم كان عمر ابني 13 عاماً، وكان يتعافى من ثقوب أطاحت بذاكرته بعد أن شهد مقتل جارنا أمام عينيه، ومرّ بجثّة ملقاة في طريق مدرسته الابتدائية، أراد حينها أن ينسى شيئاً اسمه العراق، وهو الذي لم يعش داخله الا أعوامه العشرة الأولى، وقف ابني في مدرسته الحديثة في إحدى مدن المنفى أمام طلبة صفه ومعلم التاريخ ليريهم صورة بعد أخرى متحدثاً عن سومر وبابل وأوروك وأول حرف كتابة، وأنهى عرضه بصورة كلكامش التي وقف قربها وقال: إنني أنتمي لهذا الرجل فأنا ابن أوروك العراق. يومها عرفت حقاً أهمية التاريخ.


أين يقع المتحف الوطني العراقي؟
بعد أن كلفني مدير التحرير بكتابة موضوع عن المتحف العراقي، نشرتُ صورة لي داخل أروقة المتحف العراقي في إحدى مجموعات الفيسبوك وسألت: أين تتوقع هذه الصورة؟ علق على منشوري هذا خمسون شخصاً، أغلبهم توقعوا أن تكون التُقطت في احدى قاعات متاحف أوروبا، خمسة منهم فقط عرفوا أنها في المتحف العراقي، لكن الذي أصابني بالذهول هو أن عشر فتيات سألنني: أين يقع هذا المتحف؟
في بلد خطّ فيه الحرف الأول في العالم وقدم للبشرية العجلة وقياس الزمن، ما يزال بعض أبنائه يجهلون اليوم اين يقع متحفه الوطني الذي يضم كنوز أسلاف هذه الأرض التي يمتد جذر تاريخها 7000 عام في عمق التاريخ. فمن المسؤول عن هذا الجهل والإهمال يا ترى؟

 

أين الآثار العراقية؟ ومن يحميها؟
صرح رئيس الوزراء الدكتور عادل عبد المهدي، في مؤتمره الصحفي أثناء زيارته الأخيرة للمتحف الوطني بتاريخ 11 حزيران 2019 “أن العدوان الذي حصل على العراق لم يكن فقط عدواناً على المدن والقرى والأهالي، ولكنهم حاولوا تدمير الأثر العراقي والذاكرة العراقية، والشعوب التي تنقطع عن ذاكرتها يتهدم لديها الكثير، لذا نحن نحاول استعادة الآثار العراقية المهرّبة، وهناك 15 ألف قطعة أثرية جاهزة للشحن من الولايات المتحدة الأميركية استعيدت وسلمت للسفارة العراقية في واشنطن.” وفي المؤتمر نفسه تحدث وزير الثقافة والسياحة والآثار الدكتور عبد الأمير الحمداني مبيناً أن هذه السرقات جرت في التسعينات من المحافظات الجنوبية، قرابة عشرة آلاف قطعة تمثل رقيمات طينية وبعضها سرقت بعد عام 2003 من قبل شركة أميركية، تمت ملاحقتها واستعادة الآثار المسروقة منها، والعالم اليوم يقف معنا في استعادة آثارنا، كما أن الأردن سلمتنا 1300 قطعة أثرية بعد أن وقعنا معهم معاهدة للتعاون بإعادة الآثار العراقية.


متى بدأت سرقة آثار العراق؟
متى بدأ نهب الآثار؟ سؤال توجهت به “مجلة الشبكة” للباحث العراقي عبد السلام صبحي طه، مترجم كتاب (الكارثة ..نهب آثار العراق) فأجاب:
“جريمة نهب الآثار في العراق لها جذور ترقى الى بدايات الألفية الميلادية الثانية، جراء فضول الرحّالة حينها، ففي عام 1160 زار الرحّالة بنيامين التطيلي، وهو يهودي من الأندلس، بابل ونينوى ووصف المدينتين، ولدينا من الرحالة العرب ابن بطوطة وياقوت الحموي اللذان أثارت كتاباتهما ووصفهما للبلاد فضول العديد من الرحّالة والمهتمين الأوربيين، اذ يرد ذكر العراق في الكتب الدينية والكلاسيكية على نحوٍ غامض، حتى جاء الرحالة الإيطالي بيترو ديلافالي الذي زار العراق عام 1620، وبعده جاء كارستن نيبور عام 1765م واستنسخ كتابات مسمارية، تلاه الفرنسي ميشو الذي أخذ معه (حجر ميشو) الشهير وهو حجر حدود (كودورو) ومن بعده الأب دوشامب من الكنيسة الفرنسية الذي اكتشف أسد بابل عام 1785.” وأوضح طه: “بعد هذه المرحلة بدأت الدول الأوروبية تهتم بإرسال باحثين ولم تكن الكتابة المسمارية حينها مقروءة بعد، في منتصف القرن التاسع عشر أرسلت حكومة فرنسا بول إميل بوتا الذي شَحنَ أول الثيران المجنحة الى اللوفر في باريس، ومن بعده أرسلت بريطانيا الحفّار اوستن هنري لايارد في 1845 واستطاعوا أن يحصلوا على إذن بالحفر من موظف رفيع في الأستانة (اسطنبول) وكان العراق حينها تحت الاحتلال العثماني، ورد في رسالة الأستانة (يرجى تسهيل مهمة اوستن هنري لايارد في الحفر في خرائب الصحراء واستخراج الأحجار المدفونة وإرسالها الى بريطانيا). وأضاف: بهذه الورقة نُهبت آثار نينوى ونمرود وأُفرغت قصورها وتم شحنها الى بريطانيا، كما أن لهذه الورقة اثر كبير في نهب كثير من الآثار. وفي عهد المس بيل كان يتم تقسيم اللقى التي يتم العثور عليها مناصفة، إن كانت منها نسختان، فنسخة الى العراق والأخرى لبريطانيا، وإن كانت وحيدة فتبقى في العراق أو يعمل بها قرعة بـ(الطرّة والكتبة). “في عام 1889 دخلت البعثة الألمانية التي ترأسها مهندس معماري اسمه روبرت كولدفي، ويعد ذلك التاريخ البداية الحقيقية لعلم التنقيب، وقد اكتشفت البعثة بوابة عشتار وشارع الموكب الذي اسمه يعني “لن يمر الغزاة”، وعمل كولدفي حتى بدء الحرب العالمية الأولى عام 1914 فترك كل ما تم العثور عليه في صناديق خشبية، وعند قيام الدولة العراقية وافقت المس بيل التي كانت تدير المتحف العراقي الذي أقيم في الرصافة وهو (المتحف البغدادي اليوم) على شحن هذه الصناديق الى برلين بحجة الصيانة، ولم تعد حتى يومنا هذا، وهو ما نشاهده اليوم من بوابة عشتار داخل متحف برلين.”


قانون الآثار العراقي
الدكتور عبد الهادي فنجان مدير قسم النشر في مديرية الآثار قال: “في عام 1922 سُنّ أول قانون يحمي الآثار العراقية ووقع عليه الملك فيصل الأول وكانت المس بيل هي مديرة المتحف آنذاك، وفي عام 1936 بعد استقلال العراق تشكلت اللبنة الأولى لدار الآثار العراقية وتم تطوير قانون حماية الآثار وأرسلت الوجبة الأولى من الطلبة الى الخارج لدراسة الآثار وهم فؤاد سفر وطه باقر اللذان شكّلا الرعيل الاول من المنقبين الآثاريين العراقيين، فقد حافظ كلاهما على آثار البلد وحالا دون نبشها وسلبها مدة خمسين عاماً، كما افتتحا قسم الآثار في كلية العلوم والآداب آنذاك في بداية خمسينات القرن المنصرم ناهيك عن أعمالهما في التنقيب والبحث التي أضافت للمتحف وللعراق آثاراً وكنوزاً مهمة فضلاً عن الدراسات والبحوث التي أجريت في وقتهما وبعده.”
وعن عودة أعمال نبش الآثار العراقية وتهريبها، سألنا الأستاذ عبد السلام صبحي طه، فأجاب:
“زادت عمليات نبش الآثار العراقية وتهريبها في تسعينات القرن المنصرم وذلك لضعف سيطرة الدولة، ونتيجة تهميش المواطن العراقي وتجويعه جرّاء الحروب والحصار، وعلينا أن نعترف بضمور الوعي عند بعض المواطنين، وثمة اعتقاد خاطئ مفاده أن أي شيء له علاقة بالآثار مرتبطٌ حتماً بالسلطة، الأمر الذي عدّه المتاجرون بالآثار مسوّغاً للحفر والنبش والتهريب، لاسيما بوجود مشترين مهتمين من تجار الانتيكات، وهؤلاء بدورهم يهربونها إلى خارج حدود العراق لتذهب الى مؤسسات ومتاحف وجامعي آثار تهمهم قيمة هذه الآثار النفيسة لندرتها، كما أن بعض سكان الأماكن والقرى النائية ليس لديهم وعي كافٍ بأهمية الآثار التاريخية والوطنية.
•كيف يمكن إعادة هذا الوعي؟ ومن هي الجهات المستفيدة من نهب آثار العراق؟
“الآن أكاد أجزم أن أغلب دول العالم (ولن أعمم بالطبع) يحسدنا ويتمنى أن يرى إرثنا مسروقاً أو مهرباً الى بلادهم لأنهم يعتقدون أننا ببساطة لا نستحقه، فنحن بالنسبة لهم مجرد ورثة محل انتيكات ثمينة. إن الذي جاء متأبطاً التوراة في القرن التاسع عشر هو سَلف من يسرق الآن بذرائع شتى، سيّان إذا كان بروفسوراً في جامعة مرموقة أو موظفاً في دار مزادات في الجادة الخامسة في نيويورك أو لورداً بريطانياً حارب جدُه العثمانيين في الكوت… في قلب الظلام تجد الجوهر ذاته.”
ويوضح صبحي طه: “ما لدينا من إرث لأسلافنا العراقيين القدماء محروس ومحفوظ الآن في مخازن متاحف الغرب بقوة الأساطيل والعسكر ومنظومة قوانين دولية هم من سنّها وفرضها ولم يستشيرونا بها. هذه الأساطيل هي ذاتها التي دمرت وسحقت العراق وأهله، ويقف عملاؤها خلف الحدود لشراء هذا الإرث من نفر ضال باع ضميره الوطني، والمستهجن حقاً أن بعض هؤلاء المشترين مؤسسات أكاديمية مرموقة وعائلات ارستقراطية عريقة.
ويضيف: “المطلوب إيصال الإنسان العراقي إلى مرحلة اليأس من إمكانية الحفاظ على إرث أسلافه، وهذا خطاب شائع اليوم وله منظّرون حتى من نخب المثقفين العراقيين مع الأسف الشديد، إذ يشيعون أن الغرب أحرص منا على إرثنا ولولاهم لضاع كل شيء!. هذا اليأس له روافد على الأرض، منها وضع الإنسان غير المناسب في المكان المناسب وتكبيل الكفاءات الوطنية وتقويض الانتماء الوطني والشعور الجمعي بالهوية الوطنية والذاكرة المقدسة ووحدة البلاد. اليوم توجد ماكنات إعلامية تضخ أفكاراً مسمومة تشجع بعض الأخوة على القول إنهم أحفاد الآشوريين أو البابليين وأنهم ليسوا بعراقيين، وأن الأكراد آريون، وأن عرب الجنوب سومريون ولا علاقة لهم بسكان العراق، أما الأكديون فهم محض بدو من شبه الجزيرة، أي بالمختصر أن ما تحت الأرض ليس لنا وعلينا التسليم بعدم أحقيتنا في الفخر به أو الحفاظ عليه ومنحهم كل الإجازات للتنقيب وربما غض النظر عن المسروق منه كما طُلِب من وفد العراق في مؤتمر علم الآشوريات العالمي ذات مرة.


ويعود الدكتور عبد الهادي فنجان مدير قسم النشر في مديرية الآثار فيحدثنا قائلاً: “توجد في مكتبة المتحف غرفة تسمى غرفة التنقيبات وتوجد داخلها كل نتائج التنقيبات التي مرت على العراق وتقاريركل التنقيبات، فمثلاً توجد خارطة للإخيضر عليها كتابات “لايارد” و “مس بيل” وكل من اهتم وبحث عن الإخيضر، لذلك مكتبة المتحف هي كالمتحف نفسه في الأهمية، فكل كتاب داخلها هو كنز من كنوز المعرفة، لكن للأسف لا يزورها إلا طلبة الدراسات العليا، في حين كانت تعج بالمنقبين والباحثين عن الآثار.”
يضيف فنجان: “مجلة سومر التي تعنى بالآثار العراقية والتنقيبات والبحوث (أسست عام 1945) ما زالت تصدر، وقد أصدرنا العدد (63)، أنجز قسم النشر فيها موسوعة آثارية اعتماداً على أعداد مجلة سومر الثلاثة والستين، وقد صنفنا البحوث على وفق منهج معين، فمثلاً هناك 1300 صفحة طُبعتْ في أربعة مجلدات عن كل ما كتب وقدم وتم التنقيب عنه مثلاً في بغداد، ومثل هذا الإجراء المنهجي طُبق على الإخيضر وكلكامش والطوفان والمدائن، وقد تولّت إحدى المؤسسات العراقية طباعته وتسليم نسختين للمكتبة، ونحن مستمرون في هذا الجهد لتسهيل مهمة الباحث العراقي.”
• ما الذي يحتاجه قسمكم في دائرة الآثار؟
“نحتاج أشياء من قبيل الآليات مروراً بالتدريبات والمراجع والمباني، لكن ليست لدينا تخصيصات كافية للنهوض بالمكتبة.”


وفي حوار مع السيدة لمى ياس مدير عام المتاحف وكالة أخبرتنا الآتي:
“وزارة الثقافة تولي الآثار اهتماماً واسعاَ، لكن العقبة الحقيقية هي غياب الدعم المادي، يحتاج المتحف الى تدريب ملاكاته وتهيئة فريق متخصص بعلم الأنثروبولوجي يعي أهمية الآثار وكيفية النهوض بالعمل، ما زلنا غير محصنين بشكل يتيح لنا عرض كل مقتنيات المتحف العراقي المهمة، فمثلا كنز النمرود لا يمكننا عرضه بسبب تعرض المتحف العراقي للسرقة في أحداث 2003 وما تلاه من إرهاب، اذ نحن لا نعاني من سرقة المتحف فقط بل نعاني من سرقة مواقع أثرية كثيرة وتدميرها من قبل مجرمي داعش.”
تضيف السيدة لمى ياس: “نحن اليوم على اتصال مباشر مع متاحف العالم مثل اللوفر في باريس وبيرغامون في برلين ومتاحف الولايات المتحدة الأميركية لعمل رؤية مشتركة لما يحويه المتحف من كنوز من أجل عرض كنوزه بطريقة حضارية جديدة، وبدأنا بعمل دورات تدريبية لغرض تطوير العمل بشكل سريع.”
•هل استرد المتحف مقتنياته المسروقة؟وهل سرقت كنوز النمرود حقاً كما أشيع؟
“المتحف كما تعرفون تعرض للسرقة عام 2003 وقد سرقت 15000 قطعة استعدنا منها 2800 قطعة، من ضمنها قطع المفاتيح الأصلية للحضارات وما زلنا مستمرين وعازمين على إعادة كل ما سرق، ولكن كنوز النمرود لم تسرق لأنها كانت في مواقع بديلة وما زالت محفوظة في مكان آمن الى حين تحسين وضع المتحف وتجهيزه وتطوير آلياته التي تحمي نفائسه.”
•اعلن وزير الثقافة والآثار عن النية في زيادة ساعات افتتاح المتحف، فهل تتوفر لديكم ملاكات كافية لذلك؟
“العمل جارٍ على تهيئة ملاكات المتحف العراقي لتقسيم المهام، فالأمر سيتطلب منا العمل صباحاً ومساءً وأثناء العطل، لكننا قادرون على ذلك قياساً الى أعداد زوار المتحف حاليا”، ويقف عائقاً أيضاً ضيق مساحة المتحف العراقي وعدم وجود عارضات محمية تكفي لعرض الآثار بصورة فنية وحديثة وتصون الاثر.”
•كيف نعيد للعراقي اهتمامه بآثار العراق؟
“المتحف العراقي أغلق أبوابه منذ الثمانينات بسبب الحرب وبقي يفتح أبوابه ثم يغلقها، لذا لم تتكون وتتبلور لدينا ثقافة زيارة المتاحف والتعرف عن قرب على آثار العراق، لكننا نراهن على الطفل إذا تمكنّا أن نزرع في وعي هذه الأجيال أهمية المتحف وآثاره، فبعد عشر سنوات أو عشرين سنة سنحصد ثمار ذلك من زيادة في الوعي واهتمام العراقيين بإرثهم وهويتهم.”


حاولت مقابلة العاملين في المتحف، إلا أن التعليمات تقضي بمنع المقابلات الصحفية، لذا حاورت السيدة أمل بورتر، وهي الفنانة العراقية المقيمة في بريطانيا وكانت قد عملت خمسة عشر عاماً في المتحف العراقي قبل مغادرتها العراق، تقول بورتر:
“كان حلمي أن أعمل في المتحف العراقي لأنني كنت مولعة بقصص أحد أقارب أمي الآثاري الدكتورفرج بصمه جي الذي كان يزورنا في كركوك. تقدمت للعمل في المتحف قبل عام من افتتاحه أي في عام 1965، وعملت بنظام القطعة وكانت مهمتي مع زميلي مازن فؤاد سفر هي أن نساعد الشركة الأوروبية في توفير احتياجاتها من صور وخرائط وترتيب الخزائن وغيرها من المتطلبات، وكان المشرف على عملنا متخصصاً بولونياً يتكلم الانكليزية، وبعد افتتاح المتحف ثُبت أكثرنا وأصبحت موظفة بعد اجتياز مقابلة اختبار من مجلس الخدمة وتأكيد مديرية الآثار على خبرتي بالعمل في المتحف، عملت في قسم النشر والتصوير والقسم الثقافي والإشراف على المطبوعات.”
تضيف بورتر: “حزنت كثيراً على سرقة الآثار وأعلم بوجود سوق أوروبية معنية بشراء الآثار ولا تهمها مرجعيتها، لذلك عملتُ حملة أسميتها “أوقفوا المتاجرة بآثارنا” و”أحدّثُ” صفحتها وحدي وأجمع التواقيع وأقيم محاضرات توعوية، علّي أسهم في إعادة اي أثر مفقود”، واليوم تسعى وزارة الثقافة والسياحة والآثار إلى ضم مدينة بابل الأثرية إلى لائحة التراث العالمي، وتحويل سجن نكرة السلمان إلى معلم تراثي، وتحاول الوقوف بوجه من يحاول هدم البيوت التراثية، فالآثار والمحافظة عليها وإدامتها هي مهمة الجميع لا الوزارة وحدها ولا الحكومة، لأن الحكومات تتعاقب أما الآثار فتظلُّ تروي سيرة بلد عمره 7000 عام.”


في الختام يصر السيد طه على أن نمنحه القول الأخير، فيعقب بالقول :
لدينا الآن 15 ألف موقع أثري مسجل رسمياً في مسوحات هيئة الآثار، 1500 موقع منها فقط هي التي جرى استكشافها واستخراج كنوزها منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وقد سردنا في مكتشفات هذه المواقع سيرة البشرية وكيف علمناها الكتابة والمشي على درب الحضارة، بقيَ لنا 13500 موقع لم يمسس أياً منها معول حفار، فأيُّ قصص ستسرد هذه المواقع عن بلاد النهرين العظيمة التي بدأ منها التاريخ؟

Write comment (0 Comments)

وقائع ظهيرة بابلية في باكو

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
من وقائع المؤتمر 43 للتراث العالمي المنعقد في باكو ( عاصمة جمهورية اذربيجان )
تقرير موفد (العراق في التاريخ) عبدالسلام طه
 
conf baku 6
 
 
1- بابل : وفود امم الارض برمتها انحنت لبابل بمجرد لفظ الاسم ، دلفت القاعة بكامل ما تبقى من ابهتها ، كاميرة من بلاط امبراطوري قديم، الكل ترقرق الدمع من مآقيه لان ام الحضارات لاتزال شريدة وتعاني الاهمال، ممثل بوركينا فاسو مثلا قال هذه مهد ما نحن عليه الان ، عقب ممثل الصين بما معناه، علينا ان ننصف بلاد الحضارة الاولى و نرفع الحيف عنها. رئيس الجلسة ووزير الثقافة الاذري صرح للاعلام المحلي ، اتخذ القرار بالاجماع وبلا اعتراض : من سيتشرف بهذا الادراج بالنهاية بابل ام اليونسكو ؟- استغرقت المناقشات الجادة بالتفصيل الممل بحدود 17 دقيقة وهو اطول مدة من بين لكافة الملفات ، حال الانتهاء من التصويت خرجت القاعة برمتها لتهنئة الوفد العراقي وكلا التفصيلتين لم تحدث مع اي من الملفات الاخرى التي سبقت ملفنا.
2- الحمداني : نجح في قيادة فريق تفاوضي فني ، استلم ملفا سبق توزيره ولكنه كان مفاوضاً دبلوماسيا محترفا تمكن من اخراج الملف من عقدة ( موقع تراثي في خطر ) الى ادراج كامل غير مشروط، سوى تشكيل لجنة خبراء مشتركة مع الاي كوموس واليونسكو للتعاون .اللقاءات الجانبية مع رؤوساء الوفود وفرض الهيبة بالحضور والتحدث بالانكليزية بطلاقة كان لها دورها، ليس الامر متعلقا بشخص موظف واحد احد لا شريك له هو من قام بتهيئة الملف بنفسه بدعم من اولياء نعمته الفرنجة، كما يشاع من قبل اعوان هذا الموظف المسكين ولن ادخل في التفاصيل لانها مخجلة بحقه، فحذار يا هذا والشطط، انما هو منجز فريق كامل كما ورد في تصريح الوزير في التصريح الإعلامي ، اذكر منهم من حضر مع التقدير لمن لم يحضر ( د. اياد كاظم داود مدير قسم المنظمات الدولية في هيئة الاثار، الاثاري حسين فليج خليل مدير اثار بابل، د. محمد صبري من قسم التحريات في الهيئة ).وبالطبع الشكر موصول للرجل من اور ( د. الحمداني ) . ( الصورة في المنشور على اليسار للوفد الفني ).
3- زها حديد : كانت معنا ومن حولنا ( مركز حيدر علييف الثقافي ) ، اتمنى ان ما حصل من نجاح لبابل قرب فضائها المعماري سيبهجها في العالم الاخر. الصورة المرفقة للعمل النحتي من فناء المركز>
4- موقف العرب : تونس والكويت كانتا سندا اخويا في المناقشات لن ننسى لهما موقفهما ، موفد تونس بالذات جاهد بالنقاشات النهائية جهاد الصحابة ، كان و الحمداني يشكلان دويتو رائع. لكن دولة البحرين مع الاسف لم تكن تود لنا الخير كله وتبسمت بضيق.
5- ارقام : 83 % من بابل القديمة لا يزال غير منقب ، التصليحات الفنية التي شكلت عقدة كبيرة و نفذت في الثمانيات لا تشكل سوى نسبة بسيطة جدا من حجم الموقع ككل .لا يجوز ان نحكم بالكل المهدد بسبب جزء اعترف العراق بلا احترافية تنفيذه.والتزامه المالي دون منية لتنفيذ الصيانة الضرورية.
6- استنتاج : اغلب الجمهور العراقي شعر ببهجة وفرح ، حتى من لا يدرك ابعاد الامر، والاخر اخذ ينتف ريش الموضوع و ينتقص منه وله اسبابه وبعضها في جوهره ذو وجاهة عقلانيا لا تهريجيا، المهم اننا انتزعنا الاعتراف ( الصعب ) وقد بينت في منشور سابق ان لا يغيب عن بالنا لوهلة اسرائيل و اميركا كانوا سابقا بالمرصاد للموضوع من جهة ايديولوجية ( عقائدية ) باطنا، تنفيذية فنية ظاهرا.
7- محطتنا المقبلة، اعداد فريق وطني متكامل ومدرب احترافيا من الشباب ، لتحمل مسؤولية الملف التراثي الثقافي الغني لبلادهم كما هو حاصل مع بقية الفرق الدولية التي التقيناها بتوزيع المهام والمسؤوليات ، ولا بد من التقليل من حجم الانفاق على ضيوف  لا يوجد ضرورة لحضورهم من البرلمان ومجالس المحافظات للاستعراض الفج والمزاحمة على الكراسي امام الكاميرات.
 
 
 
 
 
Write comment (1 Comment)

يا أمي ساقص عليك الرؤيا ( قراءة صوتية باللغة الاكدية مع ترجمة بالعربية من اللوح الثاني لملحمة كلكامش )

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 1 / 5

تفعيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

 

Gilgamesh Enkidu cylinder seal2

طبعة ختم اسطواني تظهر مشاهد من الملحمة ( كلكامش يرفع الاسد الى اليسار  و انكيدو يمسك ثور السماء من قرنيه ) وقرص الاله شمش يتوسط المشهد  

قراءة في اللوح الثاني (الاسطر 1 الى 38 النسخة البابلية القديمة)  من ملحمة كلكامش * ، يستيقظ ملك اوروك من نومه وعليه طيف من غم ، لقد شاهد رؤيا مقلقة في منامه ، سيقصها على امه الالهة ( نن - سون ** ) ويطلب منها تفسيرا كي ترتاح روحه.
النسخة جزء من المشروع الصوتي للادب العراقي القديم ( جامعة سوس ) و تم اعتماد نسخة اندرو جورج ، طبعة جامعة اوكسفورد 2003.

( ملاحظة : الصورة المصاحبة للقراءة هي من طبعة ختم اسطواني و ليست لراكان دبدوب كما ورد سهوا ) ...

_______________________________________________________________________________________________

* كلكامش او بلكامش :  واسمه يعني كبير الجاموس (الثور المجلجل –    المعمر الذي يبقى شاباً – المحارب الذي في المقدمة – الرجل الذي سيُنبت شجرة.

**  ننسون او نين - سون : واسمها يعني  بقرة السماء

 

 

Write comment (0 Comments)

الألواح المسمارية البابلية في متحف " أرض التوراة " بالقدس

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم

نُشر المقال في العدد 121 من مجلة بين نهرين لشهر حزيران -  2019 ( لتحميل نسخة الكترونية من عدد المجلة - أضغط هنا )

لتحميل المقال فقط  ( أضغط هنا ) - سلسلة ذاكرة العراق في السوق السوداء

( النسخة ادناه خاصة بالمدونة -  مزيدة ومعززة بصور اكثر من نسخة المجلة )

 

عبد السلام صبحي طه

 

صورة 1  

عرض متحف "أرض التوراة او بلدان الكتاب القُدس " بمدينة القدس في شباط من العام 2015 ما يربو على 200 رقيماً طينياً مدوناً بالخط المسماري واللغة البابلية الحديثة، وترقى هذه الرُقم إلى العصر البابلي الحديث (الكلدي، القرن السادس ق.م). إدارة المتحف وضعت عبارة صريحة ضمن ادبيات المعرض مفادها هذه القطع تُعرض بأذن من مالكيها مقتني العاديات والقطع الأثرية القديمة والمتاحف المختصة بتاريخ اليهود.

 

بحسب موقع المتحف وما تم اشهاره عن العرض آنذاك فانه يُعد أحد اهم المعارض التي تمت استضافتها في إسرائيل 300px Al Yahudu Tablets3 croppedلخصوصية وندرة القطع الاثرية التي تُعرض علناً امام الجمهور، فقد اختص بتفاصيل حياة اليهود في مستوطن يرد باسم " آل ييُودو" باللغة البابلية ويعادله " قرية يهودو " بالعربية، ويقع على نهر الفرات بالقرب من مدينة بابل في العراق.

أقدم هذه الرُقم يرقى إلى عام 572 ق.م، بعد استقرار المرحلين اليهود من أورشليم (القدس) على يد العاهل البابلي الكلدي نبوكودري اوصّر الثاني ويعني اسمه ( ليؤازر الاله نابو  "حدود" البلاد )  (نبوخذ نصّر في العهد القديم)، وأحدثها يرقى إلى عام 477 ق. م حين كان الملك الاخميني احشويرش الأول في الحكم (485 إلى 465 ق. م )، أي بعد 6 عقود تقريباً من عودة المرحلين اليهود إلى أرض فلسطين على يد سلفه قورش، وهي بذلك تسبق زمن ظهور الكاتب اليهودي " عزرا " الذي جمع ودون نصوص مهمة في العهد القديم.

الكشف عن الألواح

أغلب الظن أن هذه الألواح لم يتم وضع اليد عليها، جراء تنقيبات رسمية موثقة وبعلم الحكومة العراقية، والارجح أنها قد تكون نُبشت ونهبت إبان عقد التسعينيات من القرن المنصرم، حيث بلغ النزيف في المواقع الاثرية أشدّه جراء الحصار الدولي الذي فُرِض على العراق، ولابد لنا من ان نذكر حادثة مختلفة متصلة بموضوع نبش مواقع ذات صلة بالمرحلين من فلسطين في شمال العراق ، وقد وردت على لسان آثاري عراقي، مفادها أنه في أواخر عقد التسعينيات من القرن المنصرم ، اتصل به حارس لتل أثري قرب قرية القوش، على أطراف الموصل، وابلغه أن التل قد جرى  كشطه بالكامل  !، وقد تم تثبيت الحادثة في سجلات دائرة الأثار المحلية آنذاك، ولا بد لنا ان نذكر حقيقة ان هذه المنطقة  كانت تحت سيطرة الاكراد منذ عام 1991.هذا التل هو موقع لمدينة تلموس tilmussu الاشورية  القديمة ضمن ناحية القوش ، ورد بالاسم ( گر جو ) باللغة الكردية  ويعني  “ تل اليهودية " بالعربية في دليل المواقع الاثرية في العراق  ( طبعة 1970 )  ، وكان يقطنها مرحلون يهود جلبهم من فلسطين العاهل الآشوري توكلتي أبلِ أيشّر ويعني اسمه " المتوكل على إبن الوريث " ( تيجلابليزر في العهد القديم ) الثالث (744 الى 727 ق. م).

 

صورة 3

 

ومن الجدير بالذكر أن المرة الأولى التي ذُكرت فيها هذه الرُقم المتعلقة بالمرّحلين في بابل ، كانت في عام 1999، وقد ورد الموضوع حينها في مقال لباحثين فرنسيين، استعرضا فيه تفاصيل عن حياة المرحلين، وذكروا في سياق المقال مقاطعة باسم "آل ييُودو"، وكان ذلك المقال جزءاً من بحث أكبر تُرجمت فيه ستة ألواح كانت في حوزة المقتني الإسرائيلي "شلومو موساييف “ ، والذي  شاب مجموعته الكثير من اللغط،  وقد فصلنا له في كتاب "الكارثة ، نهب آثار العراق وتدميرها" ومحاولاته المستميتة الاحتفاظ بقطعة اثرية ثبت عدم شرعية اقتنائها لها وعادت للعراق.

في بداية القرن الواحد والعشرين اتضح أن الأمر لا يشمل الرقُم الستة فقط، وانما هناك ما يربو على 200 رقيم أخر تعود الى مقتنِ اسمه (ديفيد صوفر [1]).

 

صورة 2

 

CUSAS 28 small 0

جرى عرض هذه الرُقم، على نحو علني، عام 2004، في متحف الشعب اليهودي (Beth Hatefutsoth) في تل أبيب من قبل الباحثة كاثلين إبراهام من جامعة بارإيلان ( Bar-Ilan University.    ) ، ونُشرت نتائج الترجمة وقراءات الألواح كاملةً من قبل الألمانية كورنيلا وونش، والأميركية ‘لوري بيرس عام 2014، واستُكمل العمل ونُشرت المجموعة كاملة في كتابين يحمل الأول عنوان "وثائق المرحلين من يهوذا والساميين الغربيين في بابل والتي في مجموعة ديفيد سوفر “، بدعم من جامعة كورنيل في نيويورك.وفي شباط عام 2015 عُقدت ندوة، نظمها قسم الدراسات الآشورية والسومرية في تلك الجامعة (CUSAS)، ترأسها البروفسر ديفيد اوين[2]، الذي ورد ذكره في مقالنا السابق في مجلة بين نهرين عن دراسته للرُقم المسمارية العراقية المشبوهة التي في حوزة متحف نابو اللبناني. تم نشر مؤلفين بالرُقم موضوع المقال وهي :

  1- "Documents of Judean Exiles and West Semites in Babylonia in the Collection of David Sofer” / Prof. Laurie Pearce

  2- “By the Rivers of Babylon,” by Horowitz, Yehoshua Greenberg and Peter Zilberg, published by the Bible Lands Museum.

 

 

تفاصيل عن حياة المستوطنين 
4

بحسب النصوص الواردة في الرُقم، فإن لقب "شوشانو" كان يطلق على جميع المرحلين من البلدان التي خاضت حروباً مع الدولة البابلية، وجرت إعادة توطينهم في إرجاء المملكة.

لفد جرى منح هؤلاء المرحلين أراضي زراعية جديدة بصيغة الاستئجار لقاء خدماتهم بالعمل فيها، مع منحهم الحرية بالتنقل، وكانوا يعتبرون مواطنين احراراً امام السلطات الحكومية البابلية والاخمينية التي تلتها، كما مُنحوا كامل الحرية في ممارسة النشاط التجاري والاختلاط والتمازج مع المجتمع الجديد.

كان الجميع مطالبين بدفع ضرائب بطريقة وأخرى، منها العمل في الحقول، وجرى تشغيل آخرين في نشاطات أخرى كعمال مأجورين للقيام بالحفر، وصيانة قنوات الري، ومنهم من عمل في الحدادة وصناعة الأقفال كما ورد في العهد القديم. ومع وجبة المرحلين عام 597 ق.م يبدو أن تشددا قد حصل معهم، واستُدعي تقنين حركتهم ومعاملتهم بشيء من قسوة، وتذكر النصوص أن الذين امتهنوا الزراعة قاموا بزراعة النخيل والشعير والحنطة والبهارات والكتان، ومن خلال مقارنة مستوى الأجور وحالتهم المعيشية نجد أنهم كانوا يُحسبون من ضمن الطبقات الدنيا اقتصاديا، ويظهر من خلال متابعة طريقتهم وأسلوبهم في العمل، أنهم كانوا يتبعون أسلوب البابليين، ولا يتقيدون بالضرورة بتعاليم العهد القديم.

 تظهر في بعض الألواح وثائق شراء وبيع وتأجير عقارات، فعلى سبيل المثال، يرد في احد الرُقم ان شخصا اسمه (يربي) جرت مقايضته بثور عمره 5 سنوات، وفي اللوح المرقم 52 باع شخص يُدعى (إقيشا) عبدة له بثلاث قطع من الفضة، وفي وثيقة أخرى استأجر (نهريايو بن اخي كام) بيتا بعشرة شيقلات فضة، جرى دفع نصفها في بداية السنة، والنصف الآخر في منتصفها، وقد وافق المستأجر على التعويض عن أي اضرار من الأساس إلى السقف.

وقد ظهر بين المرحلين بعض الميسورين وأصحاب النفوذ الاقتصادي في السوق، كعائلة (رافي بن سما يهوه)، والذي كان يعمل مرابي، ويقوم بجمع الضرائب، وتقديم القروض.

 

 

صورة 4

عطا الله في متحف القدس

في التفاته مهمة، قام رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو بزيارة المتحف واطلع بنفسه على المعروضات، وتوقف عند رقيم ورد فيه اسم عائلته مدوناً باللغة البابلية، والاسم فيه يقرأ: " نادن يهوه "، ويعني: أعطاني الاله أو عطا الله.

 

 

 

 

دلالات الأسماء الواردة في الرُقم البابليةcyrus le cylindre

المدهش في الأمر أن النصوص لم تأت على الحالات التي ذُكرت في العهد القديم من جهة إحساس المرحلين بالغربة ونحيبهم على حياتهم السابقة أو رغبتهم في العودة الى فلسطين، باستثناء إشارة وردت عن شخصين كانا يرغبان في العودة إلى "صهيون"، الأول اسمه "سيدور" وقد مُنح هذا الاسم لإعطائه الأمل بالعودة إلى فلسطين، والآخر اسمه "يا ئيل"، يذكر لوالديه في النص رغبته في العودة، وهو بذلك يتطابق مع ما ورد في أسطوانة قورش الأخميني (المحفوظة في المُتحف البريطاني - الصورة المقابلة مع ترجمة بالاسفل  النص المتعلق باعادة المرحلين والاسرى الى ديارهم ) عن المرحلين في بابل الراغبين بالعودة إلى فلسطين. وربما ان الدليل الوحيد على التزام اليهود المرحلين بهويتهم هو منحهم أسماء يهودية لأبنائهم المولودين الجدد مثل حنان، دانا، نتنياهو، يشوا، زادق (صادق).

يدّعي مؤرخو اليهود أن عدد المرحلين الكلي من فلسطين إلى بلاد النهرين يربو على 80 ألف شخص، وقد عاد عدد كبير منهم على يد قورش ومن تبعه من ملوك الأخمينيين، لكن من اختار البقاء كوّن ربما نواة لأحدى أقدم الجاليات في العراق منذ القرن السادس ق. م وحتى عام 1948م.

الملاحظة التي تسترعي الانتباه ان اليهود في بابل لم يتحرجوا من استبدال اسم إلههم القومي "يهوا" ب ـ"بعل" أو "بل" ، والتي تعني "السيد" بالبابلية، وهو لقب الاله القومي البابلي مردوخ.

 وكما في حالة الملك البابلي بل شار أوصر ( بيلشاصر )  والذي يعني (لينصر " بعل اي السيد "  الملك) و حمل الاسم التوراتي ( ياهوا شار أوصر )، بحسب ورده في قصة الحكيم اليهودي دانيال في العهد القديم.

 

 

أهمية دراسة هذه الألواح

تكمن أهمية دراسة هذه الألواح في أنها:

  • توفر توثيق مهم لفترة تاريخية حرجة تتعلق بالترحيل البابلي لليهود وبأسلوب المدرسة العراقية العريقة في التدوين والذي يحرص فيه كاتب اللوح على ذكر اسمه وتاريخ التدوين مع اسم الملك الحاكم وسنة حكمه آنذاك. في حين لم يرد نص عبري يرقى الى ذات العصر، لان تدوين العهد القديم حصل بعد العودة من بابل وباللغة الآرامية القديمة.
  • تعطي فكرة عن التلاقح الثقافي الذي حصل ما بين الوافدين الجدد والشعب البابلي، فهي تورد أسماء للمرحلين اليهود وتظهر كيفية انتقالها الى الأجيال اللاحقة ومديات تأثرها بالثقافة السائدة، وكذلك يرد فيها أسماء لمدن وقرى، تمنح الباحث فرصة المقارنة مع النص التوراتي.
  • كشف المغالطات والاكاذيب التي تم تسويقها منذ تدوين العهد القديم والى يومنا هذا عن المظلومية التاريخية في الشتات اليهودي، في حين تثبت تلك الالواح انهم كانوا يتمتعون بحقوق وامتيازات في الكثير من التعاملات التجارية والمالية بالإضافة الى الحرية في ممارسة المعتقد، حيث لم يرد فيها ممارسة أي نوع من ضغط لفرض عبادة البابليين على اليهود.

 

الموقف القانوني

لابد لنا ونحن ننهي هذه الدراسة المختصرة ان نطرح الأسئلة التالية التي ربما ستراود القارئ:

  • لماذا في هكذا توقيتات تظهر هذه القطع للسطح؟ وكيف حصل كل من ديفيد صوفر وشلومو موساييف على هذه الألواح ومتى تم لهما ذلك؟
  • ما هو موقف القانون الاسرائيلي المحلي من هذه الرُقم ان ثبُت بطلان تملكها من قبل المقتني، وهل يحق للعراق المطالبة رسمياً بها استنادا الى التشريعات الدولية التي اقرها مجلس الامن الدولي المختصة بحماية التراث الثقافي العراقي للاعوام ،1990 2003 و2014 بالإضافة الى تشريعات اليونسكو(منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة) في 1970 .
  • هل يمكن استخدام طاولة اليونسكو للتفاوض ما بين طرفين لا يوجد تمثيل او اعتراف دبلوماسي بينهما لغرض مناقشة حيثيات القطع اعلاه، بالرغم من الغاء الكيان الصهيوني عضويته في اليونسكو بداية العام الحالي، احتجاجا على قبول دولة فلسطين عضواً فيها.

 ____________________________________________________________

[1] ديفيد صوفر ثري يهودي شرقي وهو ابن جاثام صوفر الذي اشتهر خلال انهيار البورصة في 1980

 صورة 3 ب

لوحة تشكيلية تجسد قافلة من يهود فلسطين في طريقهن الى بلاد بابل كما ورد في سفر الملوك ( جي جي تيسوت - 1892 )

 

 

Write comment (2 Comments)

ثلاثة نصوص مسمارية حول حملة الاسكندرالمقدوني على بابل

كتب بواسطة: Super User on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

البحث منشور في مجلة آداب البصرة العدد 87 لسنة 2019 

logo basra

مجلة علمية مُحكّمة تصدر عن كلية الآداب - جامعة البصرة

 

عبد السلام صبحي طه 

ملخص البحث :

وردت أغلب الاخباريات عن حملة الاسكندر المقدوني على الشرق الادنى القديم وبلاد بابل من بينها  من خلال مدونات مؤرخين ورحالة عاشوا  بعد وفاته ولم يعاصروه، ومنهم (آريان من نيقوميديا ) و ( بلوتارخُس)، و ربما لم يتم التطرق او الاشارة الى التوثيق الاقدم عن الحملة الوارد في  النصوص المسمارية العراقية القديمة والمعروفة بـ ( السجلات الفلكية البابلية ) و التي دونها الكهنة الكلديين،وتضم الرُقم التي وثقوا فيها  الظواهر الفلكية بشكل شبه يومي ، و تتم الاشارة فيها  إلى أحداث متنوعة، منها على سبيل المثال، مستوى مياه نهر الفرات، الطقس، أسعار المواد الغذائية، والحوادث المتعلقة ببابل ومعابدها، و بالطبع كان للاحداث السياسية نصيب كبير حيث ان الظواهر الفلكية لا  تغيب عن التغيرات السياسية الهامة، كنوع من اشارات من قبل الالهة، يتلقفها الفلكي العارف بأسرارها ، ومنها ما سيرد في الرقيمات موضوع البحث.

في هذا البحث تم انتخاب ثلاثة رُقم من السجلات الفلكية البابلية وهي  من محفوظات المتحف البريطاني ، تغطي نصوصها بعض من  السنوات التي قضاها الاسكندر في حملاته على الشرق الادن  منذ معركته الشهيرة والفاصلة  مع الفرس  قرب (اربيل) ، نزولا باتجاه بابل و من بعدها توجهه نحو الشرق لاستكمال مشروعه الامبراطوري العالمي ومن ثم عودته الى بابل لترميمها واعتبارها عاصمة  مشروعه الجديد  ليموت  فيها

لتحميل نسخة الكترونية من البحث  كاملا ( أضغط هنا )

 

 

logo basra 2

 

 

 

 

Write comment (0 Comments)

عن متحف نابو في لبنان ونزيف الذاكرة العراقية

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم

نُشرت بالتعاون مع مجلة بين نهرين ( العدد 120 / آيار 2019 - لتحميل عدد المجلة كاملاً -  أضغط هنا  )

 لتحميل  المقالين ( متحف نابو  و لنوقف النزيف ) - (أضغط هنا )

عبد السلام صبحي طه

 

 ARO1967

 

افتُتِح في لبنان خريف العام المنصرم متحف يحمل الاسم (نابو *) وهو إله الكتابة والحكمة في العراق القديم و مسجل بحسب موقعه الالكتروني باسم مستثمرين ورجال أعمال وساسة وفنانين ( انظر صورة 1 المتحف المقابلة ) ، وتم إشراك فنانين عراقيين ذوي شأن في المشهد الفني عالـميًّا  كضياء العزاوي ومحمود العبيدي للمساهمة في جهد الإنشاء والتنظيم وكذلك عرض لوحات لفنانين تشكيليين من رواد العراق، أما الافتتاح فقد كان فخماً وارتقى إلى دعوة أعلى مراتب الدولة اللبنانية ممثلة برئيس الوزراء  سعد الحريري ومباركة وزارة الثقافة اللبنانية، و يبدو من خلال الأدبيات التي وزعت والموقع الإلكتروني للمتحف، أن المؤسسين لديهم رسالة نبيلة مفادها أنهم بوصفهم سكانًا أصلاء  لمنطقة الشرق الأدنى القديم فلهم كل الحق بالمحافظة على إرث بلادهم الشام وجارها العراق من الضياع والاهتمام بتوثيقه وعرضه.

من الجدير بالذكر أن المجموعة الآثارية للمتحف التي تناهز بحسب المراقبين ربما ما مجموعه 2000 قطعة مختلفة قد تم اقتنائها منذ العام 1990 بالشراء المباشر من دور المزادات والصالات العالمية وربما مصادر أخرى لم يتم التعريف بها، ومن ضمن مجموعة المتحف الاثرية، رُقم مسمارية طينية عراقية، تغطي مساحة زمنية طويلة جدًّا ترقى إلى عصر الدويلات السومرية، نزولاً الى العصر البابلي الوسيط ( 2600 وحتى 1100 ق.م )، يبلغ العدد الكلي لما نُشِر عنها رسميا لحد الآن 331 رقيمًا ، تم تحليل وقراءة و نشر نصوص تلك الرُقم على وجبتين من قبل عالم مسماريات يدعى ديفيد اوين **  من جامعة كورنيل في نيويورك، نشر السيد اوين دراسته الأولى بجزئين في (نيسايا ، المجلد 15 في العام 2013 ) وثق فيها قراءاته وتحليله لما مجموعه 144 رقيمًا شكلت الوجبة الأولى، أما الثانية والبالغة  187 رقيمًا فقد تم نشرها في  كتاب مستقل  مشاركة مع بيرتراند لافونت*** في الكتاب الموسوم  ( من ميسوبوتاميا إلى لبنان، الرقم المسمارية لمجموعة جواد عذره في متحف نابو، الهرّي، لبنان - جامعة بنيسلفانيا ،2019  - أضغط  لتحميل الدراسة)  ، من خلال الإحصائية الواردة في الكتاب أعلاه يمكن حصر  ما يربو على  100 رقيم تقريبًا تعود إلى موقع  أثري في وسط العراق يعرف بالاسم  إري-ساجرج ( Iri-sagrig )، لم يُسجل فيه تنقيب رسمي لحد الان، و لم يتم تحديد موقعه بالضبط (واطلق عليه اعلاميا المدينة المفقودة – انظر صورة 3 الخارطة المقابلة ) ولكنه أغلب الظن يقع في محافظة واسط  على ضفة المجرى القديم لنهر دجلة بالقرب من موقع مدينة أداب القديمة ويرقى زمنيًّا إلى عصر دولة أور الثالثة ( 2106 – 2000 ق.م )، أغلب نصوص هذه الرُقم عبارة عن مدونات اقتصادية وإدارية، تخص تفاصيل الحياة اليومية آنذاك، على سبيل المثال أحدها يذكر خطوات لابد من إجرائها لإصلاح الطريق الملكي وأخر يتحدث عن حصة كلاب القصر من الغذاء، ويبدو واضحًا أن لهذه الرُقم صلة بمجموعة أكبر منها تمت مصادرتها في الولايات المتحدة الأميركية، تحت اسم فضيحة متاجر هوبي لوبي الخاصة بمتحف الكتاب المقدس في واشنطن والتي نشرنا عنها مقالًا مفصلًا في مجلة الجديد اللندنية ( أضغط هنا )  ، تلك الصفقة التي أدارها ثلاثة تجار، اثنان من إسرائيل وواحد من دولة الإمارات ، وقد بلغ عدد القطع موضوع الصفقة ما يناهز 3800 قطعة،منها ما يربو على 450 رقيمًا مسماريًّا يعود لذات الموقع (إري – ساجرج)، والدولة العراقية بصدد إعادتها لوطنها الأم قريبًا من الولايات المتحدة الأميركية، وقد تعاون مكتب المدعي العام الأميركي في ولاية نيويورك بشكل فعال في اثبات لا شرعية تملك هذه القطع و السند القانوني الذي اتكأ عليه استنادا الى القرارات المحلية والدولية النافذة.

تندرج رُقم موقع ( اري –ساجرج )والرقُم الاخرى  بحسب المختصين تحت مسمى صريح هو ( أثار ربما تكون مسروقة ومهربة ومقتناه بطرق غير شرعية من أرضها الأم)بدلالة الإشارة المهمة في فقرة التقديم في الدراسة المنشورة مؤخرًا للسيد اوين عن الوجبة الثانية من مجموعة جواد عدره، من جهة حصول تضرر بالرُقم بسبب عدم احترافية (السارق أو الوسيط التاجر) خلال الخزن أو النقل،  وهذه إشارة صريحة الى راي الباحث بمصدر الرُقم، و من الجدير بالذكر أن هذه المنطقة وما جاورها قد تعرضت الى عمليات نهب كثيف ابان الحصار التسعيني و ما تلاه في مواقع ( اومّا- ام العقارب- اري ساجرج – اداب )

plan

 

وهذا يشكل اختراق علني للقوانين والتشريعات الدولية التي تحمي إرث الشعوب (اليونسكو في العام  1970) ، وقرارات مجلس الامن التالية  والمختصة بالعراق  ( الرقم 661 - العام  1990 )،( الرقم 1483 – العام  2003  )، جميع هذه التشريعات تلغي أي مجادلات لا طائل منها يحاول الحائزون طرحها من مثل المرسوم  اللبناني المحلي المرقم 3065 والصادر في العام 2016، الذي يسمح بالتصريح بالقطع الأثرية المملوكة وتسجيلها بدائرة الآثار اللبنانية ليتم منحها الغطاء الرسمي، ولكن السؤال: هل يستطيع قانون آثار محلي حماية ممتلكات ثقافية تعود إلى دول أخرى وتحكمها حزمة رصينة من التشريعات الأممية كما ذكرنا آنفًا؟ من الطريف أن نذكر أنه جراء المتابعات الحثيثة للقلق الذي انتاب المسؤولين عن المتحف فقد تم أما رفض التصريح بوجودها أو رفعها من صالات العرض،  للتخلص من تبعات اقتناءها غير الشرعي. من الجدير بالذكر ان هنالك قانون لبناني صادر لا يزال ساري المفعول بالرقم 651 لسنة 1926 والمعدل في سنة  1933  بشأن منع استيراد او تملك الاثار القديمة من فلسطين والعراق. بالإضافة الى حزمة أخرى مهمة تمنع تداول اثار هذه الدول بشكل غير شرعي والاحتفاظ بها داخل الدولة اللبنانية.

 

نعود الآن إلى الغايات النبيلة الظاهرة  لهذا المتحف والرغبة المعلنة للقائمين عليه  بالتصريح وعرض مقتنيات دول مستقلة كالعراق وسوريا  ذات سجل آثاري عريق، وهي خطوة خطيرة ستشجع على المزيد من النهب و التداول غير الشرعي بحجة عرضها في هكذا متاحف، وتلك هي معضلة النهب الاثري الكبرى، ونقصد بها فقدان السياق التاريخي – الزمني  للأثر ، حيث سيتم التعامل معه بوصفه قطعة نادرة منزوعة من رحمها، من دون سجلها التنقيبي، فتكون النتيجة الشاملة للفهم الآثاري منقوصة والقراءة للنتائج عرضة للتأويلات، وقد يشجع الأمر أن تم تمريره أو التعتيم عليه قسراً على افتتاح متاحف أخرى للقطع المسروقة بدعوى إظهارها في بنايات أنيقة بسلطة قانون محلي لن يتمكن من الوقوف بوجه التشريعات الدولية، أن عاجلاً أم آجلاً.

 تأسست أول سلطة آثارية في العراق في العام 1923 بافتتاح المُتحف العراقي، ومنذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا تراكمت الخبرة لدى أهل الاختصاص وهم الآن يديرون ملفهم بأنفسهم وبكفاءة، ومن يود أن يتعاون معهم، فالأولى به أن يتحلى بحكمة الاله نابو، و يقوم بإعادة غير مشروطة لكافة القطع التي يصعب اثبات شراءها عبر القنوات الرسمية في صالات ومخازن المتحف، وصناديق المصارف الحصينة المملوكة لمن به هوس اقتناء إرث الشعوب الأخرى بطريقة غير مشروعة، وأي اقتراح بتفاوض لإعادة القطع عبر بروتوكولات وتفاهمات مريبة أمر مرفوض، لأن هذه حيازة علنية لإرث مسروق،  لا يمكن تقبلها تحت أي مسمى أو تبرير، ولابد من الوقوف بصلابة بوجه هكذا محاولات تجريبية لجس النبض ومحاسبة القائمين عليها بقوة القانون لا التستر عليها،لانها ستسيء إلى هيبة الدولة اللبنانية وسمعة مؤسساتها الثقافية العريقة، فحقوق الشعوب لا تسقط بالترهيب أو التقادم.

 

conclusion

___________________________________________________________________________________________

 

*  نابو هو  إله الكتابة والحكمة في العراق القديم و زقورته في مدينة بورسبّا Borsippa أو برس نمرود والتي تقع الى الجنوب من مدينة بابل.

 

** ديفيد اوين: أكاديمي أميركي ، يرأس قسم دراسات الشرق الأدنى لجامعة كورنيل في نيويورك، و وقد ارتبط اسمه بفضيحة متعلقة بمجموعة الرُقُم المسمارية العراقية القديمة الشهيرة ب (رُقم جار- سانا ) والتي ثبتت سرقتها وتم إثبات تداولها بطريقة غير شرعية من قبل رجل الأعمال والمقتني الأميركي جوناثان روزين، وستعاد الى العراق قريبا ، و لهذا الباحث رأي يتلخص بأنه لا يجد ضيرًا في  قراءة ودراسة ونشر الرُقُم مهما كان مصدرها، لأنها مُلك لسائر البشرية وليست حكرًا على دول المصدر، وهو من القائلين بأولوية البحث والدراسة على عائدية الأثر الشرعية واخلاقيات العمل البحثي، للمزيد  انظر: الكارثة: نهب آثار العراق و تدميرها ( اضغط هنا )

 

*** بيرتراند لافونت : عالم آشوريات فرنسي مختص بتاريخ بلاد النهرين القديمة، ويعمل في المركز الوطني الفرنسي للابحاث.

Write comment (0 Comments)

العراق هبة النهرين و أكيتو عيده

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

نُشرت في جريدة بين نهرين العدد 119 ( تحميل العدد كاملا  )  - بتاريخ 17 نيسان  2019

العدد خصص صفحاته الاولى  لاحتفال العراق بعيد اكيتو يوما وطنيا و أطلاق أول بيت له في بغداد في ساحة الاحتفالات الكبري.

بقلم عبد السلام صبحي طه

 56615107 10157272530810990 513510571992154112 n

 

العراق هو هبة النهرين العظيمين دَجله والفرات، و كان أحد أولى الِبقاع التي حصل فيها التحول من حياة الصيد والترحال الى الزراعه والاستقرار، لذا فإن كل ما تعلق بالزرع والماء والنماء آنذاك، أعُتبِر مناسبةً لتقديم الشكر بتوقيتات مختلفةٍ، وعيد اكيتو قد يكون أقدمها بل وأهمها، فهو يتكرر مرتين بالسنة لارتَباطه بدورة الزراعة و إستمرار الحياة والمتأثرة بدورها بالقمر، فحركتَه السنوية بحسب عقيدتهم  تضمن للطبيعة توازنها من جهة اعتدال  الطقس و تساوي ساعات الليل والنهار،

إن أقدم إشارة كتابية للأكيتو عُثرعليها في مدينة أور (مدينة القمر) و ترقى الى النصف الثاني من الالف الثالث  قبل الميلاد.أما آخر إشارة اليه فكانت إباّن العصرالفِرثي في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد. إن العلامة المسمارية لكلمة (أكيتو) تم منحها دلالات مختلفة من قبل الباحثين ،  بعضهم قال بكونها تعني عيد السنة الجديدة واخرين بكونها مرتبطة بطقس متعلق بعناصر دورة الحياة  من ارض و ماء، وكان الاحتفال بالعيد إبان العصور السومرية المبكرة يقام في العراء ،خارج أسوار المدن وبالقرب من الأنهار  حيث حقول وقفيات المعابد ،تطورت الفكره  في العصور البابلية والآشورية اللاحقة واطلق عليه بالاكدية ( ريش شَتّي ( ويعني رأس السنة الجديدة ،وتم تشييد مبنىً خاصٍ له يدعى (بيت أكيتو) ، وهو المكان  المخصص لاحتفالات هذا العيد حيث يتم فيه تُقديم النذور والقرابين وجز صوف الخراف، وقد وجِدت أدلة عليه في حواضر العراق القديم  مثل أور– اوروك - أومّا - نيبور – بابل  -  آشور  - اربائيلو - نينوى.  

 وقد ورد في اللوح الثالث من ( ملحمة كلكامش )، إشارة واضحة لذلك حيث يعد كلكامش والدته ننسون بانه حال عودته من غابة الأرز فسيحتفي بالعيد مرتين بالسنة ، كان الاحتفال الأول يجري في الربيع حيث أول ظهور للقمر من منتصف  شهر آذار إلى منتصفِ شهر نيسان في تقويمنا الحالي ، وذلك تزامناً مع بدء ذوبان الثلوج في أعالي جبال العراق وامتلاء نهري دجلة والفرات وروافدهما بالماء ،.فيتهيأ الزرّاع لحصاد الشعير و تلقيح النخيل وولادة الخراف و جزالأصواف، تتغلغل هذه التفاصيل في جوهر الفكر الأسطوري العراقي، فيستحيل موسم الربيع الى مهرجان وجودي ترتدي فيه الارض حلتها الزاهية احتفاء بعودة الراعي دُموزي (تموز) إلى الحياة من جديد بعد مكوثه في العالم السفلي خلال فصل الشتاء، ومن ثُم إشهار إقترانهِ بإلاهة الخصب والحقول إينانّا (عشتار) ، وقد تطور هذا العيد من طقس زراعي – ديني إبان العصور السومرية الكلاسيكية في الالف الثالث قبل الميلاد إلى احتفال وطنيٍّ- سياسي بالسنة الجديدة خلال العصورالبابلية و الآشورية و كان يستمر لإحد عشر يوماً،  حيثُ يتم خلاله التجديد السنوي لحكم الملك الذي لا يكتمل الا بحضوره كرأس للسلطة ، ومن ضمن طقوسه  تلاوة قصة الخلق البابلية ( إينوما ايليش – حينما في العُلى ).

57294143 326133744754910 3580285395075596288 n

 

akitu nahren 119 1

akitu nahren 119 2

akitu nahren 119 3

akitu nahren 119 4

akitu nahren 119 5

akitu nahren 119 6

 

 

Write comment (0 Comments)

أكيتو عيد الربيع والسنة الجديدة في بيادر العراق

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

عبدالسلام صبحي طه

"الكاهنةُ المقدّسة التي خُلِقَتْ معَ السماواتِ والأرض، إينانّا، ابنةُ القمرِ البكر، سيدةُ  الصباح.. أُغنِّي لكِ"

 

أبهجنا معالي وزير الثقافة والسياحة والاثار العراقية الدكتور عبد الامير الحمداني بخبرٍ مفرحٍ مفاده نية الدولة العراقية إعتبار عيد اكيتو يوما  وطنياً،هذه المناسبة التاريخية المهمة المرتبطة بقدوم موسم الربيع والسنة البابلية - الآشورية الجديدة في بلاد النهرين. والتي نأمل ان يتم التعريف بها اعلامياً بما تستحقه من أهتمام، كجزء من حملة إحياء التراث الثقافي المغيب للبلاد من قبل الحكومات المتعاقبة، ليرسخ في ذاكرة أجيال المستقبل بمسماه الاصيل. سيتم الاحتفال فيساحة الاحتفالات الكبرى فوالذي تسلمت مسؤوليته  وزارة الثقافة العراقية.

 

 

إن أقدم إشارة كتابية لأكيتوعُثرعليها في مدينة أور السومرية ( أوريم - مدينة إله القمر ننار )  في النصف الثاني من الالف الثالث  قبل الميلاد. دلالة على إرتباط هذا العيد بشكلٍ وثيق بدورة القمر.

 أما آخر إشارة اليه فكانت إباّن العصرالفرثي في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد.

إذن في الأسبوع الأول من شهر نيسان لهذه السنة وبعد ما يقرب من اثنين وعشرين قرناً من الانقطاع، سيضاف ( يوم الأكيتو )  الى أعياد البلاد، ُمذكِراً بعقيدة اهلِه القدماء وموحداً لأحفادِهم على إختلاف مللِهم ونِحلهم، ومؤسِساُ لأعياد البلاد الوطنية الراسخة وألاصيلة بعيداً عن مآسي الإنقلابات العسكرية والعمليات السياسية المريبة.

إن العلامة المسمارية للكلمة ( أكيتوم - أكيتو- أكيتي ) لها دلالات متعلقة بالخصب،إذ كان الاحتفال بالعيد إبان العصور السومرية يقام في العراء ،خارج اسوار المدن وبالقرب من الانهار حيث حقول الآلهة،تطورت الفكره لاحقاً في العصور البابلية والآشورية،وتم تشييد مبنىٍ خاصٍ له يدعى (بيت الاكيتو) او ( بيت الصلاة ) ، وهو المكان الذي تجري فيه احتفالات الزواج المقدس وتُقديم النذور والقرابين، وقد وجِدت أدلة عليه في ارجاء حواضر العراق القديم  مثل أور– اوروك - نيبور – أدب – أومّا – بابل - آشور - اربائيلو و نينوى.

 

 

warka vase

 

شكل ( 1) إناء الوركاء النذري – يرقى الى أواخر الألف الرابع قبل الميلاد و ربما يوجز اقدم نسخة  لقصة خلق تلاها

ابناء النهرين على البشرية،القطعة الفخارية تبدو وكأنها احتفاليه مقدسة، تسجل في صفوف متراتبه بدقة، منذ أول انبثاق لفكرة معجزة

الخلق من الماء في أسفل الاناء ،صعوداً باتجاه طبقة الزرع والسنابل في الحقول،تليها الحيوانات، ثم البشر حاملي النذور

لتنتهي بالالهة في الاعلى و مشهد لملك ( كاهن )  يواجه إينانا آلهة الخصب و سيدة النواميس.

 

أهدى العراقيين الاوائل،الفكرة الاصلية لعيدهم هذا الى أمم العالم القديم والقوميات التابعة، من آسيا الوسطى الى فارس والاناضول ،وتم تحويرها  توقيتاً و تفصيلاً و تسميةً، لتناسب ثقافات تلك الشعوب واساطيرها ومواسم أعيادها كالنوروز الفارسي مثلاً و جذوره التي ترقى بالاصل الى العصرالاخميني إثر دخول قورش بلاد بابل عام 539 قبل الميلاد،حيث لم يرد في سجلات الفُرس التاريخية اي ذكر لهذا العيد قبل ذلك التاريخ حتى احتكاكهم  بالشعب البابلي ، أما ( النوروزاو اليوم الجديد ) المختص بالبطل الاسطوري الفارسي جمشيد  فقد ذُكِر لاول مره في ملحمة الفردوسي الشهيرة ( الشاهنامه ) عام 1000 ميلاديه.

العراق هوهبة  النهرين العظيمين دَجله والفرات، و كان أحد أولى الِبقاع التي حصل فيها الانقلاب من حياة الصيد والترحال الى الزراعه والاستقرار، لذا فإن كل ما تعلق بالزرع والماء والنماء آنذاك،أعُتبِرمناسبةً  لتقديم الشكر للآلهة بتوقيتات مختلفةٍ حتى يومنا هذا، وعيد الاكيتو قد يكون أقدمها بل وأهمها، فهو يتكرر مرتين بالسنة لارتَباطه بدورة الزراعة و إستمرار الحياة  والمتأثرة بدورها بالقمر،فحركتِه السنوية بحسب عقيدتهم  تضمن للطبيعة توازنها من جهة اعتدال  الطقس و تساوي ساعات الليل والنهار،الاحتفال الاول كان يجري في الربيع حيث أول ظهورللقمر من نهايه شهر آذار إلى منتصفِ شهر نيسان في تقويمنا الحالي ( آدارو -  نيشانو بالبابلية )، وذلك تزامناً مع بدء ذوبان الثلوج في أعالي جبال العراق وامتلاء نهري دجلة والفرات وروافدهما بالماء ( بركة إله المياه العذِبة والخلق إنكي السومري وهو إيّا بالاكدية ومنه حِيّا بالعربية)،.فيتهيأ الزرّاع لحصاد الشعير و تلقيح النخيل وولادة الخراف الجديده وجز الأصواف، تتغلغل هذه التفاصيل  في جوهر الفكرالأسطوري العراقي،فيستحيل موسم الربيع الى مهرجان وجودي ترتدي فيه الارض حلتها القشيبة أحتفاء بعودة الإله الراعي دُموزي (تموز) إلى الحياة من جديد بعد مكوثه في العالم السفلي خلال فصل الشتاء، ومن ثُم إشهار إقترانهِ بالإلهة إينانّا (عشتار) فيما يّعرف بالزواج المقدّس، وقد تطور هذا العيد من احتفال زراعي - طقسي  إبان العصور السومرية الكلاسيكية في الالف الثالث قبل الميلاد إلى احتفال وطنيٍّ- سياسي بالسنة الجديدة خلال العصورالبابلية و الآشورية و كان يستمر لإحد عشر يوماً، حيثُ يتم خلاله التجديد السنوي لحكم الملك بمباركة إله البلاد القومي(مردوخ) له وللأرض وغلتها و أهلِها، ومن ضمن طقوسه  تلاوة قصة الخلق البابلية ( إينوما ايليش – حينما في العُلى ) من قبل الكهنة.

أما إحتفال الاكيتو الثاني فكان يجري في الخريف حيث موسم بذار الحنطه والشعير في نهاية شهر أيلول الى منتصف تشرين الاول في تقويمنا الحالي ( أولولو - تشريتو بالبابلية) .

إن تجدد دورة الحياة السنوية كانت شريعة ثابتة في الفكرالعراقي القديم، يتغلب فيها النظام المُمَثل بالإله مردوخ (مهندس البناء الكوني )على الفوضى الممثلة بتيامات ( الإلهة البدئية) والتي يتجدد تهديدها لدورة الحياة كل سنة، ليستمر الصراع مع مردوخ،الذي ينتصر بالنهاية و يشطر جسدها الى أرض وسماء ويقوم بفصلهما من سُرة الأرض في بابل، ومن جوهر هذه الفكره استقت العقائد اللاحقة فكرة انبعاث الخلق الكوني من هيولى العماء.

 

طقس يوم الأكيتو

 

Banquet scene Orientak Inst

شكل ( 2 ) لوح نذري - يرقى الى منتصف الالف الثالث قبل الميلاد من معبد في خفاجي ( ديالى ) و يظهر فيه طقوس

الاحتفال بالاعياد في العراق القديم ،في الصف الاعلى من اليمين الملك ( الكاهن )  جلوسا قبالة زوجته و

الصف الوسطي حاملي النذور والقرابين وفي الصف الاخير، جوق عازفي الالات الموسيقية.

 

في يومِ رأسِ السنةِ الجديدة، يومُ الطقوس، يتجمّع ذوو الرؤوس السوداء ( شعبُ سومرَ ) في القصر، المنزلُ الذي يُرشِدُ الأرضَ. الملكُ يَبني عَرشاً لملكةِ القصرِ، يجلسُ إلى جانبها على العرش، ومن أجلِ رعايةِ الشعبِ في جميعِ الأراضي، يتمُّ مراقبةُ اليومِ الأول من الشهرِ الأولِ في السنةِ الجديدة. وفي يومِ اختفاءِ القمر، يجرى الاحتفالُ المقدّس والنواميسُ الإلهية. يومُ رأسِ السنةِ ، يومُ الطقوس، يتمُّ تحديدُهُ بدقّة، فالملكُ يدعو الناسَ لدخولِ القاعةِ العظيمة، الشعبُ يجلبُ النذورَ والطعامَ والأواني، يحرقونَ البخورَ وصمغَ العرعرِ، ويؤدون طقوسَ الإغتسال، يجمعونَ البخور زكيَّ الرائحة. الملكُ يحتضنُ عروسَهُ الحبيبة، دموزي يحتضنُ إينانا.

. إينانا، تجلسُ على العرشِ الملكي، تَشعُّ مثلَ ضوءِ النهار. الملكُ مثلَ شمسٍ، يُضيءُ بشكلٍ مشرقٍ بجانبِها، يجلبُ الوفرةَ والخصبَ والكثرةَ والنماء. الموسيقيون يعزفون للملكة، يعزفون الآلاتِ الصاخبة التي تغرِقُ العاصفة الجنوبية. يعزفون آلاتَ أليغار العذبة، مَفخَرةُ القصر. يعزفون الآلاتِ الوترية التي تَجلُبُ الفرح للناس جميعَهُم. ينشدون الأغاني لإينانّا ليفرَحَ قلبُها. الملكُ يَرفعُ يدَهُ آمراً بالطعام والشراب، دموزي يرفعُ يده آمراً بتناول الطعام والشراب، إنَّهُ يجمَعُ شعبَ سومر. البهجةُ تَنتشرُ في البلاد، القلوبُ تَتراقص فرحاً، القصرُ مضيءٌ، الملكُ فرحٌ. في المكانِ النظيف النقي يحتفلون بإينانّا ويتغنون. إنَّها زينةُ الجموع، إنَّها فرحُ سومر..! الناسُ يقضونَ اليومَ، رأسُ السنةِ الجديدة، في سعادةٍ غامرة. الملكُ يقفُ أمام الجموعِ بفرحٍ كبير. يشيدُ بإينانّا، ويمدحُ الآلهة والجموع:  

الكاهنةُ المقدّسة التي خُلِقَتْ معَ السماواتِ والأرض، إينانّا، ابنةُ القمرِ البكر، سيدةُ  المساء.. أُغنِّي لكِ"..

____________________________

مصادر

  • الأعياد في حضارة بلاد وادي الرافدين، د. راجحة خضر عباس التميمي
  • أكيتوعيد الربيع والسنة الجديدة ، د.عبد الأمير الحمداني
  • عقائد الحياة والخصب في الحضارة العراقية القديمة، د. نائل حنون
Write comment (0 Comments)

تجريف التاريخ، بقلم روبرت فسك

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

إنه موت التاريخ

بقلم : روبرت فيسك *                                                                                نُشرت في الاندبندنت البريطانية عدد 17 أيلول 2007

ترجمة : كادر" العراق في التاريخ" ( عبدالسلام صبحي طه و زهراء تحسين)

نُشرت على صفحات جريدة بين نهرين ، العدد 112 بتاريخ 21 شباطو 2019 ( اضغط هنا لتحميل المقال )

 

robert fisk3

 

يقوم اللصوص بنهب المدن السومرية التي يرقى زمنها إلى ألفي عام قبل الميلاد ويشرعون بتدميرها، والجدران الجبارة لأور الكلديين أخذت بالتصدع تحت ضغط الآليات الضخمة للقوات العسكرية، تمت خصصت النهب ما بين المُلاك الجدد للمواقع المتبقية من بلاد  النهرين القديمة لتجريدها من كنوزها الاثرية وثرواتها. إن التدمير شبه الكامل لماضي العراق التاريخي (مهد الحضارة الإنسانية ) هو واحد من أكثر الإشارات المخزية لاحتلالنا الكارثي.

تٌظهر الأدلة، أن كوادر التنقيب الآثاري العراقي التي تدربت كحفارين في نظام صدام حسين يقومون بتوظيف خبرتهم للإنضمام إلى اللصوص في حفر المدن القديمة ، وتدمير آلاف الجرار والزجاجيات وغيرها من القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن بحثاً عن الذهب و الكنوز الأخرى.

في أعقاب حرب الخليج عام 1991 ، انتقلت جيوش اللصوص إلى المدن الصحراوية في جنوب العراق وتم نهب 13 مُتحفًا عراقيًا على الأقل. اليوم ، كل موقع أثري في جنوب العراق تقريبا تحت سيطرة اللصوص.

في تقييم طويل سيتم نشره في ديسمبر ، تقول عالمة الآثار اللبنانية جوان فرشاخ ** :جوان

- "إن جيوش اللصوص لم تدع متراً واحداً من هذه المدن السومرية المدفونة تحت الرمال منذآلاف السنين إلّا ووصلت إليها أيديهم ، لقد دمروا بشكل منهجي بقايا هذه الحضارة من خلال  بحثهم الدؤوب عن القطع الأثرية القابلة للبيع،  تغطي  الحواضر القديمة،  مساحة تقديرية اجمالية  تبلغ 20 كيلومترا مربعا، والتي إذا تم التنقيب فيها  بشكل علمي وقانوني لوفرت معلومات جديدة وغنية عن تطور الجنس البشري" .

-"عملية بيع وشراء الألواح المسمارية أو المنحوتات أو قطعة مجوهرات  من قبل التجار في بلد دمرته الحرب ما هي الا خسارة للتاريخ البشري. إن البشرية تفقد تاريخها من أجل متعة جامعي القطع الاثرية الذين يعيشون بأمان في منازلهم الفاخرة ويطلبون قطع محددة لجمعها. "

تقول السيدة فرشاخ ، التي ساعدت في التحقيق الأصلي عن الكنوز المسروقة من متحف بغداد الأثري في أعقاب غزو العراق مباشرة ، --"إن العراق قد ينتهي قريباً بلا تاريخ."

-"هناك 10 ألآف موقع أثري في البلاد. 840 موقع سومري في منطقة الناصرية لوحدها   وقد تعرضت جميعها الى النهب الممنهج. حتى عندما كان الاسكندر الأكبر يدمر مدينة ما  فأنه كان يبني اخرى بديلاٍ عنها ، ولكن اللصوص الان يدمرون كل شيء ، والجديد هو أن اللصوص قد أصبحوا أكثر تنظيماً.

-"وبغض النظرعن كل هذا فإن العمليات العسكرية تلحق الضرر بهذه المواقع إلى الأبد. فهناك قاعدة أمريكية في أور منذ خمس سنوات والجدران أخذت بالتصدع بسبب وزن المركبات العسكرية. الامر اشبه بوضع موقع أثري تحت زلزال مستمر".

من بين المدن القديمة في العراق الحالي ،  فإن مدينة  أور تعتبر الأهم  في تاريخ البشرية  ،. وقد ورد ذكرها في العهد القديم ، ويعتقد الكثيرون أنها موطن النبي إبراهيم ،  كما تظهر بالاسم  "  كميرنا او مدينة القمر "  في أعمال المؤرخين والجغرافيين العرب، وقد تأسست بحدود  4000  قبل الميلاد ، أسس أهلها من السومريين مبادئ الري والزراعة المتقدمة والتعدين. بعد مرور حوالي الف وخمسمائة سنة  على تأسيسها (  في ما أصبح يعرف باسم  عصر الطوفان )،  أنتجت أور بعض الأمثلة الأولى للكتابة ونقوش الأختام والبناء. في لارسا المجاورة ، استُخدِم الطوب الطيني المشوي كنوع من حوالات مالية (الصكوك) الأولى في العالم )، تُشير مديات عمق غؤزة الإصبع في الطين إلى كمية النقود المطلوب تحويلها . احتوت المقابر الملكية في أور على مجوهرات وخناجر وذهب وأختام أسطوانية وفي بعض الأحيان بقايا من عظام العبيد.

وقد صرح ضباط أمريكيون في اكثر من مناسبة ، إن القاعدة الأمريكية الكبيرة التي بنيت في بابل كانت لحماية الموقع،  لكن عالمة الآثار العراقية زينب البحراني ، أستاذة تاريخ الفن والآثار في جامعة كولومبيا ، تقول :

-"الأضرار التي لحقت ببابل واسعة النطاق وغير قابلة للإصلاح ، وحتى لو أرادت القوات الأمريكية حمايتها ، فإن وضع حراس حول الموقع كان ليبدو أكثر منطقية بكثير من تجريفه وإقامة قاعدة عسكرية فيه "،  اذ ان هذه القاعدة هي مقر أكبر تواجد عسكري للتحالف في المنطقة".

تركت الغارات الجوية في عام 2003 المعالم التاريخية دون أضرار، ولكن الأستاذة البحراني تقول:

- "لقد أسفر الاحتلال عن تدمير هائل للتاريخ يتجاوز بكثير المتاحف والمكتبات التي نُهِبت ودُمِرت في خريف بغداد. وقد تم استخدام ما لا يقل عن سبعة مواقع تاريخية بهذه الطريقة من قبل الولايات المتحدة وقوات التحالف منذ نيسان أبريل 2003 ، واحداها كان القلب التاريخي لمدينة سامراء ، حيث تم قصف الضريح العسكري الذي بناه نصر الدين شاه في عام 2006. "

أن إستخدام المواقع التراثية والاثرية كقواعد عسكرية هو انتهاك لاتفاقية لاهاي وبروتوكول 1954 (الفصل 1 ، المادة 5) الذي يغطي فترات الاحتلال ؛ على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تصادق على الاتفاقية ، فإن إيطاليا وبولندا وأستراليا وهولندا ، أرسلت قواتها إلى العراق بالرغم من مصادقتهم على هذه الاتفاقية.

تلاحظ السيدة فرشاخ أنه مع اكتساب الأحزاب الدينية نفوذاً في جميع المحافظات العراقية ، فإن المواقع الأثرية  أخذت تقع تحت نفوذها. و تتحدث عن عبد الأمير الحمداني ***، مسؤول دائرة الآثار في محافظة ذي قار في الجنوب ، والذي حاول يائسا  ولكن بلا جدوى،  منع تدمير المدن الآثارية المدفونة أثناء الاحتلال. كتب السيد الحمداني أنه:

- " لا يمكنه فعل الكثير لمنع الكارثة التي نشهدها ونراقبها، في العام 2006 ، قمنا بتجنيد 200 من ضباط الشرطة لأننا 10385145 10203823956536263 1709511833 n iihكنا نحاول وقف عمليات النهب من خلال القيام بدوريات في المواقع الاثرية قدر المستطاع. معداتنا لم تكن كافية لهذه المهمة اذ لم يكن لدينا سوى ثماني سيارات وبعض الأسلحة وعدد قليل من أجهزة الإرسال للمحافظة بأكملها حيث تم جرد 800 موقع أثري، بالطبع ، هذا لا يكفي ، لكننا كنا نحاول أن نرسي بعض النظام حتى وصل الامر بعدم قدرتنا على دفع ثمن الوقود لحراسة المواقع بسبب القيود المالية المفروضة من قبل الحكومة لذلك انتهى الأمر في محاولة لمحاربة النهب  في مكاتبنا ، كان ذلك قبل أن تسيطر الأحزاب الدينية على جنوب العراق ".

في العام نفسه ، تلقت دائرة الآثار برئاسة السيد الحمداني إشعارًا من السلطات المحلية بالموافقة على إنشاء مصانع للطابوق في المناطق المحيطة بالمواقع الأثرية السومرية. لكن سرعان ما أصبح واضحا أن أصحاب المصانع ينوون شراء الأرض من الحكومة العراقية لأنها تغطي العديد من المدن السومرية وغيرها من المواقع الأثرية. كان المالك الجديد ليقوم بحفر الموقع الأثري ، اعادة عجن  الآجر الطيني القديم لتشكيل  طابوق جديد لتشييد المصنع ،  ومن ثم بيع اللقى الاثرية المكتشفة في الموقع  لتجار الاثار.

رفض السيد الحمداني بشجاعة التوقيع على الملف. تقول السيدة فرشاخ:

- "كان لرفضه عواقب وخيمة . فقد أرسلت الأحزاب الدينية المسيطرة على الناصرية الشرطة للقبض عليه بتهمة فساد وسُجن لمدة ثلاثة أشهر بانتظار المحاكمة. و قد دافعت عنه خلال محاكمته  هيئة الاثار والتراث الحكومية جنبا الى جنب عشيرته القوية النفوذ ،  فتم إطلاق سراحه واستعادة موقع مشروع  مصانع الطوب الطيني  ، وهو الآن من "المشاريع المجمدة" ، ولكن ظهرت تقارير تشير الى اتباع نفس الاستراتيجية في مدن أخرى وفي مواقع أثرية قريبة مثل عقرقوف قرب بغداد."

 إلى متى يمكن أن يحافظ علماء الآثار العراقيون على أدامة النظام ؟ هذا سؤال لا يمكن أن يجيب عنه سوى السياسيون العراقيون المنتسبون إلى مختلف الأحزاب الدينية ، لأنهم هم من يمنح الموافقة على هذه المشاريع ".

اما جهود الشرطة فأنها تعتبر مشلولة لكسر قوة اللصوص بعد ان اصبح لديهم دعم قوي من زعماء العشائر.

 في عام 2005 ، اعتقلت الجمارك العراقية ( بمساعدة القوات الغربية ) العديد من تجار الآثار في بلدة الفجر بالقرب من  مدينة الناصرية، وقد ضَبطوا معهم مئات القطع الأثرية وقرروا نقلها إلى المتحف في بغداد وكان هذا خطأ قاتلا.

فقد تم إيقاف القافلة على بعد بضعة أميال من بغداد، و قتل ثمانية من موظفي الجمارك ، وأحراق جثثهم ، التي تُركت لتتعفن في الصحراء. اختفت القطع الأثرية. تقول فرشاخ:

"لقد كانت رسالة واضحة من تجار الآثار إلى العالم".

جحافل من اللصوص يعملون الآن في تنظيم سلس للتهريب الجماعي. تنقل الشاحنات والسيارات والطائرات والقوارب ،  الموروث العراقي المنهوب ، متجهة  إلى أوروبا والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة واليابان. يقول علماء الآثار إن عددًا متزايدًا من مواقع الإنترنت  تقوم بعرض القطع الأثرية لبلاد النهرين قد يصل عمرها إلى 7000 عام.

لقد أصبح المزارعون في جنوب العراق الآن من اللصوص المحترفين ، فهم يعرفون كيفية رسم الخطوط العريضة لجدران المباني المدفونة ولهم القدرة على الحفر مباشرة في الغرف والمقابر. يذكر تقرير علماء الآثار:

-"لقد تم تدريبهم على كيفية سلب التاريخ من  العالم ، وهم يجنون أرباحًا كبيرة من هذا العمل".

بعد حرب الخليج عام 1991 ، استأجر علماء الآثار الحفارين النهابين السابقين كعمال ووعدوهم برواتب حكومية. عمل هذا على الحفاظ على المواقع ، ولكنه كان واحدا من الأسباب الرئيسية لتدميرها في وقت لاحق ؛ فقد تعلمموا الآن طرق التنقيب وما يمكنهم العثور عليه.

تضيف السيدة فرشاخ:

- "كلما طال بقاء العراق في حالة حرب ، كلما أصبح مهد الحضارة مهددًا. وقد لا يتبقى منه شيء حتى لأحفادنا ليتعلموا منه".

إن المجتمعات الريفية في العراق مختلفة جداً عن مجتمعاتنا. إن مفهومها للحضارات القديمة والتراث لا يتطابق مع المعايير التي وضعها علمائنا. يقتصر التاريخ  لديها على قصص وأمجاد الاسلاف المباشرين وقبائلهم. لذا بالنسبة لهم، فإن "مهد الحضارة" ليس أكثر من أرض صحراوية ذات "حقول" من الفخار لديهم الحق في الاستفادة منها ، لأنهم بعد كل شيء ملّاك هذه الأرض،  ولو أنهم كانوا قادرين لما ترددوا في لسيطرة على حقول النفط وبنفس الطريقة ، لأن هذه الصحراء "أرضهم". ولأن الحياة فيها صعبة فقد نسيتهم الحكومات ،  ولذا فإن ثمن ثأرهم من هذا الواقع هو ترصد كل فرصة لجني المال. فهم يتكسبون من الختم الاسطواني و المنحوته أو اللوح المسماري 50 دولارًا (25 جنيهًا إسترلينيًا) وهذا يعادل  نصف الراتب الشهري لموظف حكومي متوسط ​​في العراق. لقد أخبرهم اللصوص أنهم إذا وجدوا شيء يحتوي على نقش فهو مهم وله ثمنه. في العراق يًعتبٍر المزارعين أن أنشطة "النهب" هي جزء من يوم عملهم الاعتيادي.

______________________________________________

* روبرت فيسك : كاتب وصحفي بريطاني،مراسل صحيفة الاندبندنت البريطانية المتخصص في شؤون الشرق الاوسط منذ العام 1989. (المترجم )

** جوان فرشاخ بجالي: آثارية وصحفية لبنانية ، ناشطة في مجال الحفاظ على الإرث الثقافي في الشرق الاوسط. (المترجم )

*** عبد الأمير الحمداني: آثاري عراقي يحمل شهادة الدكتوراه في الآثار القديمة،أسُتاذ في جامعة درهام البريطانية، و يشغل حالياً منصب وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقية (المترجم). ( أضغط هنا لزيارة مدونته - العراق في التاريخ )

Write comment (0 Comments)

بريد شوق الى وجه القمر

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
في احدى الرُقم المكتشفة حديثا* في مدينة اور ، رسالة من تاجر سومري كان في رحلة عمل على ما يبدو على الحدود الافغانية - الايرانية ( يعرف الموقع حاليا بتل يحيى) الى زوجته في اور في بواكير الالفية الثانية قبل الميلاد ، الرجل ارسل الرسالة في مظروف طيني مختوم ** من قبله ومعه ارسل هدايا كما في نص اللوح ( احجار وقلائد على اغلب الظن ).
هذه الرسالة وجدت في احدى الدور في موقع مدينة اور الاثري قرب سورها الغربي ، واضح ان الرسالة قد وصلت المدينة عبر وسائل بريد تلك الازمان، وان الزوجة قد فتحت الظرف الطيني وقرأتها و ارتسمت بسمة على وجهها لعذوبة التعابير و الهدية.
زوجان متعلمان متحابان يتبادلان بريد الشوق رغم انف الالاف الاميال، يختتم الزوج رسالته بعبارة غزلية الى زوجته يقول فيها :
..............." سأعود قريبا الى أور لارى وجه القمر العالي"..........***
_________________________________________
* تنقيبات البعثة المشتركة مع جامعة ستوني بروك الاميركية.
** المظروف الطيني كان مغلف من الطين يدون عليه عنوان واسم المرسل و يختم بختمه الشخصي. وكذلك اسم وعنوان المرشل اليه. وفي داخله يوضع الرقيم الطيني ( الرسالة ). كما في الصورة ( التوضيحية ) الى اليمين.والتمثال الى اليسار لا علاقة له بالرسالة وهو من محفوظات المُتحف العراقي.
*** حقوق النشر مدونة بيت الالواح، د. عبد الامير الحمداني - العراق في التاريخ ( أضغط هنا )
love letter

Write comment (0 Comments)

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker