سلام طه

عن متحف نابو في لبنان ونزيف الذاكرة العراقية

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم

نُشرت بالتعاون مع مجلة بين نهرين ( العدد 120 - آيار 2019 - لتحميل المقالين عن متحف نابو و لنوقف النزيف - أضغط هنا )

عبد السلام صبحي طه

 

 ARO1967

 

افتُتِح في لبنان خريف العام المنصرم متحف يحمل الاسم (نابو *) وهو إله الكتابة والحكمة في العراق القديم و مسجل بحسب موقعه الالكتروني باسم مستثمرين ورجال أعمال وساسة وفنانين ( انظر صورة 1 المتحف المقابلة ) ، وتم إشراك فنانين عراقيين ذوي شأن في المشهد الفني عالـميًّا  كضياء العزاوي ومحمود العبيدي للمساهمة في جهد الإنشاء والتنظيم وكذلك عرض لوحات لفنانين تشكيليين من رواد العراق، أما الافتتاح فقد كان فخماً وارتقى إلى دعوة أعلى مراتب الدولة اللبنانية ممثلة برئيس الوزراء  سعد الحريري ومباركة وزارة الثقافة اللبنانية، و يبدو من خلال الأدبيات التي وزعت والموقع الإلكتروني للمتحف، أن المؤسسين لديهم رسالة نبيلة مفادها أنهم بوصفهم سكانًا أصلاء  لمنطقة الشرق الأدنى القديم فلهم كل الحق بالمحافظة على إرث بلادهم الشام وجارها العراق من الضياع والاهتمام بتوثيقه وعرضه.

من الجدير بالذكر أن المجموعة الآثارية للمتحف التي تناهز بحسب المراقبين ربما ما مجموعه 2000 قطعة مختلفة قد تم اقتنائها منذ العام 1990 بالشراء المباشر من دور المزادات والصالات العالمية وربما مصادر أخرى لم يتم التعريف بها، ومن ضمن مجموعة المتحف الاثرية، رُقم مسمارية طينية عراقية، تغطي مساحة زمنية طويلة جدًّا ترقى إلى عصر الدويلات السومرية، نزولاً الى العصر البابلي الوسيط ( 2600 وحتى 1100 ق.م )، يبلغ العدد الكلي لما نُشِر عنها رسميا لحد الآن 331 رقيمًا ، تم تحليل وقراءة و نشر نصوص تلك الرُقم على وجبتين من قبل عالم مسماريات يدعى ديفيد اوين **  من جامعة كورنيل في نيويورك، نشر السيد اوين دراسته الأولى بجزئين في (نيسايا ، المجلد 15 في العام 2013 ) وثق فيها قراءاته وتحليله لما مجموعه 144 رقيمًا شكلت الوجبة الأولى، أما الثانية والبالغة  187 رقيمًا فقد تم نشرها في  كتاب مستقل  مشاركة مع بيرتراند لافونت*** في الكتاب الموسوم  ( من ميسوبوتاميا إلى لبنان، الرقم المسمارية لمجموعة جواد عذره في متحف نابو، الهرّي، لبنان - جامعة بنيسلفانيا ،2019  - أضغط  لتحميل الدراسة)  ، من خلال الإحصائية الواردة في الكتاب أعلاه يمكن حصر  ما يربو على  100 رقيم تقريبًا تعود إلى موقع  أثري في وسط العراق يعرف بالاسم  إري-ساجرج ( Iri-sagrig )، لم يُسجل فيه تنقيب رسمي لحد الان، و لم يتم تحديد موقعه بالضبط (واطلق عليه اعلاميا المدينة المفقودة – انظر صورة 3 الخارطة المقابلة ) ولكنه أغلب الظن يقع في محافظة واسط  على ضفة المجرى القديم لنهر دجلة بالقرب من موقع مدينة أداب القديمة ويرقى زمنيًّا إلى عصر دولة أور الثالثة ( 2106 – 2000 ق.م )، أغلب نصوص هذه الرُقم عبارة عن مدونات اقتصادية وإدارية، تخص تفاصيل الحياة اليومية آنذاك، على سبيل المثال أحدها يذكر خطوات لابد من إجرائها لإصلاح الطريق الملكي وأخر يتحدث عن حصة كلاب القصر من الغذاء، ويبدو واضحًا أن لهذه الرُقم صلة بمجموعة أكبر منها تمت مصادرتها في الولايات المتحدة الأميركية، تحت اسم فضيحة متاجر هوبي لوبي الخاصة بمتحف الكتاب المقدس في واشنطن والتي نشرنا عنها مقالًا مفصلًا في مجلة الجديد اللندنية ( أضغط هنا )  ، تلك الصفقة التي أدارها ثلاثة تجار، اثنان من إسرائيل وواحد من دولة الإمارات ، وقد بلغ عدد القطع موضوع الصفقة ما يناهز 3800 قطعة،منها ما يربو على 450 رقيمًا مسماريًّا يعود لذات الموقع (إري – ساجرج)، والدولة العراقية بصدد إعادتها لوطنها الأم قريبًا من الولايات المتحدة الأميركية، وقد تعاون مكتب المدعي العام الأميركي في ولاية نيويورك بشكل فعال في اثبات لا شرعية تملك هذه القطع و السند القانوني الذي اتكأ عليه استنادا الى القرارات المحلية والدولية النافذة.

تندرج رُقم موقع ( اري –ساجرج )والرقُم الاخرى  بحسب المختصين تحت مسمى صريح هو ( أثار ربما تكون مسروقة ومهربة ومقتناه بطرق غير شرعية من أرضها الأم)بدلالة الإشارة المهمة في فقرة التقديم في الدراسة المنشورة مؤخرًا للسيد اوين عن الوجبة الثانية من مجموعة جواد عدره، من جهة حصول تضرر بالرُقم بسبب عدم احترافية (السارق أو الوسيط التاجر) خلال الخزن أو النقل،  وهذه إشارة صريحة الى راي الباحث بمصدر الرُقم، و من الجدير بالذكر أن هذه المنطقة وما جاورها قد تعرضت الى عمليات نهب كثيف ابان الحصار التسعيني و ما تلاه في مواقع ( اومّا- ام العقارب- اري ساجرج – اداب )

plan

 

وهذا يشكل اختراق علني للقوانين والتشريعات الدولية التي تحمي إرث الشعوب (اليونسكو في العام  1970) ، وقرارات مجلس الامن التالية  والمختصة بالعراق  ( الرقم 661 - العام  1990 )،( الرقم 1483 – العام  2003  )، جميع هذه التشريعات تلغي أي مجادلات لا طائل منها يحاول الحائزون طرحها من مثل المرسوم  اللبناني المحلي المرقم 3065 والصادر في العام 2016، الذي يسمح بالتصريح بالقطع الأثرية المملوكة وتسجيلها بدائرة الآثار اللبنانية ليتم منحها الغطاء الرسمي، ولكن السؤال: هل يستطيع قانون آثار محلي حماية ممتلكات ثقافية تعود إلى دول أخرى وتحكمها حزمة رصينة من التشريعات الأممية كما ذكرنا آنفًا؟ من الطريف أن نذكر أنه جراء المتابعات الحثيثة للقلق الذي انتاب المسؤولين عن المتحف فقد تم أما رفض التصريح بوجودها أو رفعها من صالات العرض،  للتخلص من تبعات اقتناءها غير الشرعي. من الجدير بالذكر ان هنالك قانون لبناني صادر لا يزال ساري المفعول بالرقم 651 لسنة 1926 والمعدل في سنة  1933  بشأن منع استيراد او تملك الاثار القديمة من فلسطين والعراق. بالإضافة الى حزمة أخرى مهمة تمنع تداول اثار هذه الدول بشكل غير شرعي والاحتفاظ بها داخل الدولة اللبنانية.

 

نعود الآن إلى الغايات النبيلة الظاهرة  لهذا المتحف والرغبة المعلنة للقائمين عليه  بالتصريح وعرض مقتنيات دول مستقلة كالعراق وسوريا  ذات سجل آثاري عريق، وهي خطوة خطيرة ستشجع على المزيد من النهب و التداول غير الشرعي بحجة عرضها في هكذا متاحف، وتلك هي معضلة النهب الاثري الكبرى، ونقصد بها فقدان السياق التاريخي – الزمني  للأثر ، حيث سيتم التعامل معه بوصفه قطعة نادرة منزوعة من رحمها، من دون سجلها التنقيبي، فتكون النتيجة الشاملة للفهم الآثاري منقوصة والقراءة للنتائج عرضة للتأويلات، وقد يشجع الأمر أن تم تمريره أو التعتيم عليه قسراً على افتتاح متاحف أخرى للقطع المسروقة بدعوى إظهارها في بنايات أنيقة بسلطة قانون محلي لن يتمكن من الوقوف بوجه التشريعات الدولية، أن عاجلاً أم آجلاً.

 تأسست أول سلطة آثارية في العراق في العام 1923 بافتتاح المُتحف العراقي، ومنذ ذلك التاريخ وإلى يومنا هذا تراكمت الخبرة لدى أهل الاختصاص وهم الآن يديرون ملفهم بأنفسهم وبكفاءة، ومن يود أن يتعاون معهم، فالأولى به أن يتحلى بحكمة الاله نابو، و يقوم بإعادة غير مشروطة لكافة القطع التي يصعب اثبات شراءها عبر القنوات الرسمية في صالات ومخازن المتحف، وصناديق المصارف الحصينة المملوكة لمن به هوس اقتناء إرث الشعوب الأخرى بطريقة غير مشروعة، وأي اقتراح بتفاوض لإعادة القطع عبر بروتوكولات وتفاهمات مريبة أمر مرفوض، لأن هذه حيازة علنية لإرث مسروق،  لا يمكن تقبلها تحت أي مسمى أو تبرير، ولابد من الوقوف بصلابة بوجه هكذا محاولات تجريبية لجس النبض ومحاسبة القائمين عليها بقوة القانون لا التستر عليها،لانها ستسيء إلى هيبة الدولة اللبنانية وسمعة مؤسساتها الثقافية العريقة، فحقوق الشعوب لا تسقط بالترهيب أو التقادم.

 

conclusion

___________________________________________________________________________________________

 

*  نابو اله الكتابة والحكمة في العراق القديم و زقورته في مدينة بورسبّا Borsippa أو برس نمرود مدينة تقع الى جنوب مدينة بابل.

 

** ديفيد اوين: أكاديمي أميركي ، يرأس قسم دراسات الشرق الأدنى لجامعة كورنيل في نيويورك، و وقد ارتبط اسمه بفضيحة متعلقة بمجموعة الرُقُم المسمارية العراقية القديمة الشهيرة ب (رُقم جار- سانا ) والتي ثبتت سرقتها وتم إثبات تداولها بطريقة غير شرعية من قبل رجل الأعمال والمقتني الأميركي جوناثان روزين، وستعاد الى العراق قريبا ، و لهذا الباحث رأي يتلخص بأنه لا يجد ضيرًا في  قراءة ودراسة ونشر الرُقُم مهما كان مصدرها، لأنها مُلك لسائر البشرية وليست حكرًا على دول المصدر، وهو من القائلين بأولوية البحث والدراسة على عائدية الأثر الشرعية واخلاقيات العمل البحثي، للمزيد  انظر: الكارثة: نهب آثار العراق و تدميرها ( اضغط هنا )

 

*** بيرتراند لافونت : عالم آشوريات فرنسي مختص بتاريخ بلاد النهرين القديمة، ويعمل في المركز الوطني الفرنسي للابحاث.***

Write comment (0 Comments)

العراق هبة النهرين و أكيتو عيده

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

نُشرت في جريدة بين نهرين العدد 119 ( تحميل العدد كاملا  )  - بتاريخ 17 نيسان  2019

العدد خصص صفحاته الاولى  لاحتفال العراق بعيد اكيتو يوما وطنيا و أطلاق أول بيت له في بغداد في ساحة الاحتفالات الكبري.

بقلم عبد السلام صبحي طه

 56615107 10157272530810990 513510571992154112 n

 

العراق هو هبة النهرين العظيمين دَجله والفرات، و كان أحد أولى الِبقاع التي حصل فيها التحول من حياة الصيد والترحال الى الزراعه والاستقرار، لذا فإن كل ما تعلق بالزرع والماء والنماء آنذاك، أعُتبِر مناسبةً لتقديم الشكر بتوقيتات مختلفةٍ، وعيد اكيتو قد يكون أقدمها بل وأهمها، فهو يتكرر مرتين بالسنة لارتَباطه بدورة الزراعة و إستمرار الحياة والمتأثرة بدورها بالقمر، فحركتَه السنوية بحسب عقيدتهم  تضمن للطبيعة توازنها من جهة اعتدال  الطقس و تساوي ساعات الليل والنهار،

إن أقدم إشارة كتابية للأكيتو عُثرعليها في مدينة أور (مدينة القمر) و ترقى الى النصف الثاني من الالف الثالث  قبل الميلاد.أما آخر إشارة اليه فكانت إباّن العصرالفِرثي في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد. إن العلامة المسمارية لكلمة (أكيتو) تم منحها دلالات مختلفة من قبل الباحثين ،  بعضهم قال بكونها تعني عيد السنة الجديدة واخرين بكونها مرتبطة بطقس متعلق بعناصر دورة الحياة  من ارض و ماء، وكان الاحتفال بالعيد إبان العصور السومرية المبكرة يقام في العراء ،خارج أسوار المدن وبالقرب من الأنهار  حيث حقول وقفيات المعابد ،تطورت الفكره  في العصور البابلية والآشورية اللاحقة واطلق عليه بالاكدية ( ريش شَتّي ( ويعني رأس السنة الجديدة ،وتم تشييد مبنىً خاصٍ له يدعى (بيت أكيتو) ، وهو المكان  المخصص لاحتفالات هذا العيد حيث يتم فيه تُقديم النذور والقرابين وجز صوف الخراف، وقد وجِدت أدلة عليه في حواضر العراق القديم  مثل أور– اوروك - أومّا - نيبور – بابل  -  آشور  - اربائيلو - نينوى.  

 وقد ورد في اللوح الثالث من ( ملحمة كلكامش )، إشارة واضحة لذلك حيث يعد كلكامش والدته ننسون بانه حال عودته من غابة الأرز فسيحتفي بالعيد مرتين بالسنة ، كان الاحتفال الأول يجري في الربيع حيث أول ظهور للقمر من منتصف  شهر آذار إلى منتصفِ شهر نيسان في تقويمنا الحالي ، وذلك تزامناً مع بدء ذوبان الثلوج في أعالي جبال العراق وامتلاء نهري دجلة والفرات وروافدهما بالماء ،.فيتهيأ الزرّاع لحصاد الشعير و تلقيح النخيل وولادة الخراف و جزالأصواف، تتغلغل هذه التفاصيل في جوهر الفكر الأسطوري العراقي، فيستحيل موسم الربيع الى مهرجان وجودي ترتدي فيه الارض حلتها الزاهية احتفاء بعودة الراعي دُموزي (تموز) إلى الحياة من جديد بعد مكوثه في العالم السفلي خلال فصل الشتاء، ومن ثُم إشهار إقترانهِ بإلاهة الخصب والحقول إينانّا (عشتار) ، وقد تطور هذا العيد من طقس زراعي – ديني إبان العصور السومرية الكلاسيكية في الالف الثالث قبل الميلاد إلى احتفال وطنيٍّ- سياسي بالسنة الجديدة خلال العصورالبابلية و الآشورية و كان يستمر لإحد عشر يوماً،  حيثُ يتم خلاله التجديد السنوي لحكم الملك الذي لا يكتمل الا بحضوره كرأس للسلطة ، ومن ضمن طقوسه  تلاوة قصة الخلق البابلية ( إينوما ايليش – حينما في العُلى ).

57294143 326133744754910 3580285395075596288 n

 

akitu nahren 119 1

akitu nahren 119 2

akitu nahren 119 3

akitu nahren 119 4

akitu nahren 119 5

akitu nahren 119 6

 

 

Write comment (0 Comments)

أكيتو عيد الربيع والسنة الجديدة في بيادر العراق

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

عبدالسلام صبحي طه

"الكاهنةُ المقدّسة التي خُلِقَتْ معَ السماواتِ والأرض، إينانّا، ابنةُ القمرِ البكر، سيدةُ  الصباح.. أُغنِّي لكِ"

 

أبهجنا معالي وزير الثقافة والسياحة والاثار العراقية الدكتور عبد الامير الحمداني بخبرٍ مفرحٍ مفاده نية الدولة العراقية إعتبار عيد اكيتو يوما  وطنياً،هذه المناسبة التاريخية المهمة المرتبطة بقدوم موسم الربيع والسنة البابلية - الآشورية الجديدة في بلاد النهرين. والتي نأمل ان يتم التعريف بها اعلامياً بما تستحقه من أهتمام، كجزء من حملة إحياء التراث الثقافي المغيب للبلاد من قبل الحكومات المتعاقبة، ليرسخ في ذاكرة أجيال المستقبل بمسماه الاصيل. سيتم الاحتفال فيساحة الاحتفالات الكبرى فوالذي تسلمت مسؤوليته  وزارة الثقافة العراقية.

 

 

إن أقدم إشارة كتابية لأكيتوعُثرعليها في مدينة أور السومرية ( أوريم - مدينة إله القمر ننار )  في النصف الثاني من الالف الثالث  قبل الميلاد. دلالة على إرتباط هذا العيد بشكلٍ وثيق بدورة القمر.

 أما آخر إشارة اليه فكانت إباّن العصرالفرثي في منتصف القرن الثاني قبل الميلاد.

إذن في الأسبوع الأول من شهر نيسان لهذه السنة وبعد ما يقرب من اثنين وعشرين قرناً من الانقطاع، سيضاف ( يوم الأكيتو )  الى أعياد البلاد، ُمذكِراً بعقيدة اهلِه القدماء وموحداً لأحفادِهم على إختلاف مللِهم ونِحلهم، ومؤسِساُ لأعياد البلاد الوطنية الراسخة وألاصيلة بعيداً عن مآسي الإنقلابات العسكرية والعمليات السياسية المريبة.

إن العلامة المسمارية للكلمة ( أكيتوم - أكيتو- أكيتي ) لها دلالات متعلقة بالخصب،إذ كان الاحتفال بالعيد إبان العصور السومرية يقام في العراء ،خارج اسوار المدن وبالقرب من الانهار حيث حقول الآلهة،تطورت الفكره لاحقاً في العصور البابلية والآشورية،وتم تشييد مبنىٍ خاصٍ له يدعى (بيت الاكيتو) او ( بيت الصلاة ) ، وهو المكان الذي تجري فيه احتفالات الزواج المقدس وتُقديم النذور والقرابين، وقد وجِدت أدلة عليه في ارجاء حواضر العراق القديم  مثل أور– اوروك - نيبور – أدب – أومّا – بابل - آشور - اربائيلو و نينوى.

 

 

warka vase

 

شكل ( 1) إناء الوركاء النذري – يرقى الى أواخر الألف الرابع قبل الميلاد و ربما يوجز اقدم نسخة  لقصة خلق تلاها

ابناء النهرين على البشرية،القطعة الفخارية تبدو وكأنها احتفاليه مقدسة، تسجل في صفوف متراتبه بدقة، منذ أول انبثاق لفكرة معجزة

الخلق من الماء في أسفل الاناء ،صعوداً باتجاه طبقة الزرع والسنابل في الحقول،تليها الحيوانات، ثم البشر حاملي النذور

لتنتهي بالالهة في الاعلى و مشهد لملك ( كاهن )  يواجه إينانا آلهة الخصب و سيدة النواميس.

 

أهدى العراقيين الاوائل،الفكرة الاصلية لعيدهم هذا الى أمم العالم القديم والقوميات التابعة، من آسيا الوسطى الى فارس والاناضول ،وتم تحويرها  توقيتاً و تفصيلاً و تسميةً، لتناسب ثقافات تلك الشعوب واساطيرها ومواسم أعيادها كالنوروز الفارسي مثلاً و جذوره التي ترقى بالاصل الى العصرالاخميني إثر دخول قورش بلاد بابل عام 539 قبل الميلاد،حيث لم يرد في سجلات الفُرس التاريخية اي ذكر لهذا العيد قبل ذلك التاريخ حتى احتكاكهم  بالشعب البابلي ، أما ( النوروزاو اليوم الجديد ) المختص بالبطل الاسطوري الفارسي جمشيد  فقد ذُكِر لاول مره في ملحمة الفردوسي الشهيرة ( الشاهنامه ) عام 1000 ميلاديه.

العراق هوهبة  النهرين العظيمين دَجله والفرات، و كان أحد أولى الِبقاع التي حصل فيها الانقلاب من حياة الصيد والترحال الى الزراعه والاستقرار، لذا فإن كل ما تعلق بالزرع والماء والنماء آنذاك،أعُتبِرمناسبةً  لتقديم الشكر للآلهة بتوقيتات مختلفةٍ حتى يومنا هذا، وعيد الاكيتو قد يكون أقدمها بل وأهمها، فهو يتكرر مرتين بالسنة لارتَباطه بدورة الزراعة و إستمرار الحياة  والمتأثرة بدورها بالقمر،فحركتِه السنوية بحسب عقيدتهم  تضمن للطبيعة توازنها من جهة اعتدال  الطقس و تساوي ساعات الليل والنهار،الاحتفال الاول كان يجري في الربيع حيث أول ظهورللقمر من نهايه شهر آذار إلى منتصفِ شهر نيسان في تقويمنا الحالي ( آدارو -  نيشانو بالبابلية )، وذلك تزامناً مع بدء ذوبان الثلوج في أعالي جبال العراق وامتلاء نهري دجلة والفرات وروافدهما بالماء ( بركة إله المياه العذِبة والخلق إنكي السومري وهو إيّا بالاكدية ومنه حِيّا بالعربية)،.فيتهيأ الزرّاع لحصاد الشعير و تلقيح النخيل وولادة الخراف الجديده وجز الأصواف، تتغلغل هذه التفاصيل  في جوهر الفكرالأسطوري العراقي،فيستحيل موسم الربيع الى مهرجان وجودي ترتدي فيه الارض حلتها القشيبة أحتفاء بعودة الإله الراعي دُموزي (تموز) إلى الحياة من جديد بعد مكوثه في العالم السفلي خلال فصل الشتاء، ومن ثُم إشهار إقترانهِ بالإلهة إينانّا (عشتار) فيما يّعرف بالزواج المقدّس، وقد تطور هذا العيد من احتفال زراعي - طقسي  إبان العصور السومرية الكلاسيكية في الالف الثالث قبل الميلاد إلى احتفال وطنيٍّ- سياسي بالسنة الجديدة خلال العصورالبابلية و الآشورية و كان يستمر لإحد عشر يوماً، حيثُ يتم خلاله التجديد السنوي لحكم الملك بمباركة إله البلاد القومي(مردوخ) له وللأرض وغلتها و أهلِها، ومن ضمن طقوسه  تلاوة قصة الخلق البابلية ( إينوما ايليش – حينما في العُلى ) من قبل الكهنة.

أما إحتفال الاكيتو الثاني فكان يجري في الخريف حيث موسم بذار الحنطه والشعير في نهاية شهر أيلول الى منتصف تشرين الاول في تقويمنا الحالي ( أولولو - تشريتو بالبابلية) .

إن تجدد دورة الحياة السنوية كانت شريعة ثابتة في الفكرالعراقي القديم، يتغلب فيها النظام المُمَثل بالإله مردوخ (مهندس البناء الكوني )على الفوضى الممثلة بتيامات ( الإلهة البدئية) والتي يتجدد تهديدها لدورة الحياة كل سنة، ليستمر الصراع مع مردوخ،الذي ينتصر بالنهاية و يشطر جسدها الى أرض وسماء ويقوم بفصلهما من سُرة الأرض في بابل، ومن جوهر هذه الفكره استقت العقائد اللاحقة فكرة انبعاث الخلق الكوني من هيولى العماء.

 

طقس يوم الأكيتو

 

Banquet scene Orientak Inst

شكل ( 2 ) لوح نذري - يرقى الى منتصف الالف الثالث قبل الميلاد من معبد في خفاجي ( ديالى ) و يظهر فيه طقوس

الاحتفال بالاعياد في العراق القديم ،في الصف الاعلى من اليمين الملك ( الكاهن )  جلوسا قبالة زوجته و

الصف الوسطي حاملي النذور والقرابين وفي الصف الاخير، جوق عازفي الالات الموسيقية.

 

في يومِ رأسِ السنةِ الجديدة، يومُ الطقوس، يتجمّع ذوو الرؤوس السوداء ( شعبُ سومرَ ) في القصر، المنزلُ الذي يُرشِدُ الأرضَ. الملكُ يَبني عَرشاً لملكةِ القصرِ، يجلسُ إلى جانبها على العرش، ومن أجلِ رعايةِ الشعبِ في جميعِ الأراضي، يتمُّ مراقبةُ اليومِ الأول من الشهرِ الأولِ في السنةِ الجديدة. وفي يومِ اختفاءِ القمر، يجرى الاحتفالُ المقدّس والنواميسُ الإلهية. يومُ رأسِ السنةِ ، يومُ الطقوس، يتمُّ تحديدُهُ بدقّة، فالملكُ يدعو الناسَ لدخولِ القاعةِ العظيمة، الشعبُ يجلبُ النذورَ والطعامَ والأواني، يحرقونَ البخورَ وصمغَ العرعرِ، ويؤدون طقوسَ الإغتسال، يجمعونَ البخور زكيَّ الرائحة. الملكُ يحتضنُ عروسَهُ الحبيبة، دموزي يحتضنُ إينانا.

. إينانا، تجلسُ على العرشِ الملكي، تَشعُّ مثلَ ضوءِ النهار. الملكُ مثلَ شمسٍ، يُضيءُ بشكلٍ مشرقٍ بجانبِها، يجلبُ الوفرةَ والخصبَ والكثرةَ والنماء. الموسيقيون يعزفون للملكة، يعزفون الآلاتِ الصاخبة التي تغرِقُ العاصفة الجنوبية. يعزفون آلاتَ أليغار العذبة، مَفخَرةُ القصر. يعزفون الآلاتِ الوترية التي تَجلُبُ الفرح للناس جميعَهُم. ينشدون الأغاني لإينانّا ليفرَحَ قلبُها. الملكُ يَرفعُ يدَهُ آمراً بالطعام والشراب، دموزي يرفعُ يده آمراً بتناول الطعام والشراب، إنَّهُ يجمَعُ شعبَ سومر. البهجةُ تَنتشرُ في البلاد، القلوبُ تَتراقص فرحاً، القصرُ مضيءٌ، الملكُ فرحٌ. في المكانِ النظيف النقي يحتفلون بإينانّا ويتغنون. إنَّها زينةُ الجموع، إنَّها فرحُ سومر..! الناسُ يقضونَ اليومَ، رأسُ السنةِ الجديدة، في سعادةٍ غامرة. الملكُ يقفُ أمام الجموعِ بفرحٍ كبير. يشيدُ بإينانّا، ويمدحُ الآلهة والجموع:  

الكاهنةُ المقدّسة التي خُلِقَتْ معَ السماواتِ والأرض، إينانّا، ابنةُ القمرِ البكر، سيدةُ  المساء.. أُغنِّي لكِ"..

____________________________

مصادر

  • الأعياد في حضارة بلاد وادي الرافدين، د. راجحة خضر عباس التميمي
  • أكيتوعيد الربيع والسنة الجديدة ، د.عبد الأمير الحمداني
  • عقائد الحياة والخصب في الحضارة العراقية القديمة، د. نائل حنون
Write comment (0 Comments)

تجريف التاريخ، بقلم روبرت فسك

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

إنه موت التاريخ

بقلم : روبرت فيسك *                                                                                نُشرت في الاندبندنت البريطانية عدد 17 أيلول 2007

ترجمة : كادر" العراق في التاريخ" ( عبدالسلام صبحي طه و زهراء تحسين)

نُشرت على صفحات جريدة بين نهرين ، العدد 112 بتاريخ 21 شباطو 2019 ( اضغط هنا لتحميل المقال )

 

robert fisk3

 

يقوم اللصوص بنهب المدن السومرية التي يرقى زمنها إلى ألفي عام قبل الميلاد ويشرعون بتدميرها، والجدران الجبارة لأور الكلديين أخذت بالتصدع تحت ضغط الآليات الضخمة للقوات العسكرية، تمت خصصت النهب ما بين المُلاك الجدد للمواقع المتبقية من بلاد  النهرين القديمة لتجريدها من كنوزها الاثرية وثرواتها. إن التدمير شبه الكامل لماضي العراق التاريخي (مهد الحضارة الإنسانية ) هو واحد من أكثر الإشارات المخزية لاحتلالنا الكارثي.

تٌظهر الأدلة، أن كوادر التنقيب الآثاري العراقي التي تدربت كحفارين في نظام صدام حسين يقومون بتوظيف خبرتهم للإنضمام إلى اللصوص في حفر المدن القديمة ، وتدمير آلاف الجرار والزجاجيات وغيرها من القطع الأثرية التي لا تقدر بثمن بحثاً عن الذهب و الكنوز الأخرى.

في أعقاب حرب الخليج عام 1991 ، انتقلت جيوش اللصوص إلى المدن الصحراوية في جنوب العراق وتم نهب 13 مُتحفًا عراقيًا على الأقل. اليوم ، كل موقع أثري في جنوب العراق تقريبا تحت سيطرة اللصوص.

في تقييم طويل سيتم نشره في ديسمبر ، تقول عالمة الآثار اللبنانية جوان فرشاخ ** :جوان

- "إن جيوش اللصوص لم تدع متراً واحداً من هذه المدن السومرية المدفونة تحت الرمال منذآلاف السنين إلّا ووصلت إليها أيديهم ، لقد دمروا بشكل منهجي بقايا هذه الحضارة من خلال  بحثهم الدؤوب عن القطع الأثرية القابلة للبيع،  تغطي  الحواضر القديمة،  مساحة تقديرية اجمالية  تبلغ 20 كيلومترا مربعا، والتي إذا تم التنقيب فيها  بشكل علمي وقانوني لوفرت معلومات جديدة وغنية عن تطور الجنس البشري" .

-"عملية بيع وشراء الألواح المسمارية أو المنحوتات أو قطعة مجوهرات  من قبل التجار في بلد دمرته الحرب ما هي الا خسارة للتاريخ البشري. إن البشرية تفقد تاريخها من أجل متعة جامعي القطع الاثرية الذين يعيشون بأمان في منازلهم الفاخرة ويطلبون قطع محددة لجمعها. "

تقول السيدة فرشاخ ، التي ساعدت في التحقيق الأصلي عن الكنوز المسروقة من متحف بغداد الأثري في أعقاب غزو العراق مباشرة ، --"إن العراق قد ينتهي قريباً بلا تاريخ."

-"هناك 10 ألآف موقع أثري في البلاد. 840 موقع سومري في منطقة الناصرية لوحدها   وقد تعرضت جميعها الى النهب الممنهج. حتى عندما كان الاسكندر الأكبر يدمر مدينة ما  فأنه كان يبني اخرى بديلاٍ عنها ، ولكن اللصوص الان يدمرون كل شيء ، والجديد هو أن اللصوص قد أصبحوا أكثر تنظيماً.

-"وبغض النظرعن كل هذا فإن العمليات العسكرية تلحق الضرر بهذه المواقع إلى الأبد. فهناك قاعدة أمريكية في أور منذ خمس سنوات والجدران أخذت بالتصدع بسبب وزن المركبات العسكرية. الامر اشبه بوضع موقع أثري تحت زلزال مستمر".

من بين المدن القديمة في العراق الحالي ،  فإن مدينة  أور تعتبر الأهم  في تاريخ البشرية  ،. وقد ورد ذكرها في العهد القديم ، ويعتقد الكثيرون أنها موطن النبي إبراهيم ،  كما تظهر بالاسم  "  كميرنا او مدينة القمر "  في أعمال المؤرخين والجغرافيين العرب، وقد تأسست بحدود  4000  قبل الميلاد ، أسس أهلها من السومريين مبادئ الري والزراعة المتقدمة والتعدين. بعد مرور حوالي الف وخمسمائة سنة  على تأسيسها (  في ما أصبح يعرف باسم  عصر الطوفان )،  أنتجت أور بعض الأمثلة الأولى للكتابة ونقوش الأختام والبناء. في لارسا المجاورة ، استُخدِم الطوب الطيني المشوي كنوع من حوالات مالية (الصكوك) الأولى في العالم )، تُشير مديات عمق غؤزة الإصبع في الطين إلى كمية النقود المطلوب تحويلها . احتوت المقابر الملكية في أور على مجوهرات وخناجر وذهب وأختام أسطوانية وفي بعض الأحيان بقايا من عظام العبيد.

وقد صرح ضباط أمريكيون في اكثر من مناسبة ، إن القاعدة الأمريكية الكبيرة التي بنيت في بابل كانت لحماية الموقع،  لكن عالمة الآثار العراقية زينب البحراني ، أستاذة تاريخ الفن والآثار في جامعة كولومبيا ، تقول :

-"الأضرار التي لحقت ببابل واسعة النطاق وغير قابلة للإصلاح ، وحتى لو أرادت القوات الأمريكية حمايتها ، فإن وضع حراس حول الموقع كان ليبدو أكثر منطقية بكثير من تجريفه وإقامة قاعدة عسكرية فيه "،  اذ ان هذه القاعدة هي مقر أكبر تواجد عسكري للتحالف في المنطقة".

تركت الغارات الجوية في عام 2003 المعالم التاريخية دون أضرار، ولكن الأستاذة البحراني تقول:

- "لقد أسفر الاحتلال عن تدمير هائل للتاريخ يتجاوز بكثير المتاحف والمكتبات التي نُهِبت ودُمِرت في خريف بغداد. وقد تم استخدام ما لا يقل عن سبعة مواقع تاريخية بهذه الطريقة من قبل الولايات المتحدة وقوات التحالف منذ نيسان أبريل 2003 ، واحداها كان القلب التاريخي لمدينة سامراء ، حيث تم قصف الضريح العسكري الذي بناه نصر الدين شاه في عام 2006. "

أن إستخدام المواقع التراثية والاثرية كقواعد عسكرية هو انتهاك لاتفاقية لاهاي وبروتوكول 1954 (الفصل 1 ، المادة 5) الذي يغطي فترات الاحتلال ؛ على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تصادق على الاتفاقية ، فإن إيطاليا وبولندا وأستراليا وهولندا ، أرسلت قواتها إلى العراق بالرغم من مصادقتهم على هذه الاتفاقية.

تلاحظ السيدة فرشاخ أنه مع اكتساب الأحزاب الدينية نفوذاً في جميع المحافظات العراقية ، فإن المواقع الأثرية  أخذت تقع تحت نفوذها. و تتحدث عن عبد الأمير الحمداني ***، مسؤول دائرة الآثار في محافظة ذي قار في الجنوب ، والذي حاول يائسا  ولكن بلا جدوى،  منع تدمير المدن الآثارية المدفونة أثناء الاحتلال. كتب السيد الحمداني أنه:

- " لا يمكنه فعل الكثير لمنع الكارثة التي نشهدها ونراقبها، في العام 2006 ، قمنا بتجنيد 200 من ضباط الشرطة لأننا 10385145 10203823956536263 1709511833 n iihكنا نحاول وقف عمليات النهب من خلال القيام بدوريات في المواقع الاثرية قدر المستطاع. معداتنا لم تكن كافية لهذه المهمة اذ لم يكن لدينا سوى ثماني سيارات وبعض الأسلحة وعدد قليل من أجهزة الإرسال للمحافظة بأكملها حيث تم جرد 800 موقع أثري، بالطبع ، هذا لا يكفي ، لكننا كنا نحاول أن نرسي بعض النظام حتى وصل الامر بعدم قدرتنا على دفع ثمن الوقود لحراسة المواقع بسبب القيود المالية المفروضة من قبل الحكومة لذلك انتهى الأمر في محاولة لمحاربة النهب  في مكاتبنا ، كان ذلك قبل أن تسيطر الأحزاب الدينية على جنوب العراق ".

في العام نفسه ، تلقت دائرة الآثار برئاسة السيد الحمداني إشعارًا من السلطات المحلية بالموافقة على إنشاء مصانع للطابوق في المناطق المحيطة بالمواقع الأثرية السومرية. لكن سرعان ما أصبح واضحا أن أصحاب المصانع ينوون شراء الأرض من الحكومة العراقية لأنها تغطي العديد من المدن السومرية وغيرها من المواقع الأثرية. كان المالك الجديد ليقوم بحفر الموقع الأثري ، اعادة عجن  الآجر الطيني القديم لتشكيل  طابوق جديد لتشييد المصنع ،  ومن ثم بيع اللقى الاثرية المكتشفة في الموقع  لتجار الاثار.

رفض السيد الحمداني بشجاعة التوقيع على الملف. تقول السيدة فرشاخ:

- "كان لرفضه عواقب وخيمة . فقد أرسلت الأحزاب الدينية المسيطرة على الناصرية الشرطة للقبض عليه بتهمة فساد وسُجن لمدة ثلاثة أشهر بانتظار المحاكمة. و قد دافعت عنه خلال محاكمته  هيئة الاثار والتراث الحكومية جنبا الى جنب عشيرته القوية النفوذ ،  فتم إطلاق سراحه واستعادة موقع مشروع  مصانع الطوب الطيني  ، وهو الآن من "المشاريع المجمدة" ، ولكن ظهرت تقارير تشير الى اتباع نفس الاستراتيجية في مدن أخرى وفي مواقع أثرية قريبة مثل عقرقوف قرب بغداد."

 إلى متى يمكن أن يحافظ علماء الآثار العراقيون على أدامة النظام ؟ هذا سؤال لا يمكن أن يجيب عنه سوى السياسيون العراقيون المنتسبون إلى مختلف الأحزاب الدينية ، لأنهم هم من يمنح الموافقة على هذه المشاريع ".

اما جهود الشرطة فأنها تعتبر مشلولة لكسر قوة اللصوص بعد ان اصبح لديهم دعم قوي من زعماء العشائر.

 في عام 2005 ، اعتقلت الجمارك العراقية ( بمساعدة القوات الغربية ) العديد من تجار الآثار في بلدة الفجر بالقرب من  مدينة الناصرية، وقد ضَبطوا معهم مئات القطع الأثرية وقرروا نقلها إلى المتحف في بغداد وكان هذا خطأ قاتلا.

فقد تم إيقاف القافلة على بعد بضعة أميال من بغداد، و قتل ثمانية من موظفي الجمارك ، وأحراق جثثهم ، التي تُركت لتتعفن في الصحراء. اختفت القطع الأثرية. تقول فرشاخ:

"لقد كانت رسالة واضحة من تجار الآثار إلى العالم".

جحافل من اللصوص يعملون الآن في تنظيم سلس للتهريب الجماعي. تنقل الشاحنات والسيارات والطائرات والقوارب ،  الموروث العراقي المنهوب ، متجهة  إلى أوروبا والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة واليابان. يقول علماء الآثار إن عددًا متزايدًا من مواقع الإنترنت  تقوم بعرض القطع الأثرية لبلاد النهرين قد يصل عمرها إلى 7000 عام.

لقد أصبح المزارعون في جنوب العراق الآن من اللصوص المحترفين ، فهم يعرفون كيفية رسم الخطوط العريضة لجدران المباني المدفونة ولهم القدرة على الحفر مباشرة في الغرف والمقابر. يذكر تقرير علماء الآثار:

-"لقد تم تدريبهم على كيفية سلب التاريخ من  العالم ، وهم يجنون أرباحًا كبيرة من هذا العمل".

بعد حرب الخليج عام 1991 ، استأجر علماء الآثار الحفارين النهابين السابقين كعمال ووعدوهم برواتب حكومية. عمل هذا على الحفاظ على المواقع ، ولكنه كان واحدا من الأسباب الرئيسية لتدميرها في وقت لاحق ؛ فقد تعلمموا الآن طرق التنقيب وما يمكنهم العثور عليه.

تضيف السيدة فرشاخ:

- "كلما طال بقاء العراق في حالة حرب ، كلما أصبح مهد الحضارة مهددًا. وقد لا يتبقى منه شيء حتى لأحفادنا ليتعلموا منه".

إن المجتمعات الريفية في العراق مختلفة جداً عن مجتمعاتنا. إن مفهومها للحضارات القديمة والتراث لا يتطابق مع المعايير التي وضعها علمائنا. يقتصر التاريخ  لديها على قصص وأمجاد الاسلاف المباشرين وقبائلهم. لذا بالنسبة لهم، فإن "مهد الحضارة" ليس أكثر من أرض صحراوية ذات "حقول" من الفخار لديهم الحق في الاستفادة منها ، لأنهم بعد كل شيء ملّاك هذه الأرض،  ولو أنهم كانوا قادرين لما ترددوا في لسيطرة على حقول النفط وبنفس الطريقة ، لأن هذه الصحراء "أرضهم". ولأن الحياة فيها صعبة فقد نسيتهم الحكومات ،  ولذا فإن ثمن ثأرهم من هذا الواقع هو ترصد كل فرصة لجني المال. فهم يتكسبون من الختم الاسطواني و المنحوته أو اللوح المسماري 50 دولارًا (25 جنيهًا إسترلينيًا) وهذا يعادل  نصف الراتب الشهري لموظف حكومي متوسط ​​في العراق. لقد أخبرهم اللصوص أنهم إذا وجدوا شيء يحتوي على نقش فهو مهم وله ثمنه. في العراق يًعتبٍر المزارعين أن أنشطة "النهب" هي جزء من يوم عملهم الاعتيادي.

______________________________________________

* روبرت فيسك : كاتب وصحفي بريطاني،مراسل صحيفة الاندبندنت البريطانية المتخصص في شؤون الشرق الاوسط منذ العام 1989. (المترجم )

** جوان فرشاخ بجالي: آثارية وصحفية لبنانية ، ناشطة في مجال الحفاظ على الإرث الثقافي في الشرق الاوسط. (المترجم )

*** عبد الأمير الحمداني: آثاري عراقي يحمل شهادة الدكتوراه في الآثار القديمة،أسُتاذ في جامعة درهام البريطانية، و يشغل حالياً منصب وزير الثقافة والسياحة والآثار العراقية (المترجم). ( أضغط هنا لزيارة مدونته - العراق في التاريخ )

Write comment (0 Comments)

بريد شوق الى وجه القمر

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
في احدى الرُقم المكتشفة حديثا* في مدينة اور ، رسالة من تاجر سومري كان في رحلة عمل على ما يبدو على الحدود الافغانية - الايرانية ( يعرف الموقع حاليا بتل الحرير ) الى زوجته في اور في بواكير الالفية الثانية قبل الميلاد ، الرجل ارسل الرسالة في مظروف طيني مختوم ** من قبله ومعه ارسل هدايا كما في نص اللوح ( احجار وقلائد على اغلب الظن ).
هذه الرسالة وجدت في احدى الدور في موقع مدينة اور الاثري قرب سورها الغربي ، واضح ان الرسالة قد وصلت المدينة عبر وسائل بريد تلك الازمان، وان الزوجة قد فتحت الظرف الطيني وقرأتها و ارتسمت بسمة على وجهها لعذوبة التعابير و الهدية.
زوجان متعلمان متحابان يتبادلان بريد الشوق رغم انف الالاف الاميال، يختتم الزوج رسالته بعبارة غزلية الى زوجته يقول فيها :
..............." سأعود قريبا الى أور لارى وجه القمر العالي"..........***
_________________________________________
* تنقيبات البعثة المشتركة مع جامعة ستوني بروك الاميركية.
** المظروف الطيني كان مغلف من الطين يدون عليه عنوان واسم المرسل و يختم بختمه الشخصي. وكذلك اسم وعنوان المرشل اليه. وفي داخله يوضع الرقيم الطيني ( الرسالة ). كما في الصورة ( التوضيحية ) الى اليمين.والتمثال الى اليسار لا علاقة له بالرسالة وهو من محفوظات المُتحف العراقي.
*** حقوق النشر مدونة بيت الالواح، د. عبد الامير الحمداني - العراق في التاريخ ( أضغط هنا )
love letter

Write comment (0 Comments)

آراء في منحوتة رأس الملك الاكدي

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم

نُشر المقال في (جريدة بين نهرين) العدد 110 \ 6 شباط  2019 ( أضغط هنا لتحميل المقال منشوراً بعنوان منحوتة الملك الاكدي مانشتوسو).

عبد السلام صبحي طه

mesopotamia 4

 

 

كان الآثاري البريطاني كامبل تومبسن  ( الصورة المقابلة ) مسؤولاً عن بعثة تنقيبات في نينوى عام 1931 ، وقد كشف خلال حفرياته عن مبنى campbell thompson 2معبد مكرّس للإلهة عشتار، و بحسب النصوص المسمارية التي عُثر عليها في الموقع ، فإن  من شيده هو الملك الأكدي مانشتوسو (حكم من 2275  إلى  2260 ق.م)، ، وهو الابن الثاني لمؤسس السلالة الأكدية العاهل سرجون الكبير (من الأصل الأكدي شاروكين ويعني الملك الشرعي، وهو لقبه، ولا نعرف له اسماً حتى الآن)، والذي يُعدّ مؤسساً لأول امبراطورية في التاريخ،  وقد حكم مدة 56 سنة (2340- 2284 ق.م )، ويبدو ان هذا المبنى قد استمر بوظيفته إلى أواخر العصور الآشورية الحديثة في الألف الأول ق.م .

وفي ذات الموقع عُثِر على منحوتة برونزية  لرأس رجل ملتحِ بالحجم الطبيعي ، وبسمات تقترب من الملامح المحلية العراقية الحالية. وقد دارت حول موضوع نسب هذا العمل النحتي، ولا تزال، الكثير من التكهنات، وهو ما سنتناوله بشيء من التفصيل في هذا المقال.

 

مدرسة الرأي الأولى

تقول إن أول من نسب المنحوتة إلى شاروكين الاب، كان الآثاري البريطاني ماكس مالوان . وقد أورد رأيه  في مقال نُشِر في العدد الثالث من مجلة

 (Iraq) عام 1936، الصادرة عن المدرسة البريطانية لآثار العراق. عمل  مالوان لسنتين مع كامبل تومسن في تنقيبات مشتركه في نينوى (1931 - 1932). وقد أيد وجهة نظره  لاحقاً الفرنسي آندريه بارو في مؤلفه "فنون سومر وحضارتها"، ومن بعده هنري فرانكفورت في مؤلفه "فن الشرق الأدنى القديم".sargon II Torino Muso di antique 5

في معرِض تسويغ  مالوان لاستنتاجه أعلاه، فسّر الأمر على أن الابن مانشتوسو ربما حاول تخليد حضور والده، الذي أطبقت، على ما يبدو، شهرته الآفاق، خصوصا أن شاروكين هو من استولى على مدينة نينوى ضمن حملته على بلاد آشور،  وقد ورد  ذكره في نصوص متأخرة ترقى الى منتصف الألف الأول ق.م، وفي سبيل المثال نصوص الفؤول البابلية الكلدية  التي رفعته إلى مستوى القداسة، كما في ( فأل الخاص بشاروكين،  ينص على أنه قام بغارة في الظلام والنور قد ظهر له). وتُظهر هكذا نصوص المديات التي ترسخ فيها حضور هذا الملك في اللاوعي الجمعي لأهل البلاد على مر الاجيال.  ولدينا دليل آخر من العصور الأشورية نجد فيه ان ملكين آشوريين قد إتخذا اللقب ذاته (شاروكين الاول بحدود  1860 ق.م ) و ( شاروكين الثاني 721- 705 ق.م). والأخير له منحوته جدارية  منفذة ببراعة تُظهر مدى التشابه بالملامح  في ما بينهما، وهي محفوظة حالياً في متحف تورين بايطاليا ( الصورة المقابلة ) .

 

مدرسة الرأي الثانية

تقترح بعائدية المنحوتة الى العاهل مانشتوسو نفسه، وقد وضعه توازياً مع تشييده المعبد المكرّس للإلهة عشتار، تدعم د. زينب البحراني  الخبيرة في تاريخ الفن هكذا رأي، بدلالة الاعمال النحتية الرائعة العائدة لهذا الملك(الجزء الاسفل من تمثال من حجر الديوريت، وكذلك المسلة شبه الهرمية التي لا تقل قيمة فنية بطريقة النحت، والاسلوب المتناسق في تدوين نصوص لعقود شراء قطع اراضٍ في بابل)، إن نقطة الضعف في هذا الرأي هي الفشل في العثور على منحوته معدنية تُنسب الى عصر هذا الملك حتى الآن. جميع هذه القطع محفوظة في متحف اللوفر،  وقد عَثرت عليها بعثة تنقيب فرنسية في مدينة سوسة عاصمة أقليم عيلام. والسبب في تواجدها هناك،هو حادثة غزو قام بها الحاكم العيلامي شاتروك ناخونتي، حيث أغار على بابل عام  (1158 ق.م)،  ونهب الكثير من الغنائم الثمينة، منها مسلة حمورابي (1792-1750 ق.م)، ومسلة النصر لنارام سن( أواخر الألف الثالث ق.م ) ، وهذا يدلل على ان كل هذه الُنُصب والاعمال التي خلفها ملوك العراق القديم كانت محط احترام و تقدير أهل البلاد مدة تربو على 1000 عام بعد العصور الأكدية والبابلية القديمة.

 

مانشتوسو

 

المدرسة الثالثة

تُنسِب التمثال الى الحفيد نارام سن (اسمه يعني محبوب إله القمر وقد حكم من 2260 الى 2223 ق.م)، ويؤيد هذه المدرسة عدد من الباحثين، منهم انطوان مورتكات في كتابه الموسوم "الفن في العراق القديم". ولا بد من التوكيد على أن العراق ارتقى  في عصر نارام سن الملقب بملك الجهات الاربعة اسمى مراتب مجده الامبراطوري، وربما من المنطقي تشبيه الاسكندر المقدوني به، رغم أن الفاصل بينهما نحو ألفي عام،ما يؤيد وجهة نظرهذه المدرسة،المسلات والنُصب العائده له التي خلفها في أرجاء امبراطوريته، ومنها عمل من البرونز عُثِر عليه إبان العقد السبعيني من القرن المنصرم ، خلال حفريات في منطقة باسطكي بمحافظة دهوك العراقية، حيث كُشِف عن قصر للعاهل نارام سن، وفي مدخله وجد تمثال برونزي مجوف يمثل النصف الاسفل  لجسم  شاب عار جالس على قاعدة دائرية مثبت عليها نص مسماري يرد فيه ذكر نارام سن ، يزن هذا التمثال بحدود 140 كغم، وهو محفوظ حالياً  في المُتحف العراقي، وقد  سُرِق عام 2003  جراء فوضى الغزو الاميركي، وعُثر عليه لاحقاً مخبأً في حفرة غُطيت بزيوت صناعية،إن نقطة الضعف في هذا الرأي، حسب مالوان، تتمثل في أختلاف طريقة تصفيف لحية وتسريحة  شعر نارام سن من الخلف عن الرأس البرونزي.

 نارام سن

 

تقنية النحت المجوف

جرى فحص المنحوتة البرونزية في ثمانينيات القرن المنصرم  من قِبل العالمة الألمانية إيفا سترومينكر، وتَبين انها تتكون من سبيكة (أكثر من ثلاثة ارباعها  من النحاس تقريباً والباقي من القصدير)، وقد تعرضت لتشويه جراء ما يُعتقد انها محاولة لسرقة احجار كريمة ربما كانت تغطي محجري العين، او حتى قد لا تعدو كونها محاولة ايذاء متعمدة من قبل اعداء او غزاة ،بدليل قطع الأذان وجزء من اللحية  و ضرب منطقة العين بفأس.

 يبدو ان الرأس كان مثبتاً على  تمثال من حجر او خشب مغلف بقماش او ذهب على عادة أهل البلاد، تُظهر المنحوتة  مدى الاهتمام  البالغ بالصنعة والحرفية العالية التي توصل إليهما الفنان الأكدي، إذ إن طريقةالصب بحد ذاتها  تُعدّ طفرة نوعية في تاريخ فن النحت، وكما سنرى بالرسم المرفق، توضيحاً  مبسطاً لتقنية النحت المجوف،تبدأ بعمل تمثال كامل للرأس من خلطة طينية ناعمة خاصة تدعى اليوم بـ(السُكري)، ثم يُشوى التمثال بالفرن ليتصلب، ويُغلّف إما بالشمع او بالقار،وتلي ذلك مرحلة تغليفه بالطين من الخارج مع ترك فتحات او فراغات للتنفيس، ويُعرّض القالب للحرارة  فيذوب الشمع او القار، تاركاً  فراغاً ما بين التمثال الطيني في القلب والغلاف الخارجي، ثم يُعبأ بسبيكة البرونز المنصهر، وحالما تتصلب السبيكة  يُكسر القالب الخارجي ليُستخرج  التمثال وتُستكمل تفاصيله الفنية النهائية.

طريقة الصب بالتفريغ 2

 

 

مقاربات

لغرض إستكمال هذه الدراسة الموجزة، وبسبب فرادة وتميز هذه المنحوتة ،نجد لزاماً علينا المروربقطعتين على شيء من شبه بها، الأولى  بقايا رأس من حجر الديوريت  يقترب من سمة وجه وتصفيفة لحية الرأس البرونزي ، عُثِر عليه خلال تنقيبات البعثة الفرنسية في تلو (كرسو السومرية القديمة)، و محفوظ حالياً في متحف اللوفر.

 

الرجل الملتح من تلو البعثة الفرنسية 2

 والثانية  منحوتة من النحاس مشابهة للأصلية، لكنها كانت، على ما يبدو،  مشوهة ومتضررة، وربما كانت محاولة فاشلة للصب جراء استخدام النحاس لوحده ، وهي من محفوظات المُتحف العراقي.

التفصيلة الأخرى،هي طريقة تصفيف شعر الرأس وشده من الخلف في المنحوتة البرونزية، والتي تطابق  ببساطة عمل آخر ربما يسبقها بقرن ونصف القرن، حيث خوذة الذهب العائدة إلى ملك من سلالة أور يدعى مس كلام دوك (عاش في منتصف القرن الثالث ق.م)، وقد عَثر عليها  المنقب البريطاني ليونارد وولي  في عشرينيات القرن المنصرم بمقبرة أورالملكية.

 

خوذة السومري و راس الاكدي

من خلال استعراض مدارس الرأي المختلفة أعلاه، نستنتج  ان هذه المنحوتة ربما تعود الى الامبراطور شاروكينو الكبير، أو أحد أفراد عائلته، ونأمل أن تكشف التنقيبات المستقبلية عن لقى جديدة تعيننا على فك الغاز هذه الطفرة النحتية الكبيرة وربما عائدية المنحوتة، وكذا ستفسر الكيفية التي تمكن فيها الفنان الأكدي من امتلاك هذه الدرجة من الجرأة الفنية التي تُعدّ انقلابا على المدرسة السومرية الكلاسيكية،جراء التحرر من سلطة المعبد، وشيوع نوع من الحيوية في الحياة الاجتماعية، بسبب تطبيق النظام العلماني للدولة المركزية، وهو ما يستدعي التفكر بأمكانية عزو هذه الطفرة الى تدفق المواد الاولية، و حرية التنقل لاهل الحِرف والفن ضمن ارجاء الدولة الموحدة، والتي تفسر أيضا السر في تطور فن نقش الاختام الاسطوانية في العصر الاكدي، كما في النماذج الظاهرة في الصور.

اختام

 

هذا ما يؤيد بلا أدنى شك، الرأي القائل بأن الفنان العراقي القديم و بهكذا جرأة غيرمسبوقة في التجريب، قد أرسى الاسس لإحدى أهم الطفرات في تاريخ الفن العالمي.

 

 

Write comment (0 Comments)

وصايا سومرية - عن الإرث والذاكرة عند العراقيين القدماء ( 2 )

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
وصايا سومرية
عن الإرث والذاكرة عند العراقيين القدماء - ( الجزء الثاني)
نشرت في  جريدة بين نهرين عدد - 10 كانون الثاني 2019
عبدالسلام صبحي طه
 
 
ملوك مثقفون واراشيف مكتبية
مكتبة اشور بان ابلي نينوى رسم تخييلي
لا يخفى على مهتم بالتاريخ العراقي القديم ، سيرة احد أهم ملوكه الا وهو العاهل آشور بانِ ابلِ ( آشور بانيبال في العهد القديم ) و ما تعلق بمكتبته الشهيرة التي عُثر عليها في التل الاثري في قوي انجق حيث اطلال العاصمة الامبراطورية الآشورية العظيمة نينوى ، حفر في الموقع الاثري للمكتبة الحفار البريطاني اوستن هنري لايارد في العام 1841م ، و قد هاله ما وجد هناك ، فقد اخرج من ذلك الموقع ما يربو على 30 الف رقيم مسماري تقريباً ، كانت هذه المكتبة هي مستقر آداب و علوم العراق القديم والذي امر الملك آشور بانِ أبلِ ( الملقب ب المثقف و الكتبي ) بجمعه من انحاء الاقاليم التابعة للامبراطورية ، من مصر جنوبا الى ارمينيا شمالا ومن عيلام شرقا الى سواحل البحر المتوسط مرورا بكامل سوريا القديمة ، حيث يرد في نص له " انا كتبت ودققت هذه الألواح من خلال الموظفين والطلاب ، وقد جمعت وكتبت النسخ الاصلية القديمة "، ، حرص العاهل الآشوري على ارسال النساخين الى مراكز العلم والادب في حواضر العراق القديم ( بابل وبورسّبا واكد وكوثى ونيبور واشور )، حيث قاموا بنسخ معظم المؤلفات المهمة . من شعر واساطير و الواح اقتصادية و فلكية ، وقد عمل بدأب علي العناية بها ومتابعتها وتنظيمها طيلة مدة حكمه الطويلة و التي بلغت 42 سنة ، كانت بعض رُقم المكتبة تُقرأ عليه قبل ان يوافق على ايداعها في المكتبة ، وكان مهتما بتعلم اللغة السومرية القديمة وهي اللغة المقدسة للكهنة ، حيث اشتكى دوما من صعوبتها، وقد ورد في احد النصوص انه طلب من احد كتبة المعابد في سبّار ( حيث المكتبة الأولى القديمة التي ترقى الى العصر البابلي القديم ) ان يبحث له تحديدا عن احد الرُقم العائدة الى الملك ( المشّرع ) العظيم حمورابي و الذي كان يسبقه باكثر من الف ومائتي عام وطلب منه ان يرسله اليه ، ومن نفائس ما عُثُر عليه في المكتبة ايضاً ، نصوص من ملحمة العراق الخالدة التي حملت اسم احد ملوكه السومريين ( جلجامش ) ، و منها الرقيم الشهير المتعلق باسطورة الطوفان مدوناً باللغة الآشورية وهي لابد انها منقولة عن نص بابلي قديم يرقى الى عصور ما قبل العاهل حمورابي حيث عُثر على النسخة السومرية لتلك الملحمة ، وكانت ترجمة هذا اللوح فتحاً كبيراً، أسقط الكثير من الفرضيات الزافة التي رسختهاالنصوص التوراتيه وكشفت حقيقة نسخها للفكر العراقي القديم ، هذه المكتبة نقلت لنا معارف اسلافنا و منحت للبشرية دفقاً من عطاءهم.
لا نتوقف عند هذا الحد في امر المكتبات ، ففي العام 1986 كشفت بعثة تنقيبيه عراقية في تل ( ابو حبة)Sippar Libraary حيث موقع مدينة سُبار القديمة في منطقة اليوسفية الحالية قرب بغداد ، معبدا لاله المدينة ( شمش ) وهو اله الشمس عند العراقيين القدماء ، و في احد جدران المعبد وجدت رفوف تشكل مكتبة على شكل حرف U يربو عددها على 56 رف وبداخلها وجِد مئات من الارقم المسمارية ، وكانت مرتبة بطريقة تدعو للاستغراب ، و كأن القائمين عليها قد تركوها للتو بدلالة الفهرسة الدقيقة للالواح ، يرقى زمن هذا المنشأ الى العصر البابلي الحديث ( الكلدي – القرن السادس ق.م ) ، وهذا امر ذو دلالة مهمة تشير الى الحرص في نقل المعارف ما بين الاجيال و الحفاظ على التقاليد المتوارثة ، و ربما ان هذه المكتيةهي صدى لمكتبة نينوى العظيمة التي تناولناها آنفاَ ، والتي سبقتها بقرن من الزمان ( الصورة المقابلة لمكتبة سبار - 1986 ) .
 
 
بين الأمير السومري جودايا و الآرامي أدد نادين أخيAdad Nadin ahhe reduced
وردتنا نصوص لملك ارامي بالاسم ( أدد نادين أخي, عاصر فترة الحكم الفرثي في اواخر القرن الثاني ق.م ) ، و كانت مملكته تتمتع باستقلال شبه ذاتي ، حكم الملك آخي في جنوب بلاد النهرين ، وتحديدا في المواقع التي كانت تضم مملكة لكش ، في مدينة كرسو القديمة (تللو الحالية ) .حيث وجد بناؤو قصره الجديد خلال الحفر ، تماثيل تعود للحاكم الشهير جودايا ( أمير سومري من سلالة لكش الثالثة ، حكم من 2164 الى 2144 ق.م ) و الذي سبق الملك آخي بالفيتين من الاعوام تقريباً ، فيذكر النص ان الملك أخي " قد أمر البنائين بجمع اللُقى القديمة و عرضها في ركن خاص بالقصر وطلب من كتبته بقراءة النصوص التي دونت عليها باللغة السومرية وطلب منهم تقليد الكتابة بالأسلوب الأصلي وباللغتين الآرامية و اليونانية و أن يحاكي التصميم المعماري لقصره الطراز السومري للمنشأ القديم " .( الصورة ).
 
 
 
بعد هذا الزمن بألف وخمسمائة سنة تقريباً تبزغ شمس الحضارة على قارة اوربا، و في بدايات عصورها الوسطى نسمع عن عائلات ارستقراطية تهتم باقتناء الاثر الفني القديم وتوثيقه وصيانته (عائلة ميدي- تشي الفلورنسية في ايطاليا الحالية مثالا ).
 
***
اِن ما قمنا بأستعراضه في جزئي المقال هو سرد محدود لامثلة تُظهِر احترام العراقيين القدماء لاِرث اسلافهم الغني واهتمامهم بنقله جيلا بعد جيل كنوع من فخر وتوكيد لأمانتهم في صيانة الارث والذاكرة.
أن التراث الثقافي يعتبر ركناً اساسياً من اركان الوعي الانساني ولذا تبنت هيئات مختلفة من الامم المتحدة مبدأ حمايته والحفاظ عليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، ابتداء بمعاهدة لاهاي لحماية التراث الثقافي خلال العمليات الحربية في العام 1954 ، ومرورا بالتشريعات التي تبنتها منظمة العلوم والثقافة ( اليونسكو ) في العام 1970 والتي منحت غطاءاً دولياً لحماية التراث الثقافي في زمن السلم وتحريم الاتجار به، وصولا الى اتفاقية روما ( اليودونروا في العام 1995 ) والتي منحت القانون الدولي فضاءاً أرحب للتعامل مع التشريعات الخاصة بالحفاظ على التراث الثقافي.
ما نود ان نتلافاه حقا هو ان نفتح حوار مع جيل عراقي في المستقبل عن المنجز الحضاري لأسلافهم فنجدهم يحتارون بالرد جراء جهلهم بالامر، وهذا ان حصل فهو نتيجة طبيعية للتغييب الحاصل حالياً من جهة المناهج الدراسية والوضع الكارثي للاعلام المسيس والتجاري التافه الذي يسطح عقل المواطن، ناهيك عن عمليات المحو الممنهج لمكامن الحضارة في حواضر العراق القديم وشواهده كما حصل خلال فترة الحصار الظالم على العراق او مع الإرهاب الداعشي في محافظة نينوى وبشكل منهجي مخطط له ، يهدف الى قطع حبل المشيمة بين الماضي والحاضر وترك ذاكرة الاجيال لتتلاشى تدريجيا .
أن محاربة التجهيل الحاصل للأجيال الناشئة بل والمجتمع بشكل عام لهو هدف نبيل ومشرّف، يستلزم منا جميعاً كعراقيين ورثنا مساهمات اسلافنا القدماء في مسيرة البشرية، من ان نحفظ للعراق هيبته امام امم العالم المعاصر ومكانة اهله السامية في المنظومة البشرية ،لانهم والحق يقال وضعونا تحت مهمة جسيمة ولكنها مشرفة بتوريثنا محطة بلاد النهرين العظيمة التي تحرك منها التاريخ.
 
بين نهرين 10 كانون ثاني 2019 2
 
3بين نهرين 10 كانون ثاني 2019 2
 
Write comment (0 Comments)

نارام سين في متحف الميتروبوليتان - مجلة الجديد اللندنية

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

Naram

 

نُشرت في مجلة الجديد اللندنية  - الثلاثاء  2016/11/01

عبدالسلام صبحي طه

في ‭ ‬العام2003‭ ‬ أقام‭ ‬متحف‭ ‬المتروبوليتان‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭ ‬عرضًا‭ ‬آثاريًّا‭ ‬كبيرًا‭ ‬ومهمًّا؛‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬فنون‭ ‬المدن‭ ‬الأولى‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬جرى‭ ‬عرض‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬بلاد‭ ‬الرافدين‭ ‬‭(‬العراق‭ ‬الحالي‭)‬،‭ ‬تتوسطها‭ ‬بقايا‭ ‬أثر‭ ‬نادر‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬الجيري‭ ‬يعود‭ ‬للفترة‭ ‬الأكدية،‭ ‬يظهر‭ ‬فيه‭ ‬نارام‭ ‬سين؛‭ ‬حفيد‭ ‬العاهل‭ ‬الأكدي‭ ‬سرجون‭. ‬وهو‭ ‬جالس‭ ‬كملك‭ ‬وإله‭ ‬بجانب‭ ‬الإلهة‭ ‬عشتار؛‭ ‬إلهة‭ ‬الحب‭ ‬والخصوبة‭ ‬والحرب‭ ‬عند‭ ‬سكان‭ ‬العراق‭ ‬القديم‭. ‬أثر‭ ‬كهذا‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬ذُكر‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الآثارية‭ ‬العالمية‭ ‬قبل‭ ‬هذا‭ ‬المعرض،‭ ‬ويبدو‭ ‬وكأنه‭ ‬قد‭ ‬سقط‭ ‬من‭ ‬السماء‭ ‬وسط‭ ‬باحة‭ ‬المتحف‭ ‬النيويوركي‭ ‬العريق؛‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬تاريخ‭ ‬أو‭ ‬سجلّ‭ ‬يوثق‭ ‬له‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬تاريخ‭ ‬التنقيب‭ ‬والاكتشاف‭ ‬أو‭ ‬الجهة‭ ‬التي‭ ‬اكتشفته‭ ‬وبعثة‭ ‬التنقيب،‭ ‬ولم‭ ‬يوضع‭ ‬أي‭ ‬تحذير‭ ‬أمامه‭ ‬مثلاً‮ ‬‭ ‬ينبه‭ ‬الزائر‭ ‬‮«‬احذر‭ ‬من‭ ‬فضلك‭ ‬فهذه‭ ‬القطعة‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مسروقة‭ ‬أو‭ ‬مهربة‭ ‬من‭ ‬وطنها‭ ‬الأم‮»

لاستكمال المطالعةو تحميل نسخة  من المقال ( أضغط هنا

 

 

Write comment (0 Comments)

لقاء قناة الحرة - آثار العراق والتحديات التي تواجه الارث الثقافي العراقي

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

قناة الحرة - عراق

الموضوع : آثار العراق والتحديات التي تواجه الارث الثقافي العراقي  ( تشرين الثاني 2017 )

برنامج بالعراقي -  أدار اللقاء عماد جاسم مع فريق كتاب الكارثة، نهب آثار العراق وتدميرها

د. عبدالامير الحمداني - عبدالسلام طه - د. أمل بورتر   

 

Write comment (0 Comments)

نصوص سومرية في الإرث والذاكرة - ج1

كتب بواسطة: Salam Taha on . Posted in سلام طه

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

الإرث والذاكرة عند العراقيين القدماء

نُشِر في جريدة بين نهرين عدد 3 كانون ثاني - 2019 ( لتحميل نسخة الكترونية بصيغة pdf أضغط هنا )

 

عبد السلام صبحي  طه

ان جوهر فكرة الاهتمام بالحفاظ على التراث الثقافي لا يتعلق بتمجيد الماضي او بإقحامه قسراً على مسرح الحاضر، وانما تقديمه للشعب  بطريقة  منهجية وحيادية  مبسطة  ،  كي يتمكنوا من التعرف على حاضرهم بشكل أفضل كون التراث أحد منابعه الاصيلة، بما قد يضعه بموضع  حجر  اساس لبناء المستقبل، أذا الامر ليس متعلقاً بتقديس الأثر بحد ذاته وانما احترامه وفهمه جيدا ضمن سياقاته كجزء من ذاكرة جمعية ،  والتي هي احدى العناصر المؤسسة  للهوية الوطنية. ورافد  مغذي لمقومات بناء الامة العراقية، هكذا ينبغي فهم التراث الثقافي في سياقه الاشمل.

في قول مأثور لعالم السومريات الشهير صموئيل نوح كريمر( 1897-1990 )   ان" التاريخ ابتدأ من سومر"، وهذه شهادة  ولا اصدق من عارف افنى عمره ما بين الواح سومر، ستكون مدخلنا لهذا المقال .

 عُرف عن أهل العراق القديم اهتمامهم بأرث أسلافهم ،  فهم أدركوا جيدا ومنذ فجر التاريخ و كما سنرى في هذا المقال انهم ورثة بلد عريق ذو تاريخ مجيد، ارست الالهة اسسه بحسب عقائدهم واساطيرهم ،  فانزلت الملوكية من السماء على حواضره الاولى وسورت مدنها ، ولذا اصبح التعامل مع الارث واجب مقدس على الشعب أرضاءً للالهة،  سنحاول في هذا المقال تفصيل بعض من شواهد تركوها  لنا  ، انتخبناها من ارشيفنا الاثاري الغني  .

نصوص الفأل - الشومّا ألو 

وردتنا قائمة طويلة من النصوص المتعلقة بطقوس الادعية  المختصة بترميم  الابنية من العصر البابلي القديم (الآموري) والتي استمر العمل بها حتى العصر السلوقي، يرد فيها تعاليم  تُعرف بالشومّا آلو  ( وترجمة  مجموعة تلك التعاليم  :   أذا مدينة في الاعالي ) و هي  تشمل الابنية الخاصة بالسلطات الدينية والسياسية وحتى بيوت  الخاصة من الناس.

أذا رمم شخص معبداً ، فسيحالفه الحظ الجيد

أذا هدم شخص معبداً، فسيبتلعه النهر ( طقس عراقي قديم، يُستخدم للحكم على السيء من الناس ).

أذا نقل أحدهم هيكلاً، فسينتهي هذا الشخص حطاماً.

أذ رمم أحدهم مُنشأً قديماُ، فأن ألهه سيكافئه.

هذا النص مثال لقائمة طويلة من نصوص كانت  تتلى كجزء من طقس حماية منشآت وتماثيل لالهة وملوك وبها تعليمات واضحة وصريحة باتباع منهجية محددة لئلا تقلق الالهة وتنزعج.

هكذا وصايا يحيط بتفاصيلها كهنة مختصون يدعون  ( بارو )  ، و لديهم خبرات بعلوم المساحة والتخمين الانشائي ، وهم يقومون كذلك بمهمة التدقيق بشأن اللقى والعاديات التي يتم العثور عليها في طبقة الاسس القديمة من احجار وشواهد اسس وآجرات ، فهذه جميعها تعتبر عرفاُ ذاكرة المكان المقدسة، والاهتمام بالحفاظ عليها سيجلب رضا الالهة و قبولها و المكافئة بالحظ السعيد للأرض ومن سيسكنها.

طقوس صيانة البنايات القديمة

في احد النصوص العراقية القديمة ، التي ترقى الى الفترة السلوقية  (دامت من 312 الى 238 ق م  ، وقد  خلفت حُقبة  الاسكندر المقدوني المتوفى في بابل  في العام  323 ق.م )، برد تفصيل  لطقوس تتعلق بالبناء و العمارة وكيفية التعامل مع  المنشآت القديمة  الدينية منها كالمعابد و الحكومية كالقصور،  ويبدو ان هذه الطقوس قد تناقلتها الاجيال و سنجد جذورا لها ترقى الى  العصور السومرية في مطلع الالف الثالث ق.م، ينص الطقس على ان يقوم  كاهن التعزيم الخاص المدعو  (الكالو Kalo   ) ، برفع طابوقة من المعبد القديم ووضعها في مذبح المعبد الجديد وخلال تلك  العملية تتم تلاوة تراتيل قديمة لآلهة البناء و التشييد ( كولا Kulla-   ) أو  الى (موش دام مو -  بنّاء انليل العظيم-   šidim gal den-líl-lá-ke4 )  ، وبعضها كانت بلغة المعابد المقدسة ( السومرية )  ،  الفكرة كانت بالابقاء على المنشآت القديمة المكشوف عنها   ومعاملتها   بحذر شديد  عن طريق حفظ  ما تبقى و من ثم البناء من حوله او عليه، وفي هذا دلالة على  قدسية المُنشأ القديم، هكذا طقوس كانت  تسبقها بالعادة عملية مسح دقيقة للموقع بعد اجراء الكشف من قبل الكاهن الخبير  المختص ( البارو) ، كي يتم تفادي الدمار والضرر ما امكن.

كان سكان البلد متنبهين باستمرار لهذا الامر بدليل  كميات النصوص التي عُثرعليها وتفصّل لهذا الامر بشكل صريح ، ان التراكم التاريخي الكبير الحاصل في بلاد النهرين آنذاك  ، اورث الشعب  بيئة ثقافية غنية  دفعت ابناءه  الى الاهتمام بما توارثوه فوضعوا نصوصا تفصيلية بالامر وابتدعوا طقوساً خاصة لتطمين الالهة بحسب عقائدهم.

ملوك  آثاريين ومتاحف  قديمة

تُخبرنا الرقم الطينية  أن العاهل البابلي نابونئيد والذي اعتلى عرش الامبراطورية  البابليه الكلدية  منذ  العام   556 ق.م وحتى سقوطها على يد قورش الاخميني في العام   539  ق.م ، قد عُرِف عنه  هوسه  باقتناء الاثار القديمة ، و كان يحرص على التنقيب في الاماكن التي  بسط بها العراق سلطته على ارجاء الشرق الادنى القديم  . وقد استحق بذلك لقب (اقدم آثاري في التاريخ ) أطُلق عليه من قبل  المحافل الاكاديمية ، حيث كان يقوم بتجميع العاديات  التي ترقى الى عصور غابرة ،  و يقوم بتصنيفها  بمساعدة ابنته ( بل شالتي ننار ) وهي كاهنة الاله سين العظمى في بناية خاصة في مدينة اور ، يورد المنقب البريطاني السير ليونارد وولي والذي نقب في الموقع خلال عشرينيات القرن المنصرم وكشف عن تلك البناية (  المُتحف )، انه قد عثر على رقيم طيني للملك  نابونئيد يذكر فيه "   خلال اعمال التجديد  لمعبد الاله سين في اور، فأنه قد امر  بحفر الارض  للتفتيش عن المخطط   للمعبد الاصلي ، كي يتمكن من اعادة البناء  وفق  التصميم  الاول  حفاظا على قدسية المكان ،  وخلال الحفريات فقد عثر على  رقيم طيني باسم الملك السومري ( بور سين و الذي حكم في اور بحدود  1600  عام قبل  زمن نابونئيد تقريباً  )، فامر كتبته  باستنساخ الرقيم القديم  وقام بوضعه في محله وطمره بالتراب ، اذا ما عثر عليه  المنقب وولي  كان نسخة  نابونيئد للرقيم السومري المنسوخ،   ما برح ليونارد وولي يدهشنا في كشوفاته تلك ، فيبلغنا في طريفة  ان سر تعرفه على تفاصيل تلك القطع في الغرفة كان بمساعدة من امينة ذلك المتحف ( ابنة نابونيئد الكاهنة بل شالتي ننار  ) فهي على ما يبدو  كانت  مهتمة أيضاً باللقى القديمة و تنظيمها بدليل  تركها  لرقيمات تعريفية لكل قطعة  أثرية وُجدت في البناية  مع ما توفر من تأصيل لها ، وهو ما يُعمل به من قبل المتاحف في عالمنا المعاصر وتلك قصة اخرى لابد لنا من تناولها في مقال مفصل لاحقاً  .

يرد في كتاب ليونارد وولي عن تنقيباته في اور الشهادة التالية :

 " يبدو ان حرفة التنقيب لدى سكان بلاد النهرين القدماء ، عريقة كتاريخهم وان التبجيل لاثار العصور القديمة وخطورة محوها او العبث بها  تسري في دمائهم كسريان الأسطورة في مدوناتهم ".

كانون اول 2018 1

كانون اول 2018 2

Write comment (0 Comments)

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker