د. أمل بورتر

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

 بقلم : د.امل بورتر

نشرت في مجلة بين نهرين ( العدد  122  بتاريخ تموز 2019 ) - ( لتنزيل العدد - أضغط هنا من فضلك ) غلاف

اعتبر هنري مور من أعظم نحاتي القرن العشرين من دون منازع، خرج عن التقليدية في النحت والرسم، ومارس مبدأ الرفض للقيم التي سادت مجالات النحت لفترات طويلة، في اوربا كان الحراك الثقافي حينها قد تخطى الكثير من الحدود التقليدية  شمل ذلك كل نشاطاته الادبية والفكرية الفسلفية والاجتماعية كذلك من شعر ونقد  ونصوص سردية والموسيقى وحتى الرسم كلها فتحت ابوابا جديدة غير متعارف عليها ،إلا أن النحت بقي مراوحًا في مكانه مدة أطول.

ولد هنري مور لأبٍ عامل من عمال المناجم في منطقة يوركشر البريطانية المعروفة بمناجمهاومجتماعتها العمالية التي عانت اغلبها من  قلة الموارد المالية وصعوبة الحياة، شارك هنري مور في الحرب العالمية الأولى، وبعد انتهاء الحرب التحق بمدرسة الفنون في مدينة (ليدز)، وبعد تخرجه منح زمالة للدراسة في الكلية الملكية للفنون ودرس فيها كذلك، وكذلك في مدرسة جلسي للفنون أيضًا عاصر هنري مور نخبة المجددين في الفن والأدب والنقد ومنهم (هربرت ريد) الناقد المعروف.

الرفض الذي مارسه هنري مور كان جذريًا، من رفض للأسلوب المتعارف عليه حينها إلى تنفيذ العمل وفقًا لقوالب معينة، داعيًا إلى إبراز حقيقة المادة المستخدمة من شكل أو تركيبة لتطويعها في وحدة متكاملة وبشكل مناسب لتخدم الموضوع، وتوظيف المادة (خشب- أو حجارة) والموضوع معًا، لخدمة أحدهما الآخر،

استمر على التأكيد على القيمة التفاعلية (للموضوع) مع ( المادة )للوصول إلى نتيجة فنية تختلف في مضمونها العام عما عرف عن استخدامات المادة واختيار الموضوع  في  النحت في الفترات السابقة.

في بدايات القرن الماضي عني هنري مور بما يدور في أوربا من حركات تجديدية في الفنون التشكيلية، وبقي على اتصال مباشر بكل ما له علاقة بالأفكار الجديدة وخاصة السوريالية، التي هزت المجتمعات الفنية والثقافية الأوربية وأنتج أعمالاً من السهولة تصنيفها بالسوريالية، وظهرت على أعماله التأثيرات التجريدية كذلك.

اطلع مور كبقية الطليعيين على نتاجات التراث الحضاري العالمي، ووسع أفقه ليشمل حضارات مندثرة، وبفكر متمعن وببصيرة الفنان الثاقبة، تمكن من  قولبتها بما يلائم معطيات العصر الذي يعيشه، درس البعد الفني لتلك الأعمال محاولاً تطويع موروثها لخدمة فنه وأفكاره وخيالاته المتجددة والتي رفضت الصيغ الجاهزة والأفكار المعدة سلفًا.

المتحف البريطاني كان النافذة التي أطل منها هنري مور على العالم الموغل في القدم، وأخذت تأملاته لتلك الأعمال تستغرق منه وقتًا طويلًا، وبذلك احتفظ بذاكرته بخزين كبير جدًا منها وتوسعت مفرداته التشكيلية، وبدا ذلك واضحًا على نتاجاته الفنية المستقبلية.

أعمال هنري مور كانت وما زالت قبلة النقاد، أشبعوها درسًا وبحثًا مفصلًا، وحللوا كل التأثيرات ومعطياتها، وأجمع الجميع وهنري مور من ضمنهم على التأثر بالتراث المكسيكي، ووصف مور المنحوتات المكسيكية بأنها (صحيحة وحقيقية)، وأضاف ربما لأنها تشبه منحوتات العصور الوسطى على جدران سطوح  الكنائس، والتي كانت تسترعي انتباهه عندما كان صبيًا.هنري مور

يقول مور في زياراته المتعاقبة للمتحف البريطاني كان يدرس منحوتات  فترة ما قبل التاريخ و تراث أمريكا الجنوبية المعروف بالماقبل كولومبي، والنحت الأفريقي، ولكن النحت الفرعوني والآشوري كانا لها وقع شديد، إلا أنه يعطي الأولوية للنحت الفرعوني المبكر وتأثيره القوي على شعوره اللاواعي، فلا ينكر استلهامه تمثال رجل وامرأة جالسين في عمله الموسوم (الملك والملكة)، أما عن النحت الآشوري، فيقول: كان هذا النحت متقن الصنعة إلى أبعد الحدود، مما جعلني أشعر ببعد الفنان النحات وقرب الفكر الدعائي –الإعلاني، مما لم تثر فيَّ مواضيعه  الإعجاب، يبدو أن مورفي هذا  الحديث المقتضب  لم يفصح بشكل علني عن تأثره العميق بكل الفنون القديمة، وحاول الاقتصادكما معروف عنه في الكلام والحديث عامة  ،ا أو ربما لم يعطها بأقواله الأهمية التي تستحقها، إلا أن ترك أعماله (منحوتاته) تفصح  وتتحدث بوضوح  عن اهتماماته وتأثيراته واستلهاماته.

 لقد لاحظ ذلك أحد النقاد الأمريكيين في عام 1931حين كتب يقول في (أخبار الفن، رسالة لندن) معلقًا على معرض مور، ويصل إلى المقطع الذي يصف منحوتات مور بما يلي:

(تحريف وتعويج للجسم الأنثوي صفة من صفات أعمال هنري مور، هناك نوبة/ضربة تأثيرية بأسلوب سومري، ولكن ليس بالأسلوب الشاعري المؤثر الذي وصلنا من سومر بما يزيد عن الألفي سنة ،،،الخ)

ثلاثينات القرن الماضي، بدأ هنري مور في تنفيذ سلسلة مواضيع فنية، حيث الجسم يبدو متكئًا أو شبه مضطجع، غالبية الأجسام أنثوية، وكذلك سلسلة مواضيع العائلة، حيث الأم والأب والطفل، ولو نظرنا إلى هذه الأعمال، فإن تأثيرات فنون وادي الرافدين من مراحل مختلفة تبدو واضحة جلية للعيان، ولاحظنا طريقة تنفيذ ألا كف والاذرع  و حتى الكتف و الجذع ، لوقارنا ذلك بالمنحوتات التي وصلتنا من مراحل مختلفة من فنون وادي الرافدين، فإن فنان وادي الرافدين من اغلب فتراته  وهنري مور يلتقيان في نقاط عديدة.

نستطيع تقسيم أعمال هنري مور حسب موضوعاتها:

  • الأجسام النصفية_
  • _مجموعة الأجسام الآدمية الجالسة- أو ما تعرف بالعائلة وكذلك الاجسام المنفردة الأجسام المتكئة/ المضطجعة _
  • الأشكال المجردة- تجريد متناهي_

 

الاجسام النصفية

 

نفذت أغلبها في فترة الثلاثينات وبداية الأربعينات وتتلاقى كثيرًا مع آلهة الخصوبة، الآلهة الأم لفترة ما قبل التاريخ، وكذلك مع الفترة الشبه كتابية في وادي الرافدين،إذ تجمع هذه المنحوتات ميزات واضحة، منها عدم التدقيق في معالم الوجه أو تجاهلها كليًا، صغر حجم الرأس نسبيًا مقارنة مع الذراعين، قوة وضخامة الساعدين وتركيز ملحوظ على الكف والأصابع، فأن حركة الكف تسترعي انتباه المتلقي لضخامتها والعناية الشديدة في دقة الأصابع وحركتها غير الاعتيادية، وكذلك شفافيتها والحساسية المفرطة في تنفيذها، رغم أن الموضوع يمثل الأنثى إلا أن قوة وضخامة الكتف والساعد واضحة جدًا، التركيز متعمد في هذه المبالغة والضخامة، وذلك لتشكل نوع من التضادد النسبي وهذا التضادد يشكل محور ونقطة ارتكاز العمل الفني.

صغر حجم الرأس وجمود الوجه وخلوه من الحواس هو نوع من المواجهة والتحدي الصامت، هذه الدعوة الصريحة لتجاهل الوجه غير المعبر أصلًا بالشكل التقليدي والذي لا  يثير في المشاهد أي انفعال بل يدعو المشاهد إلى تجاوزه، كل هذا يقود إلى السير بسهولة ويسر للوصول إلى الذراعين التي هي محور الموضوع، وهذا بالتالي يدعو المشاهد إلى التفكير والتساؤل عن سبب إبقاء الوجه جامدً أصم، يقول هنري مور عن ذلك: إن التفاصيل الأكاديمية التقليدية تشرح للمشاهد العمل بيسر وسهولة، وتعبر عن الصفة الممنوحة له بكل جلاء، مما يجعل العمل الفني يبدو كوسيلة إيضاح مدرسية أو إعلان تجاري نقرأه ببضع دقائق وننساه.                                                                                  

إن أعمال هنري مور لا تقدم شرحًا أو حلولًا بل تقدم أسئلة واستفسارات، كما وأنها لا تقدم صفة لحالات أو تعابير لأحاسيس بل تترك المشاهد في حيرة عليه أن يجد الحلول والإجابة على حيرته، بذلك يستقطب العمل الفني فكر ونظر المشاهد ويبقى محتلًا حيزًا كبيرًا من ذاكرة المشاهد إن وجد الأجوبة لتساؤلاته أم لا.

  • التشكيلات المتكئة والمضطجعة مجموعة الأجسام الآدمية الجالسة- أو ما تعرف بالعائلة وكذلك  الاجسام المنفردة.

 ابتدأ هنري مور بإنتاج هذه المجموعة  في أواسط الأربعينات، فقد كلف حينها بتغطية فنية لفترة الحرب العالمية الثانية وتصوير معاناة المجتمع البريطاني،

ركز هنري مور على المخابئ والملاجئ التي شغلها سكان لندن خلال ساعات القصف المكثفة والمستمرة، وسجل ما شاهده بشكل تشكيلي وثائقي، وأنتج الكثير من التخطيطات تغطي هذه المدة، هنا بدأت نواة فكرة مواضيع الشخصيات- العائلة الثلاثية تظهر بشكل أو آخر، ففي تلك الأماكن حيث يتجمع أفراد العائلة ويلتصق بعضهم ببعض، لفتات من الحنان والحماية كانت قد احتلت مخيلة الفنان تمامًا، أخذ مور بإنتاج مواضيع العائلة، حيث أبقى على أسلوبه الذي اعتمده، وذلك بتجاهل تفاصيل الوجه والتركيز على ضخامة اليدين والساعد، بقت الأصابع تحتفظ بتفاصيلها الانسيابية الواضحة، وبسهولة نقرأ العلاقة الحميمة الصميمية التي تربط مجموعة التماثيل، من حركة التفاف بسيطة ليد موضوعة على الكتف أو تماس ركبة الأشخاص أو ميلان رأس أو حتى استمرارية الغطاء القماشي الذي يبدو وكأنه قطعة واحدة غير مفصولة يشترك فيها الأب والأم،

هذه التماثيل تشارك التي سبقتها في التأكيد على أهمية الذراعين، ولكن مور إذ يولي اهتمامه بالجسم ككل، أصبح للساقين حضورٌ واضحٌ وهي الآن تتوازى مع الذراعين، فلقد دفع مور بأفكاره عدة خطوات إلى الأمام مستخدمًا نفس الأسلوب، إلا أنه أخذ يلعب بالفراغ والضوء الذي يتسرب عبر الفتحات الموزونة والمحسوبة بدقة، في هذه المواضيع و التوليفات نجد الهاماتها  واضحة من كثير من الأختام الأسطوانية، إلا أن مور كان من الشجاعة بحيث نفذها على شكل مجسمات، وهي تشترك مع بقية الأعمال في كثير من مقوماتها،اذ ان الاشكال بتنوعاتها  في الاختام السومرية والاختام عامة في وادي الرافدين متلاصقة متقاربة  فنجد البشر والحيوانات والنباتات  الابنية والمواد الطقسية متراصة متلاحمة تقف على بعد واحد، وهذا  ما قدم لنا هنري مور وكأن تخطيطاته   تبدو نسخة محسنة ومتطورة لتخطيط أولي قام به فنانو الأختام الأسطوانية في وادي الرافدين.

الأشكال التجريدية 

 كان المجال واسعًا رحبًا أمام خيالات واستلهامات هنري مور، فالحركات التجريدية تملأ الفضاء الفني الأوروبي، الأفكار الغريبة والاستفزازية تقابل بكثير من الارتياح والإعجاب أحيانًا والاستغراب أحيانًا أخرى، التحدي والتجديد استوليا كليًا على فكر ومخيلة أغلبية الفنانين، أخذ كل منهم يدلو بدلوه، أصبح أمامهم عالم ممدود واسع لا حدود له، وسافرت مخيلة الفنان مسافات بعيدة جدًا، في كل تلك الرحلات كان النتاج الفني يطعم بنكهة جديدة، أفريقية، آسيوية، مكسيكية، شرق أوسطية، وأحيانًا كثيرة توغلت إلى أعماق التاريخ السحيقة، ووصلت إلى فترات ما قبل التاريخ أو ربما وقفت عند الفنون البدائية.

نتيجة لهذه الاستلهامات والاشتقاقات خرج هنري مور بحصيلة ثمينة ونفيسة، وأغنى العالم بثروة فنية هائلة، فقرّب حضارات وموروثات، جعلها تلتقي في أحضان الفن.

حسبما نرى، فأن هنري مور قد استلهم الأعمال الرافدية وبقية الحضارات كذلك، إ لا أنه  وضف عمله بما يلائم فكره وذوقه العصري من دون إغفال أهمية علم

الجمال (الاستطيقا)،جاءت أعماله موزونة تمامًا من حيث الكتلة وتوزيع الثقل واختيار زاوية النظر وعدم إغفال تلاحم العمل كوحدة فنية من حيث الموضوع والشكل والمادة،جعل من ثقل الكتلة والفراع بينها والفضاء الذي تحتله كحجم علامة مشتركة تنسجم فيما بينها وجعل المضمون والتوزيع للكتله  ومركزيتها  وانسايبيتها مجال واسع للتمرد على الافكار التقليدية المتعارف عليها  في النحت.

أعمال هنري مور هزت كيان مؤسسات النحت الأوروبي، وخلقت أبعادًا جديدة، فتحت الدرب لكثير من الفنانين الجدد وأعطتهم زخمًا وثقة بإنتاج أعمال (مختلفة) لولا سعة أفق هنري مور وخصب خياله وتقبله بل تبنيه لأفكار ونتاجات حضارية مختلفة عن بيئته، واستخدامه الذكي لهذا المخزون التشكيلي لما تطور فن النحت وأخذ يواكب الرسم في مسيرته نحو التجديد والإبداع.

واخيرا لن يفوتني ان اذكر ان جواد سليم  كان احد طلاب هنري مور.

هنري مور 2

 

هنري مور 3

 

هنري مور 4

 

هنري مور 5هنري مور 6

هنري مور 7

هنري مور 8

هنري مور 9

هنري مور10

 

هنري مور11

 

هنري مور12

هنري مور13

 

هنري مور 122 بين نهرين

 

Write comment (0 Comments)
تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

كتب ماري تيريز اسمر اسفار رائعة ،تتطلب دراستها والتعمق فيها فهي سجل حي للحياة في وادي الرافدين، حيث لم يسجل اي انسان تلك التفاصيل الدقيقة اليومية والتي تتحدث بالكثير عن مجمل حياة الانسان الرافدي

.بقلم : أمل بورتر



اسمها ماري تيريز اسمر ولدت عام 1804 في خيمة بين خرائب نينوى حسبما تصف ذلك في كتابها النادر والثمين
والذي تحتفظ به المكتبة البريطانية بكل اعتزاز، الكتاب يقع في جزئين الجزء الاول من318 صفحة والجزء الثاني من 350 صفحة والصادر في لندن في شهر ايار سنة 1844.
التقطت الكتاب بيدي المتواضعتين ،وضعت كفي على صفحاته ،مررتها وانا احس برهبة /وجل، ونوع من الخشوع ، تجاه امرأة شابة من بلادي تغادر العراق تسافرعبر صحاري تخترق وديانا //تمر بجبال وتقطع البحار.
تزور سوريا وفلسطين ولبنان /تذهب الى ايطاليا وفرنسا وانجلترا وتمر بفترات ضيق لكنها تقاوم، تقابل اشراف /امراء ملوك والبابا .تمول اصدر بعض الكتب، ثم تكتب مذكراتها المعنونة مذكرات اميرة بابلية سنة 1844 .
في معرض حديثها عن اصول عائلتها تقول:
"انحدر من عائلة من الشرق، يعود اصولها الى البراهما، الذين اعتنقوا المسيحية من زمن بعيد على نهج كنسية ترافانكور التي اسسها توما رسول سيدنا المسيح في الهند.
اجدادي لقرون مضت وحسب التقاليد العائلية رحلوا عن ترافنكور عن طريق بلاد فارس، متتبعين خطى القديس توما واستقروا اخيرا في بغداد"
بكثير من الرومانسية والصدق العفوي تصف مكان ولادتها وتقول:
"وباء الطاعون انتشر في بغداد سنة1804 مما جعل والدي ان يقرر الرحيل والابتعاد بعائلته الى الريف بقرب خرائب نينوى حيث كان يملك منزل
كان يطلق عليه اسم قصر العزة في هذه لفترة ولدت في خيمة منصوبة في الصحراء ليست ببعيدة عن دار والدي"

تصف جدها بالامير ،ومن حديثها نعرف بماذا كان يتاجر اهل وادي الرافدين وما هي الصناعات التي كانت يمارسونها اذ تقول

"جدي الامير عبد الله كان رجل واسع الثراء حيث امتلك الاراضي وممتلكات اخرى من بينها بيوت واغنام ومزارع انتاج الحرير والجمال التي بلغ عددها خمسة الاف جمل."

ومن الناحية الدينية تشير بكل وضوح الى اتباع اهلها طقوس الكنسية الكلدانية الكاثوليكية،يبدو من هذا، ان الارث الكلداني القديم، الذي ساد وادي الرافدين استطاع ان يتاقلم ويتكيف مع الافكار الجديدة التي جلبتها المسيحية ،ولكنه بقى محافظا على إرثه وعلى الكثير من العادات والتقاليد القديمة منها التواضع وقبول الاخر وضيافة الغريب بل والتفاني في ذلك اذ تقول :
"والدي كان يتبع الطقوس الكنسية الكلدانية والتي هي شريكة للكنيسة في روما .
منزل والدي كان ملاذا لكل انسان بائس ومن اي طائفة ان كان مسيحي او يهودي او مسلم. لقد ابتنى بيتا خصيصا لهذ الغاية و لأستقبال الغرباء وكان يذهب بحثا عنهم وعندما يجدهم كان يدعوهم الى هذا البيت ويغسل أقدامهم بيده ويقوم بضافيتم و بخدمتهم بنفسه.
اتذكر عندما كنت طفلة ان شخصا معينا أحتمى واتخذ من هذا البيت ملاذا كان مبشر واسمة كابريل دومبو وفي سبيل نشر افكاره الدينية تعرض الى حكم قاسي ادى الى قص لسانه، هذا الرجل بقى معنا لمدة سنتين وبعد ذلك منحه والدي مبلغا من المال كافيا ليستطيع أن يؤسس كلية لتدريب المبشرين."
كما وانها تشير الى حادثة اخرىتدل على ممارسة تقاليد رافدية قديمة اذ تقول بكل وضوح هذه عادة اهل نينوى القديمة اذ انهم في النائبات يمرغوا رؤؤسهم بالرماد و يلبسون الملابس الخشنة:

"اتذكر قصص جدى الرائعة والذي هو ايضا عمر طويلا والقصص التي كان شاهد على حوادثها خلال حياته المهنية الطويلة.
ولن انسى الشعور بالرعب وهو يحكي لي عن حصار نادر شاه لمدينة الموصل سنة 1743 والذي دام ايام طويلة.
حكي لي كيف ان الباشا الذي كان يحكم الموصل في ذلك الوقت والذي كان ينظر بعين العطف الىالمسيحين اصدر امرا يدعو السكان الى الابتهال الى الله كل حسب معتقده ،وكيف انهم محاولة منهم لدرء غضب الله القديران طبقوا طريقة نينوى القديمة وبالتطوع باعلان واظهار التوبة والندم واماتتة النفس وذلك بلبس الملابس الخشنة واهالة الرماد على الرؤس."

عن مكان ولادتها في الخيمة تقول انها كانت منصوبة لتقبل العزاء اذا حينها كان احد اخوالها قد توفى ،بنفس الوقت تصف لنا حالة علاج التسمم بسم الافعي ،تقول انها طريقة مورست في وادي الرافدين قديما

"ربما كانت الخمية مكان لنواح والدتي ولتقبل العزاء لفقدانها عدد من افراد عائلتها خلال وباء الطاعون، كذلك لخسارتها اخ كان عزيز عليها وافاه الاجل اثر لسعة ثعبان سام حين كان في رحلة صيد. وقبل وفاته عاني الكثير من العذاب نتيجة ممارسة نوع من العلاج مورس في ارض الرافدين وعرفت هذه الطريقة في العلاج من اثار مسوبوتاميا.

هذا العلاج يقتضي بان يمنع المصاب من النوم لمدة خمسة ايام وذلك بضرب الطبول والوخز الشديد بالابر اذا ظهرت اعراض الدوار وخلال كل تلك الايام كان يسقى الحليب فقط الى ان يبدء بالتقيئ وبذلك يتخلص من سم الافعى."

وتشير الى رسوخ التقاليد الرافدية في الوجدان الشعبي، وتغلغل الاساطير الكلدانية في الذهن وذلك بما اطلقه والديها من لقب عليها وهو يمامة الصحراء وفقا لاسطورة بابلية- كلدانية تقول

"نتيجة لتمتعي بالعزلة وحبي للأنزواء اطلق على والدي لقب( بيجميل بيري)béchamel biri
اي ابنة الصحراء الاسم الذي تعرف به اليمامة او القمرية والتي تقول عنها الاساطير البابلية الكلدانية( الشرقية)انها عندما تفقد فراخا تطير الى الصحراء وتبقى تنتحبهم الى ان تموت من النواح والعزلة"

في الوقت الذي كان رجال العراق والعراق باكمله، يغط في سبات عميق ويعاني من الحكم العثماني الجائر ، نجد هذه الفتاة تتحدى وتطالب بمدرسة للفتيات وتصف للقارئ الجهد في تاسيسها والتعاون والتكاتف بين النساء في مجتمعها للتدريس مما يدل على وجود وعي ورغبة للتقدم ونشر المعرفة.

"في قرية صغيرة التي يملك اكثرها والدي وجدت بقايا دير صحراوي غير بعيد عن مكان اقامتنا. اخذت ما احتاج اليه وكما بالسابق بدات اقضي اوقاتي في الصلآة والتامل وقسم من وقتي خصصته لكتابة وتاليف الكتب الدينية، بعد مرور وقت على بقائي قررت ان اؤسس مؤسسة تعليمية للنساء واتفقت مع صديقتان لي واحدة من ما بين النهرين والاخرى من بلاد فارس.
ان عدم المساواة بين الجنسين يثير حفيظتي، وجدت النساء المسيحيات يعاملن معاملة الرقيق والعبيد، وعيهن لم ينبت او يثمر وتركن للتجاهل، الجهل استولى عليهن ، في حين ان الرجال يمتعمون بكل ما يتيح لهم فرص التعليم لذا صممت على ان بذل كل ما في وسعي من قوة الى تثقيف بنات جنسي.

واحدة من ينات عمي(خالي ) قررت ان تدرسهن اللغة الكردية والفارسية والكلدانية ،وكانت هناك سيدة اعرفها على قدر كبير من الحصافة والثقافة تطوعت معنا، وكذلك عدد لا يستهان به من النساء جذبهن معهدنا الذي لم نهمل اي مادة تدريسة ، انضممن الينا الكثير من النساء من الطبقات العليا، قدمنا هذه الخدمة بدون حساب للخلفيات الاجتماعية وقبلنا الفتيات الفقيرات ايضا.

تزور اخت الباشا حاكم مدينة الموصل تروي لنا لنا ماري تيريز مشاهدتها للترف العصملي كما تسمية ،ولمشاهدتها للعديد من النساء الارقاء اللواتي جلبن من كردستان ،وتصف جمال وحسن ادب المرأة الكوردية وتشير الى النساء السبايا من جورجيا والقفقاس واليونان والعسف الذي يلقينه. وتحاور اخت الباشا لغرض رزع المحبة والتسامح في نفسها ونبذ البغض والتعجرف.
بعد وصولها لبنان ،تعمل كمرافقة للأميرة اللبنانية الشهابية وتسكن قصر بيت الدين في لبنان.

في لبنان وفي القصر الشهابي وكمرافقة للأميرة الشهابيه الدرزية، تتحدث ماري تيريز بكثير من الاعتزاز والفخر عن كرم وشهامة ونبل الدروز وتصفهم باسمي الاوصاف ،تحدثنا عن ليالي السمر اذا في احد الايام قررت الاميرة الشهابية وماري تيريز ان تقدما حفلة تمثيلية لنساء قصر بيت الدين، ويقع اختيارهما على قصة النبي سليمان والملكة بلقيس ،تؤدي دور بلقيس الاميرة الفاتنة الشهابية و تؤدي وماري تيريز دور الملك سليمان ،تتم الاستعانة بالحيوانات والطيور وبملابس وجبة الامير الشهابي نفسه لتفعيل المسرحية وتوصي الاميرة الشهابية حرس القصربعدم الاستجابة واقتحام قصر الحريم لو ارتفع صراخهن ،فان ذلك سيكون نتيجة الانفعال والاندماج الاعجاب بالاداء والتقديم المسرحي وتقول لنا ماري تيريز ان هذه الاجواء المسرحية كانت مهمة لهن وساهمت في بلورة حسهن الفني والتاريخي.


اقرأ السطور وانا غير مصدقة عيني ،ماري تيريز اسمر تتحدث عن كل شئ في ما بين النهرين ،تصف لنا الطعام والملابس وطرق البناء والادوات المنزلية العادات الاجتماعية ،تحدثنا عن الاديان ومواعيد الصلاة والاذان والطقوس المسيحية وتتحدث عن البدو والايزيدية والاكراد والعرب والكلدان والسريان ،عن جو وحرارة صيف بغداد والنوم فوق السطوح.
تقول:
"شدة حرارة الجو تدفع الناس في منتصف النهار ،حيث اشعة تكون في أوجها، الى الاحتماء وقضاء اوقاتهم في السرداب، وهو جزء من البيت يبني تحت الارض والذي نسبيا يبقى بارد وارضيته ترش بالماء، باستخدام مروحة كبيرة جدا تتحرك للآمام والخلف ويتحرك الهواء وتدار من قبل العبيد، يبقى الناس في السرداب الى موعد حلول المغرب حيث يصعدون الى السطوح للتمع بالنسمات العذبة.
في موسم الحر هذا حيث تصل معدلات الحرارة الى 120 درجة ،فان النساء يرتدين الملابس الحريرية او ال ( شيميز) والبابوج بدون جواريب، في الليل من العادات الشائعة النوم فوق السطوح في الهواء الطلق، الكل النساء والرجال الا ان الاطفال والخدم لهم سطحهم المنفصل.

قد تبدو هذه الممارسة غريبة على الاذن الاوربية، لكنها شائعة بين النساء البغدايات ،في شهر تموز واب يبللن ملابسهن الحريرية بالماء البارد الذي يؤخذ الى السطوح ويحفظ باوعية من الجلد ليحافظ على برودته ويلبسنها بعد عصرها وتبقى مبللة تماما وتلتصق باجسادهن، ثم يستلقين على الاسرة المصنوعة من سعف النخيل ليتمتعن بغفوة منعشة.

هذه الممارسة لن تحتمل في جو انكلترا حيث يطغي ويكثر مرض الروماتزم ،هذا المرض الذي لم يسمع به في تلك البلاد ،بلاد الرافدين. في شهر تموز الاشخاص الذين يتطلب عملهم ان يكونوا في العراء يتعرضون لخطورة الاختناق بال..ساميري."

عدة مرات تشير ماري تيريز الى هذه الحالة من الأختناق بسبب الحر وتطلق عليها كلمة( ساميري) حاولت البحث والتقصي عن هذه الكلمة التي يبدو انها كانت شائعة ومعروفة في وادي الرافدين مما تسبب الموت. حاولت جهدي ان اهتدي الى اصل هذه الكلمة في اللغات التي تحكي في العراق ومع الاسف لم اجد الجواب الشافي.

تتحدث عن ملابس المرأة وتقول

"نساء بغداد يلبسن غطاء للراس خاص بهن ،هوعبارة عن ازار اسودوابيض او حجاب وهو منسوج في الموصل من الحرير والممزوج بالقطن ويسمى الموسلين نسبة الى مدينة الموصل ،ينزل من الراس مغطيا القدمين وبه بعض الشبة بغطاء الراس الاسباني المسمى
( المانتيلا)مع عصابةتدور حول الراس من شعر الخيول تغطي الوجه تماما لتمنع معرفة شخصية مرتديتها وبنفس الوقت وبطراز شرقي( من وادي الرافدين) صرف، تمنح المرأة الحرية لتمارس حب الاستطلاع وترضي فضولها.
خارج المنزل من الصعوبة معرفة منزلة المرأة مما ترتديه اذا ان الجميع الغنيات والفقيرات يلسبن الملابس الرصينة وغير زاهية الالوان ومتواضعة.
خلف الابواب، المسألة تختلف تماما، لأن ملابسهن من الحرير الطبيعي الغالي الثمن، يتحلين بمصوغات من الذهب واللؤلؤ المجوهرات ذات القيمة العالية والثمينة ترتديها النسوة باسراف وسخاء مترف حتى انهن اكثر اناقة من التركيات العصمليات."

ماري تيريز اسمر تثير شهية القارئ الاوربي بوصف العمارة والحياة اليومية، تتحدث عن الطارمات والبلكونات والحدائق والحمامات العامة وعن النومي حلو البغدادي الذي تصفه الى الاوربيين وتقول لهم عن طعمه اللذيد ، تتحدث عن الماضي والحاضر، بيسر وتلقائية تصف لنا الطرق الصحراوية والنهرية وبدون تبجح تشير لنا بتمكنها من الكثير من اللغات.

اعتزازها بتقاليدها وتفاخرها بها كان ديددنها ومحور اهتمامها ،ورددت ذلك باستمرار في اي دولة اوربية تحل ،تصر على ان الشرق هو عنوان وينبوع الغنى والكرم والخلق القويم والصدق والجمال.

وتشير الى انها كيف خدعت من قبل امرأة من الطبقة الارستقراطية الفرنسية
تصر على ان اهل الشرق اكثر امانة وصدق تقول :

"انني افضل بساطة الانسان الشرقي على مكر الانسان الاوربي.كما وان البدوي القادم من الصحراءقد يضطر الى قتلك بسبب الحاجة ولكنه دائما يلتزم بوعوده ولك ان تثق به
لهذا دهشتي كانت عظمية عندما كنت في روما التي تعتبر الينبوع الرئيسي للمسيحية سمعت حكمة تقول( لا تثق باحد حتى لو كان والدك)"

تحدثنا ماري تيريز اسمرعن حالة عشق بدوي واصفة البدو بسمو الاخلاق

" في يوم من الايام ونحن في احدى الرحلات كنا نركب الخيول مع والدي واخوتي، ،كانت ترافقنا صديقتي الجميلة مريم التي اودها مثل اختي، كنا على مسافة مسيرة ثلاث ساعات من الموصل بالقرب من قرية صغيرة تدعى قرقوش ،حينها خرج علينا ما يقارب الخمسين فارسا من العرب المسلحين واحاطوا بنا.

والدي واخي كانا مسلحين ولكن من الجنون محاولة استعمال القوة مع هولاء الذين يستطيعون بسهولة تدميرنا.
رئيس هولاء العرب لم يجابهنا باي عنف بل على العكس اذا اصابته صعقة الحب ووقع في هوى مريم واصر على اخذها معه! وبجدية تحاججنا معه ولكن توسلاتنا ايضا لم تثمر، بكمد وغم شاهدت رفيقة صباي تنتزع مني من قبل عصابة من قطاع الطرق وبلمح البصر اختفوا كلهم ولم نتمكن من اعادت مريم لسرعة خيولهم العربية الاصليةالتي كانت كالبرق جعلت من الصعب اللحاق بهم.

كانت مريم قد جاءت لقضاء بعض الوقت معنا ، لذا لم يعرف والديهاالخطر الذي وقعت فيه ابنتهم الحبيبة وبما اننا كنا نبذل الجهد من
اجل استعادتها لذا لم نخبر اهلها بما وقع لنجنبهم الغم والالم.

والدي اجرى تحرياته في كل الاتجاهات،ونجح بالتعرف على مضارب العرب الذين طلبوا ان تدفع لهم فدية عالية لتعويضهم عن غنيمتهم، الملبغ الذي طلبوه كان خمسون كيسا اي ما يعادل 600 باون انجليزي! والدي كان سعيدا بدفع الفدية، حالا بعد ذلك اجتمع شملي بصديقتي الحبيبة مرة اخرى، حكت لنا مريم كيف عاملها العرب بكثير من الاجلال والاحترام مما خفف عنها هول اختطافها.

الرئيس كان حميميا في نواياه /صادقا في حبه وعشقة الاني ،ولذا لم يصبها باي اذى ولم يلجاء للتهديد من اجل ارهابها للموافقة على البقاء ،معه بل قال انه سيقبل الفدية اراضاء لكرامة الرجال الذين رافقوه ،مريم لم تتوانى عن القول انها كانت ممتنةله لكرمه وحسن تصرفه خلال كل تلك الفترة اذ عاملها بكثير من الاحترام والمهابة والتقدير."

تستمر هذه الفتاة الرائعة فتتحدث عن عادات اهل الرافدين و عن تدخين النركيلة(الاركيلة) وتستصغر المرأة الاوربية لانها لاتعرف التبغ والتدخين في حين ان بنات الرافدين يعتبرن الاركيلة وشرب القهوة من متطلبات حياتهن اليومية ،يشربن القهوة بدون سكر او حليب وتستلذ بطعم القهوة وتوحي للقارئ بطيب مذاقها.

تصف اعراس البدو والفلاحين واهل المدن بمختلف قومياتهم. تتحدث بعفوية وصدق وحميمية وكانها جالسة بين الاهل والصديقات ،تقول المرأة تعامل كعبدة مملوكة يجب ان يتغير هذا الوضع ولن تتقدم المرأة الا بالدراسة والتحصيل و والسعى لأيجاد مدرسة للفتيات.

تحكي عن مواسم الحصاد في الموصل ودرس الحبوب وتحضيرالطعام وانواع الخبز تتحدث عن كل هذا للمجتمع الاوربي بكثير من الفخر والتباهي ،تقول لهم رغيف خبز الرقاق المشهور في الموصل قد يصل قطره الى اكثر من 60 سنتمترا ورقته لا تضاهى ،خبز الموصل المعجون بالدهن الذي سمك رغيفه اكثر من سنتمترين ونصف ، تستمر في حديثها لتصف ادوات المنزل البسطة من الـ( لكن) الى الطاسة و الفنجان وتستعمل اسمائهم المحلية العربية او الدارجة بعد ان تشرحها بالآنجليزية.

هذا الانتماء لأرض الرافدين وهذا الاعتزاز بكل صغيرة وكبيرة شئ مذهل اذ يصدر عن امرأة من مدينة صغيرة قرب الموصل.

تتباهى بالعامل والبناء ،تصف كيف تعمر البيوت ،كيف يتم انجازها في ايام قلائل تصف كيفية تبيض الجدران بناء الحوش تسقيف البيوت وكانها كانت تعمل كل ذلك بنفسها مما يدل على نظرتها المتفحصة ، على حرصها /دقة متابعتها لما يدور في وطنها.

تتحدث عن برج بابل عن نينوى بفخر /اعتزاز وبحرارة وصدق كما تذكر ايام الضيق وانتشار الاوبئة وتعرج على التحيز الديني او الطائفي و تحكي عن ايام الانفتاح والتسامح والرخاء والعز ايضا.

للصداقة وروح الاخوة مكان واسع في حياة ماري تيرز اسمر ،في محيطها ووسطها العائلي ،بكل تواضع تشير الى اهمية والديهافي حياتها.

تضطرماري تيريز وهي في اوربا الى التدريس لتعتاش ،تدرس اللغة العربية لاحد البارونات الفرنسين ،في انجلترا تتمتع بحماية الملكة فكتوريا.

هل الومها لوقالت انها اميرة بابلية لا والله العظيم انها اميرة وتستحق الامارة بكل جدارة ،لانها وضعت بلدها في قلبها وعلى لسانها وحدثت الامراء والملوك والنبلاء في اوربا قبل ان يستطيع اي رجل عربي اوانسان, من ( ما بين النهرين) ان يفعل ذلك

كتب ماري تيريز اسمر اسفار رائعة ،تتطلب دراستها والتعمق فيها فهي سجل حي للحياة في وادي الرافدين، حيث لم يسجل اي انسان تلك التفاصيل الدقيقة اليومية والتي تتحدث بالكثير عن مجمل حياة الانسان الرافدي .

انا الان بصدد اكمال دراسة مطولة عنها من خلال قراءتي لكتبها وتتبع مسيرتها،هذا مشروع كبير ساحاول بجهدي وامكانياتي المتواضعة ان افي هذه الفتاة حقها.

الف تحية لك يا بنت اسمر الخالدة وسنوفيك حقك وننشر اسمك ونرجوان تتكاف الجهود لاحياء ذكراك



Write comment (0 Comments)
تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم

من ساوباولو ... أمل بورتر تحاور التجربة البرازيلية في الحياة وانعكاساتها على مرآة الفن, رحلة سحرية في عالم مدهش بعدسة فنانة عالمية الثقافات.

 


 

آب 2006
ساو باولو

في مقال لفاطمة المحسن المنشور في جريدة المدى والمعنون (عراقيون أولا )استرعت انتباهي الفقرة التالية واجدها خير بداية لما أريد أن أتحدث عنه في ( تجارب وفنون تشكيلية)

تقول فاطمة المحسن" لعل الكارثة الحقيقية لأية ثقافة أن تمر التجارب بالمثقفين وتتبدل الأماكن الثقافية والسياسية، بيد أن خطاب المثقف يبقى كما هو وموقعه من السياسي لا يتغير فهو أما مسخر لخدمة رجل السلطة أو ساخط شعاراتي في مقاربة سخطة ورفضه أو منعزل عن الفعل الاجتماعي روحيا وفكريا يعاني عطلا في اختبار معارفه عند تماسها مع الحياة"

أجد هذه الجملة خير معبر عن الواقع بشكل عام والثقافي بكل أبعاده التشكيلي في العراق أبدا ، هذه المقولة وجدت بعدا وصدأ في نفسي ولا ادري إن كانت المقولة أعلاه تنطبق عما رأيت في بعض من تجارب فنية في بقاع مختلفة من العالم وسآخذ البرازيل كنموذج للمقارنة.

البرازيل مساحة شاسعة من ارض وادعة نسبيا، مدت سكانها على مر العصور بالجو المعتدل أحيانا والحار نسبيا ،بكثير من المياه والأراضي الخضراء الكثيفة المنتجة وبساحل رملي طويل.

في البدء لم يحتاج الفكر البرازيلي إلى اختراع العجلة أو التفكير بآلهة تسعده وتحميه وتعده بالكثير، الأشجار المثمرة قريبة من متناول يده يقطف ما يشاء وتنتجها الطبيعة بدون كلفة وجهد ، الجو الدافئ خيرملجأ للفقير المعدم لا يحتاج إلى ما يدفئ جسده لو بقى شبه عاري فلا لوم عليه، لو جاع واشتهى شواء فالغابات مليئة بأنواع الطرائد والأسماك تعوم حتى في المياه الضحلة المالحة والحلوة، ولا تكلف جهدا في اصطيادها والبحر ملئ دوما.

المطر ينهمر باستمرار ويغسل الجسد والروح ،الشمس مشرقة اغلب أوقات السنة لا تعكرها الغيوم الدائمة،والأشجار توفر الفئ والدف والطعام. الجبال والسهول والسواحل تلتقي لتنقل أصداء تطلعات مختلفة غير بعيدة المنال لو شاء الفرد أن يغير موقعه.

المسافات بعيدة وارض رحبة شاسعة لا داع للتنافس فيها على بقعة ارض من سهل أو سفح جبل أو ساحل بحر.
لم يحتاج الإنسان البرازيلي إلى أن يجهد عقله ليقرر حسابات الربح والخسارة وليفكر بابتداع والحروف لتثبيت سجلاته ومعرفتها فلا سبب للمنافسة والغلبة فالخير عميم فعلام التناحر؟.

ربما لم يهتم الإنسان في هذه البقعة من الأرض ببناء معابد مثلما فعلت شعوب (( الانكا )) (( والازتيك والمايا إذ لم يكتشف أي منها في ارض البرازيل لحد الآن، فاهتماماتهم وديمومتهم مقترنة بالوفرة المتاحة فلم التطلع إلى المجهول والغائب والمافوق الطبيعي، شفائهم وغذائهم وملبسهم يحيط بهم فلم الابتعاد فكرا وروحا وجسدا والبحث عما هو متوفر أصلا؟

تناغم أصوات الطيور المتعددة الكثيرة وتبختر الحيوانات في مشيتها وأجواء الحرية التي تعيشها، صخب الألوان وضجيجها، أصوات هدير أمواج البحر وخرير الأنهر مع رفيف أوراق الأشجار الدائمة الخضرة ورفرفة أجنحة الفراشات الكبيرة والزاهية شجعت الإنسان على الإتيان بأفضل منها فكانت هناك نواة لتنتج مستقبلا (( الكابويرا و السامبا )) وغيرها.

فترة ما قبل التاريخ في البرازيل غابة من المعميات الرسوم الجدارية على سفوح الجبال وبقية المكتشفات تناقض الواحدة الأخرى تاريخيا وتفندها واقعيا، الحقيقة التاريخية الوحيدة التي لا تقبل الشك ،إن البرتغاليون كتبوا أول صفحة من تاريخ البرازيل الحديث ممزوجا بالدم والدموع والذي بدء قبل خمسمائة سنة.

فالبرازيل بالنسبة لتاريخ البشرية الطويل ما زالت طفلة تحبو تحاول أن تجد خطواتها،ولازالت تنعم ببراءة الطفولة وابتسامتها العفوية.

كانت البرازيل حتى يوم 22 نيسان سنة 1500، جنة أرضية حالمة تحوي ما يزيد عن ألف قبيلة ، كل قبيلة لها حيز من الأرض والماء والسماء، عددهم ربما ما بين المليون أو الستة ملايين بشر فقط. لغات متعددة مختصرة لا تعبر إلا عن ضروريات معينة لحاجات محدودة أصلا.

في هذا اليوم مرت ثلاثة عشر سفينة برتغالية تحمل 1200 رجلا، لم يهتم البرتغاليون بتوطيد حكم بل كان سرهم التجارة وخيرات البلد وبيع ما يحصلون عليه في أوربا ولكن هل الأسرار تبقى مكتومة ؟ وصل بعدهم سكان أوربا بجنسياتهم وأهدافهم المتعددة وجلبوا معهم بالإضافة إلى أمراض غير معروفة لأفراد تلك القبائل ثلاثة ملاين ونصف أفريقي كعبيد أرقاء لاستغلالهم، أقاموا المزارع والمدن وشقوا الطرق وقلبوا الجنة الوادعة إلى مزارع وشوارع وبيوت و ساحات قتال وتجارة وربح وخسارة ، فرضوا تغير الفكر والروح والجسد،وقاموا بتأليف فرق لصيد أبناء القبائل وتسخيرهم كعبيد. وحل الموت والدمار والقهر والعبودية بالإضافة إلى المدنية وسبل الحضارة والمعرفة والكتابة والقراءة ومفهوم الربح والخسارة والآلهة والتعبد والعمارة والسفر والإبحار والدواء والآداب والفنون والملابس والتصنيع والنجارة والحدادة.

دخل الكتاب بكل أبعاده من كتاب فروض دينية تملى على السكان بالقوة والقهر إلى كتب أدب وأساطير وثقافات متعددة متنافرة تجمعها حب الكلمة المثمرة.

ومع كل هذا دخلت الفنون التشكيلية بالصفات الأوربية الواضحة وليدة فنون حضارة الإغريق والرومان.

ولكن الإنسان البرازيلي بقى على طيبته وفطرته إلى حد ما، قاوم ثم وافق وقنع أن كان غصبا أو ارتياحا أو على مضض على التغير، وبقيت هذه النبتة تنمو، نبتة القبول بالآخر والاندماج معه، وورث الإنسان البرازيلي الحالي هذا المنحى رغما عنه مع التماهي مع كل جديد من أنظمة سياسية واجتماعية وثقافية وحتى الدكتاتورية البرازيلية في العصر الحديث يصفها العالم اليوم بأنها من اضعف وافشل الدكتاتوريات في التاريخ ، إذ عندما فشلت محاولة اغتيال صحفي كان يقارع رئيس الجمهورية علنا وبشدة وبانت الفضيحة انتحر رئيس الجمهورية(جوتيلو فاراغاس) بسبب خيبته وكان ذلك يوم الرابع والعشرين من آب عام 1954 بعد أن كتب يقول"اليوم ساترك هذا العالم لأدخل التاريخ

يحكي لنا التاريخ ويقول جاءت امرأة بعشرة أسماء الأول منها ايزابيل وقررت إلغاء العبودية ويأتي بيان منها بتوقيع الأميرة ايزابيل، وبدون تمهيد لتقبل الواقع الجديد ألغت الأميرة الرق سنة1888بعد أن ناضل الأرقاء وقاوموا العبودية بالقتال والعصيان و بأساليب أخرى منها مزج ديانتهم الأفريقية بالكاثوليكية والتعبد بدين يدعى (( كاندومبليه )) ، هذه الديانة التي أجيز التعبد بها علنا عام 1940 ،وابتكروا (( رقصة الكابويرا )) ، كانوا يرقصونها رغم القيود والسلاسل ،كنوع من التحدي والمجابهة. أن تجابه العدو بالرقص والاندماج بنغم آلة موسيقية مصنوعة من وتر واحد وقحف قرعة وحجرة صغيرة لتحرك الوتر أمر يتطلب الصبر الطويل والإيمان العميق بالنفس والقضية. ومارسوا تعبدهم لطوطمهم وأقنعتهم وأرواح أسلافهم ونحتوها على ما توفر لديهم من الخشب البرازيلي الذي تقاتل عليه الأوربيون في القرن السادس عشر. منحوتات تتحدث بعمق وصدق عن تتبع روحي لإيمان متغلغل، الأقنعة والنصب بأبعادها الخيالية والتي تفوح منها روائح افريقية تقود المتلقي بعيدا لتعبر به البحار وتعود به إلى أفريقيا حيث العيون المسبلة وخصلات الشعر المجعد المتهدلة والنهود الريانة المنتصبة والشفاه الغليظة الممتلئة والجسم المملوء انحناءات، كلها موسومة بوسم أفريقيا.

وتأتي امرأة أخرى في عشرينات القرن الماضي تدعى (( تارسيلا دو اومرال )) لتقلب الطاولة على الفنون التشكيلية وتدخل الحداثة بابهى صورها وترسم لوحات تصل في مستواها إلى القمة ،ويطلق عليها المجتمع البرازيل السيدة الأولى للفنون الحديثة ، وتسير في دربها بثقة واطمئنان وتنتج أعمالا تضاهي ما أنتج في أوربا في تلك الفترة.

الوعي للفرد الأسود من دين وثقافة لا ينكر فضل الثقافات الواردة أو يقلل من أهمية تأثيراتها، بل انه يشير إليها بكثير من الامتنان والتقدير، فامتزاج الخبرة الأوربية بالخيال الأفريقي أو القبلي ولد خبرات ونتاجات مرهفة حية وحساسة ومتميزة شملت الموسيقى والفنون التشكيلية والاهم من كل هذا منحت الحياة محتوا ومضمونا، وصبغتها بصبغة خاصة يطلق عليها كلمة البرازيل و يعتز ويفخر بها كل من يسمي نفسه برازيليا.

اختلطت على أبناء القبائل كثرة الموجات القادمة من أوربا وأفريقيا واليابان وسوريا ولبنان ،إلا إنها امتزجت بصلب شخصياتهم وأنتجت إنسانا آخر بريئا جديدا يبتسم للجميع ويقبل بهم مثلما يقبل لأطفال ويتلهى بكل ما يقدم لهم من أشياء جديدة ،يجدونها مسيلة وتبعث غلى الاهتمام مهما كانت تافهة وبسيطة ،وأحيانا أخرى تدعو إلى التمرد بعنف مصحوب بنتاج فني موسيقى إيقاعي وتشكيلي ليرضي تطلعه الذاتي ويخرج لسانه للذي استضعفه قائلا له أنا أحيا وباق.

تمارس الكاثوليكية كمذهب ودين وتمتزج بالتراث المحلى وتختلط الحدود وتضيع في المسحات المضببه مع (( الفودو)) واليهودية (( والشنتو)) والبوذية والإسلام، تتعايش كل المعتقدات والأديان فيما بينها، بجانب الراهبات الكاثوليكيات نرى المسلمات المحتجبات واليهوديات المحتشمات واللواتي يلتزمن بالتقاليد اليهودية الأرثوذكسية نراهن برفقة أزواجهن الذين يعتمرون قبعاتهم السوداء وزلوفهم الطويلة المبرومة المتدلية ويحاذيهم البوذيون من اليابان مزوقة ملابسهم بشعارات ((الين واليان )) وساحرات الفودو يمارسن السحر الأسود وغيره وهن يتناولن أدوات طقوسهن من لعب ومنحوتات طقسية مزوقة بالريش والأحجار البراقة و شخوص بملابس مشتقة ومحورة عن ملابس رجال الدين الكاثوليك الذين استوحوا ملابسهم من التراث الإغريقي الروماني، دائما هناك فسحة لقبول الآخر فلا معتقد يفترض انه الأفضل وانه ناسه هم خير امة وقد اختاره الله دون سواه وفضله على الآخرين.

في المتحف الإفريقي البرازيلي رأيت لم ذهل بيكاسو بأفريقيا، إلا انه بقى مذهولا ولم يقدم لنا ما نجده من صدق ومودة وحميمة في هذا المتحف ، إذ أن ما سوقه بيكاسو كان لإرضاء الإنسان الأوربي بكل نزعاته وتجاربه المعقدة التي اختمرت في ذهنه على مر العصور، ملغيا فيها كل العفوية والإخلاص النابع روحيا من إيقاعات زمنية نضجت وفقا لمتطلبات موغلة في القدم إلا أنها ما زالت تتفاعل يوميا مع الحياة وتنفذإليها عبر احتياجات يومية.

في حين في هذا المتحف نجد الصورة الحقيقة للفن الأفريقي والذي اخذ تدريجيا يؤثر ويتأثر بالبيئة الجديدة التي تنوعت فيها التأثيرات وجانبت الواحدة الأخرى وعززتها.

إن رئيس القبيلة الذي سيكون يوما ما الروح الهائمةفي الفضاء تراقب أبناء العشيرة، بملابسه الغريبة التي تعود بالفكر إلى عوالم الأسلاف والأرواح، نجده في الاحتفالات الطقسية يجلس على كرسي قد أدخلت عليه بمرور الوقت التحويرات التي يمكن أن ترضي المتلقي الآخر من دين مختلف ،فأصبحت القوائم والمسند تحتضن زخارف محورة عن الطرز الأوربية، فهذا التحوير البسيط يتيح للمتعبد بدين مختلف الشعور بالأمان والألفة لأنها قريبة من التراث الذي تعود عليه، في حين نجد أن تصوير فكرة صعود مريم العذراء إلى السماء قد تحور واشتبكت التوظيفات في هذا الموضوع التشكيلي فلقد استعارت الديانات القبيلية المحلية هذه الفكرة والتي لا تبعد أصلا عن المفهوم السائد عندهم إلا أن الشخصية(الساحرة أو المسحورة) التي تطير صاعدة إلى الفضاءات العليا ترتدي وشاحا ازرقا مثلما كانت تصور مريم العذراء في موروثات عصر النهضة وما بعدها، في حين إن مريم العذراء التي تعود إلى الفكر الكاثوليكي قد أصبحت زنجية وبشعر مجعد ترتدي ثوبا احمرا صارخا مزوق بالريش والفصوص اللماعة تحت وشاحها الأزرق. هذا التماهي وهذه الاستعارات قربت القلوب من بعضها بدون وعي وأصبح الآخر المختلف عن طريق الفن مألوفا ومقبولا للإنسان العادي البسيط.

إن الغني الثقافي - الفني الذي جلبه البعد الأفريقي والأوربي خلال القرن السادس عشر والى نهاية القرن التاسع عشر ممتزجا مع موجات الهجرة في نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من ايطاليا وألمانيا و اليابان وسوريا ولبنان واضح ومترسخ وكأن الإنسان البرازيلي قد تقولب عليه وانصهر به وامتزج معه في ارهاصات متعددة أنتجت فنونا متميزة بطابع خاص.

إن اغلب النتاجات ومنذ بداية القرن العشرين اتسمت بالحداثة والبعد عن التقاليد الأوربية المورثة،وسارت مع الحداثة العالمية مع الاحتفاظ بكل القواعد الفنية المتفق عليها، إلا أن التجديد والتأثيرات المذكورة أعلاه تبرز واضحة جلية، إلا أنها غير مقحمة على النص التشكيلي، فالمجال مفتوح رحب لأفكار التجدد فالتأثيرات أبوابها مشرعة ونوافذها عديدة منها الأبعاد الأوربية لمدارس عديدة والخصب الأفريقي والتنوع القبلي بالإضافة إلى التأثيرات الدينية المختلفة.هذا ولا يجب أن ننسى البيئة المتنوعة, التي جعلت من استخدامات الألوان مجالا رحبا للتنافس معها. كما وان عدم سيطرة فكر منهجي أو تراثي أو أيدلوجي واحد منح الفنان مفردات جديدة يستند عليها، ومقومات تزيد من إنتاجه قوة، فالتعددية بكل أبعادها كان استثمارا غنيا للأفكار الفنية. إذ لم تكن هناك دواع لاستخدامات رموز محددة تراثية أو دينية في الأعمال الفنية، بل إن الفنان التشكيلي البرازيلي تخطي هذه الحواجز" التي تتكرر في الكثير من أعمال الفنان العراقي" ليصل هدفه بدون اقحامات لمفردات بدونها يشعر بفقدان الهوية والانتماء.



ربما غنى الموروث العراقي (( الآثاري )) وأبعاده الدينية الواحدة والسيطرة السياسية ذات بعد معين فرضت نفسها بقسوة على نتاجات الفنان العراقي في حين أن الفنان البرازيلي تنوعت واختلفت مصادره ولم تكن هناك سيطرة واضحة لتراث واحد ودين وفكر سياسي واحد ليقحم على نتاجات الفنان البرازيلي. كما وان الفنان البرازيل،هنا أعود إلى فاطمة المحسن في معرض إشارتها لواقع الثقافي العراقي ، لم يقيد نفسه بالسلطة أبدا أو يبشر لها أو يسخط عليها، فلقد عرف اللعبة بان السلطة متغيرة دائما وان الأديان متعددة، لذا ارتبط بمدلولات أرحب وأوسع وأصبح لا يعاني عطلا في تماسه مع الحياة إذ بقى يمارس السياسة بذهن مفتوح ويؤمن لو شاء الإيمان بدون ترهيب أو ترغيب متمسكا بقوة بحريته الفردية وتماسه مع الحياة.

الإنسان البرازيلي يتباهى بأنه يعود لأرض البرازيل، فلا قومية واحدة مسيطرة متمركزة ولا دين واحد يفرض على الكل، إن كان ترغيبا أو ترهيبا وكذا بالنسبة للفكر السياسي، إذ تتنوع التوجهات السياسية. الفنان بقى مرتبطا بالواقع وعرف أن تغير الأزمنة والأمكنة يجب أن يغنيه لا أن ينساق له، فارتبط بالحياة بكل أبعادها وتذوقها بعمق ونشوة بعيدا عن استلهامات محددة، لم يقحم تراث أو مفردات بقيت جامدة، بل الفن عنده اكتسب صفة الحركة والتجدد المستمر، أغنى تجربته بالإطلاع على نتاجات العالم ككل ، فاكتسبت نتاجاته نكهة خاصة نابعة من عمق تجربة متفردة لا تجد التشابه والتكرار الرمزي لمفردات تراثية في أعمال الفنانين بل هناك رحابة وأفكار حميمية نمت بشكل عضوي مع تقدم أعمال الفنان واتساع خبرته.

التنوع الثقافي اغني تجربة الفنان فكانت هناك استخدامات جريئة لتوضيفات دينية مختلفة، مثلا عمل الفنان (جريجوري فنك) نجد الحوريات أو الملائكة في حالة طيران ،هنا يبدو البعد الديني إن كان أفريقي قبلي أو كاثوليكي، إلا إ ن الفنان لم يصبغ عمله بأي صبغة من هذه الاتجاهات بل أطلق لخياله العنان وقدم عملا ناضج فنيا ومكتمل من حيث ((الاستطيقا ))، فنجد الألوان التي نبعت من البيئة والوجوه تمتزج فيها صفات أجناس مجتمعه لا هي افريقية أو أوربية أو تعود إلى القبائل بل مزيج من كل هذا، الحركة بالنسبة للشخصية الجالسة هي شرقية بحته تعود بنا إلى اليابان( صورة تأمل) وعنوان اللوحة يجمع منحا دينيا تمارسه المعتقدات كافة.

رغم القهر والتسلط الذي مورس عادة بعد الاحتلال الأوربي لهذه الأرض إلا إن الإنسان البرازيلي بقى إلى هذا اليوم سهل العريكة لين الطبع يحب الراحة والمتعة والاسترخاء وما تصحبها من مقومات فنية من موسيقى ورسم ونحت وتمثيل، تسير في شوارع ساو باولو وتجد أكشاك بيع الصحف والمجلات بصورها المتعددة سياسية كانت أم ترفيهية ونجد في الصفوف الأولى عناوين لكتب مثل(( يوتوبيا توماس مور ))المحاكمة كافكا النبي لجبران خليل جبران ماركس وستالين وطاغور ولاو تسو وهوشه منه وهتلر وتشرتشل شكسبير وغونتر غراس وماركيز ونجيب محفوظ ومارك توين وسارتر ودوت كيخوته وألف ليلة وليلة ، كل هذه الأسماء والعناوين تجدها تتكرر في كل أكشاك بيع الصحف وأسعارها زهيدة وتبتعد عدة خطوات لتجدصف طويل من الناس بانتظار الحصول على بطاقة مجانية واحدة للدخول إلىمسرحية صورة دوريان جراي لاوسكار وايلد، ومقابل هذا الصف صف آخرللحصول على بطاقات مجانية لدخول (( متحف الماسبي )) وهو المتحف الوطنىللفنون.

ادخل المتحف لأجده قد دعا أعمال( ديجا ) الفنان الانطباعي الفرنسي ، اغلب أعمال ديجا معروضة هنا، المتحف علامة معمارية من فترة الستينات والسبعينات حيث التجديد والحرية في استخدام الفكر المعماري بكل أبعاده مع التركيز على البساطة والحيوية والسهولة في الحركة والتطلع إلى الأعمال الفنية، ولم يكفني يوم واحد للالتقاء بأعمال (ديجا) فكان لابد من يوم آخر وادخل مجانا أيضا واجد صخب من الناس عائلات وأطفال وكبار السن فهذه الاحتفالية لا تفوت المتتبع البرازيلي.

اجلس في مقهى للانترنت واجد أمير ناصر1 يعتب عي بلهجة أهل الناصرية التي تروي العطش بكفوف اليد يقول لي

شخبارج هل الأيام ماكو شنهي السالفة بعدين ليش متكاتبين ( كل الحبر لو كل الأنترنيت الشبكة هنا موزينه والرابط ينفتح ابطلاع

الروح / أكتبي

لنا عن وضعك الصحي فدوة لعينج

. شنهو منستاهل توصلنه منج رسائل . أحاول يوميا

أتصل بالنقال وما أحصل الا في ساعة متأخرة وأكول خاف نايمة لو مشغولة

تحياتي

من مدن التراب الى مدن الضباب

أرد على أمير ناصر" أنا في البرازيل أعيش تجربة غنية وقد صادقت الببغاوات الثرثارات اللواتي يشاركن البشر أحاديثهن بلغة لا افهما ولعبت مع الفراشات، المتحف الأفريقي البرازيلي أذهلني أين بيكاسو ومودلياني وبراك؟ رأيت عيسى ابن مريم الحقيقي بوجهه الأسمر الغامق وانفه الاقني يعمد الناس وهو يتبع يحيى المندائي، ومريم أمه بشعرها المجعد و سحنتها الداكنة تعرفت عليها بسرعة وسهولة، إذ إنها ترتدي زى كاهنات الامزون، تجربة تذهل ،المعارض لا حصر لها المسارح نصفها مجانا لمن لا يستطيع الدفع، الرقص والموسيقى والأكل اللبناني والياباني والأوربي والفنون التشكيلية في الشوارع ، عوائل بأطفالها العشرة تنام وتأكل وتحب وتكره وتتشاجر وتفرح في غرفة لا تتجاوز المترين هل أبوح لك بسر؟ استنجدت بكل آلهة الامزون والساحرات اللواتي يسحرن للأحبة والأعداء لكي يزيل الغمائم من العراق وعدتني إحداهن ببشرتها الصلبة القاسية وشعرها المجعد بأنها استطاعت أن تجلب الأحبة من بقاع الأرض المختلفة وترسلهم لأحبتهم قلت لها أريد إفراغ هذا البلد من الغمة استحضرت أدوات سحرها الأسود في معبد(( الكتندومبولي)) ( يعني الرقص للآلهة) وقالت لن يطول انتظارك إذ أن الغمائم ستمطر في بلد آخر مطرا اسودا دفعت لها أجورها لتشتري أعشاب من مدينة باهيا وديكا اسودا من (( الريو دي جانيرو)) ودجاجة حمراء من ساو باولو تتحدث بلسان الببغاوات وتلعب كرة القدم بمهارة برازيلية فائقة ،وأكدت بأنها ستشارك ساحرات معبد ((اومباي )) للسحر الأبيض لضمان المفعول انتظر يا أمير فالفرج قريب لقد ذهبت العقلانية وطارت وتلاشت سريعا في الهواء.

وأقول لنعيم عبد مهلهل مكدونالد الأمريكي ينزوي خجلا في أركان الشوارع في حين أن حبيب اللبناني أو الشامي يتباهى بواجتهة الكبيرة و مقاعد المطعم المليئة وقائمة طعامه التي تعدد ؛ التبولة والمتبل والفلافل ومحشي ورق العنب والصفيحة البعلبكية والكبه والصف الطويل الذي ينتظر بصبر دوره، وهنا أمجد العولمة ؟ وهل العولمة مبتدع الإنسان العصري؟، لم ذهبت القوافل من بلاد النهرين خلال فترة الأكديين والآشوريين إلى جبال سلطنة عمان ودولة مجان واستخرجت المعادن من جبالها الوعرة الصعبة، والأثاث الآشوري المصبوغ بصبغة مصرية فرعونية واضحة يا أترى أين أنتج (( ليملئ)) بيوت الآشوريين؟، هل من المعقول أن تكون كل تلك الأحمال المصنوعة بدقة ورقة ورهافة من العاج قد حملت على جمال لتسير اشهر طويلة أم أن احدهم قد فكر بإنتاجها في ارض بلاد النهرين الواسعة وجلب معه المادة الأولية والعمالة من أفريقيا ومن مصر الفرعونية دعونا نفكر ونبحث.

جدتي ((البصراوية )) فريدة كانت تصف الإنسان القاسي بكلمة ( برتكيشي) بزيارتي للبرازيل عرفت معنى القسوة والقهر والذل الذي عاناه الإنسان البرازيلي على يد البرتكيش.

إلا أن الإنسان البرازيلي لم يجد مكانا في قلبه للرد على القسوة بمثلها بل بالتسامح والنظر إلى المستقبل والتفتح على كل العوالم.


Write comment (0 Comments)

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker