سلام طه

آراء في منحوتة رأس الملك الاكدي

Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

نُشر المقال في (جريدة بين نهرين) العدد 110 \ 6 شباط  2019 ( أضغط هنا لتحميل المقال منشوراً بعنوان منحوتة الملك الاكدي مانشتوسو).

عبد السلام صبحي طه

mesopotamia 4

 

 

كان الآثاري البريطاني كامبل تومبسن  ( الصورة المقابلة ) مسؤولاً عن بعثة تنقيبات في نينوى عام 1931 ، وقد كشف خلال حفرياته عن مبنى campbell thompson 2معبد مكرّس للإلهة عشتار، و بحسب النصوص المسمارية التي عُثر عليها في الموقع ، فإن  من شيده هو الملك الأكدي مانشتوسو (حكم من 2275  إلى  2260 ق.م)، ، وهو الابن الثاني لمؤسس السلالة الأكدية العاهل سرجون الكبير (من الأصل الأكدي شاروكين ويعني الملك الشرعي، وهو لقبه، ولا نعرف له اسماً حتى الآن)، والذي يُعدّ مؤسساً لأول امبراطورية في التاريخ،  وقد حكم مدة 56 سنة (2340- 2284 ق.م )، ويبدو ان هذا المبنى قد استمر بوظيفته إلى أواخر العصور الآشورية الحديثة في الألف الأول ق.م .

وفي ذات الموقع عُثِر على منحوتة برونزية  لرأس رجل ملتحِ بالحجم الطبيعي ، وبسمات تقترب من الملامح المحلية العراقية الحالية. وقد دارت حول موضوع نسب هذا العمل النحتي، ولا تزال، الكثير من التكهنات، وهو ما سنتناوله بشيء من التفصيل في هذا المقال.

 

مدرسة الرأي الأولى

تقول إن أول من نسب المنحوتة إلى شاروكين الاب، كان الآثاري البريطاني ماكس مالوان . وقد أورد رأيه  في مقال نُشِر في العدد الثالث من مجلة

 (Iraq) عام 1936، الصادرة عن المدرسة البريطانية لآثار العراق. عمل  مالوان لسنتين مع كامبل تومسن في تنقيبات مشتركه في نينوى (1931 - 1932). وقد أيد وجهة نظره  لاحقاً الفرنسي آندريه بارو في مؤلفه "فنون سومر وحضارتها"، ومن بعده هنري فرانكفورت في مؤلفه "فن الشرق الأدنى القديم".sargon II Torino Muso di antique 5

في معرِض تسويغ  مالوان لاستنتاجه أعلاه، فسّر الأمر على أن الابن مانشتوسو ربما حاول تخليد حضور والده، الذي أطبقت، على ما يبدو، شهرته الآفاق، خصوصا أن شاروكين هو من استولى على مدينة نينوى ضمن حملته على بلاد آشور،  وقد ورد  ذكره في نصوص متأخرة ترقى الى منتصف الألف الأول ق.م، وفي سبيل المثال نصوص الفؤول البابلية الكلدية  التي رفعته إلى مستوى القداسة، كما في ( فأل الخاص بشاروكين،  ينص على أنه قام بغارة في الظلام والنور قد ظهر له). وتُظهر هكذا نصوص المديات التي ترسخ فيها حضور هذا الملك في اللاوعي الجمعي لأهل البلاد على مر الاجيال.  ولدينا دليل آخر من العصور الأشورية نجد فيه ان ملكين آشوريين قد إتخذا اللقب ذاته (شاروكين الاول بحدود  1860 ق.م ) و ( شاروكين الثاني 721- 705 ق.م). والأخير له منحوته جدارية  منفذة ببراعة تُظهر مدى التشابه بالملامح  في ما بينهما، وهي محفوظة حالياً في متحف تورين بايطاليا ( الصورة المقابلة ) .

 

مدرسة الرأي الثانية

تقترح بعائدية المنحوتة الى العاهل مانشتوسو نفسه، وقد وضعه توازياً مع تشييده المعبد المكرّس للإلهة عشتار، تدعم د. زينب البحراني  الخبيرة في تاريخ الفن هكذا رأي، بدلالة الاعمال النحتية الرائعة العائدة لهذا الملك(الجزء الاسفل من تمثال من حجر الديوريت، وكذلك المسلة شبه الهرمية التي لا تقل قيمة فنية بطريقة النحت، والاسلوب المتناسق في تدوين نصوص لعقود شراء قطع اراضٍ في بابل)، إن نقطة الضعف في هذا الرأي هي الفشل في العثور على منحوته معدنية تُنسب الى عصر هذا الملك حتى الآن. جميع هذه القطع محفوظة في متحف اللوفر،  وقد عَثرت عليها بعثة تنقيب فرنسية في مدينة سوسة عاصمة أقليم عيلام. والسبب في تواجدها هناك،هو حادثة غزو قام بها الحاكم العيلامي شاتروك ناخونتي، حيث أغار على بابل عام  (1158 ق.م)،  ونهب الكثير من الغنائم الثمينة، منها مسلة حمورابي (1792-1750 ق.م)، ومسلة النصر لنارام سن( أواخر الألف الثالث ق.م ) ، وهذا يدلل على ان كل هذه الُنُصب والاعمال التي خلفها ملوك العراق القديم كانت محط احترام و تقدير أهل البلاد مدة تربو على 1000 عام بعد العصور الأكدية والبابلية القديمة.

 

مانشتوسو

 

المدرسة الثالثة

تُنسِب التمثال الى الحفيد نارام سن (اسمه يعني محبوب إله القمر وقد حكم من 2260 الى 2223 ق.م)، ويؤيد هذه المدرسة عدد من الباحثين، منهم انطوان مورتكات في كتابه الموسوم "الفن في العراق القديم". ولا بد من التوكيد على أن العراق ارتقى  في عصر نارام سن الملقب بملك الجهات الاربعة اسمى مراتب مجده الامبراطوري، وربما من المنطقي تشبيه الاسكندر المقدوني به، رغم أن الفاصل بينهما نحو ألفي عام،ما يؤيد وجهة نظرهذه المدرسة،المسلات والنُصب العائده له التي خلفها في أرجاء امبراطوريته، ومنها عمل من البرونز عُثِر عليه إبان العقد السبعيني من القرن المنصرم ، خلال حفريات في منطقة باسطكي بمحافظة دهوك العراقية، حيث كُشِف عن قصر للعاهل نارام سن، وفي مدخله وجد تمثال برونزي مجوف يمثل النصف الاسفل  لجسم  شاب عار جالس على قاعدة دائرية مثبت عليها نص مسماري يرد فيه ذكر نارام سن ، يزن هذا التمثال بحدود 140 كغم، وهو محفوظ حالياً  في المُتحف العراقي، وقد  سُرِق عام 2003  جراء فوضى الغزو الاميركي، وعُثر عليه لاحقاً مخبأً في حفرة غُطيت بزيوت صناعية،إن نقطة الضعف في هذا الرأي، حسب مالوان، تتمثل في أختلاف طريقة تصفيف لحية وتسريحة  شعر نارام سن من الخلف عن الرأس البرونزي.

 نارام سن

 

تقنية النحت المجوف

جرى فحص المنحوتة البرونزية في ثمانينيات القرن المنصرم  من قِبل العالمة الألمانية إيفا سترومينكر، وتَبين انها تتكون من سبيكة (أكثر من ثلاثة ارباعها  من النحاس تقريباً والباقي من القصدير)، وقد تعرضت لتشويه جراء ما يُعتقد انها محاولة لسرقة احجار كريمة ربما كانت تغطي محجري العين، او حتى قد لا تعدو كونها محاولة ايذاء متعمدة من قبل اعداء او غزاة ،بدليل قطع الأذان وجزء من اللحية  و ضرب منطقة العين بفأس.

 يبدو ان الرأس كان مثبتاً على  تمثال من حجر او خشب مغلف بقماش او ذهب على عادة أهل البلاد، تُظهر المنحوتة  مدى الاهتمام  البالغ بالصنعة والحرفية العالية التي توصل إليهما الفنان الأكدي، إذ إن طريقةالصب بحد ذاتها  تُعدّ طفرة نوعية في تاريخ فن النحت، وكما سنرى بالرسم المرفق، توضيحاً  مبسطاً لتقنية النحت المجوف،تبدأ بعمل تمثال كامل للرأس من خلطة طينية ناعمة خاصة تدعى اليوم بـ(السُكري)، ثم يُشوى التمثال بالفرن ليتصلب، ويُغلّف إما بالشمع او بالقار،وتلي ذلك مرحلة تغليفه بالطين من الخارج مع ترك فتحات او فراغات للتنفيس، ويُعرّض القالب للحرارة  فيذوب الشمع او القار، تاركاً  فراغاً ما بين التمثال الطيني في القلب والغلاف الخارجي، ثم يُعبأ بسبيكة البرونز المنصهر، وحالما تتصلب السبيكة  يُكسر القالب الخارجي ليُستخرج  التمثال وتُستكمل تفاصيله الفنية النهائية.

طريقة الصب بالتفريغ 2

 

 

مقاربات

لغرض إستكمال هذه الدراسة الموجزة، وبسبب فرادة وتميز هذه المنحوتة ،نجد لزاماً علينا المروربقطعتين على شيء من شبه بها، الأولى  بقايا رأس من حجر الديوريت  يقترب من سمة وجه وتصفيفة لحية الرأس البرونزي ، عُثِر عليه خلال تنقيبات البعثة الفرنسية في تلو (كرسو السومرية القديمة)، و محفوظ حالياً في متحف اللوفر.

 

الرجل الملتح من تلو البعثة الفرنسية 2

 والثانية  منحوتة من النحاس مشابهة للأصلية، لكنها كانت، على ما يبدو،  مشوهة ومتضررة، وربما كانت محاولة فاشلة للصب جراء استخدام النحاس لوحده ، وهي من محفوظات المُتحف العراقي.

التفصيلة الأخرى،هي طريقة تصفيف شعر الرأس وشده من الخلف في المنحوتة البرونزية، والتي تطابق  ببساطة عمل آخر ربما يسبقها بقرن ونصف القرن، حيث خوذة الذهب العائدة إلى ملك من سلالة أور يدعى مس كلام دوك (عاش في منتصف القرن الثالث ق.م)، وقد عَثر عليها  المنقب البريطاني ليونارد وولي  في عشرينيات القرن المنصرم بمقبرة أورالملكية.

 

خوذة السومري و راس الاكدي

من خلال استعراض مدارس الرأي المختلفة أعلاه، نستنتج  ان هذه المنحوتة ربما تعود الى الامبراطور شاروكينو الكبير، أو أحد أفراد عائلته، ونأمل أن تكشف التنقيبات المستقبلية عن لقى جديدة تعيننا على فك الغاز هذه الطفرة النحتية الكبيرة وربما عائدية المنحوتة، وكذا ستفسر الكيفية التي تمكن فيها الفنان الأكدي من امتلاك هذه الدرجة من الجرأة الفنية التي تُعدّ انقلابا على المدرسة السومرية الكلاسيكية،جراء التحرر من سلطة المعبد، وشيوع نوع من الحيوية في الحياة الاجتماعية، بسبب تطبيق النظام العلماني للدولة المركزية، وهو ما يستدعي التفكر بأمكانية عزو هذه الطفرة الى تدفق المواد الاولية، و حرية التنقل لاهل الحِرف والفن ضمن ارجاء الدولة الموحدة، والتي تفسر أيضا السر في تطور فن نقش الاختام الاسطوانية في العصر الاكدي، كما في النماذج الظاهرة في الصور.

اختام

 

هذا ما يؤيد بلا أدنى شك، الرأي القائل بأن الفنان العراقي القديم و بهكذا جرأة غيرمسبوقة في التجريب، قد أرسى الاسس لإحدى أهم الطفرات في تاريخ الفن العالمي.

 

 

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker