سلام طه

أراء في منحوتة أسد بابل

Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

 دراسة لتقصي منحوتة الأسد الشهيرة في  بابل - العراق.

 عبد السلام صبحي طه



 asad babel  
 فوتوغرافات  تؤرشف لمنحوتة  ( أسد بابل )

1867 lion of babylon

تاريخ العثور على المنحوتة :

منحوتة اسد  بابل  عمل نحتي غيرمكتمل من حجر البازلت الاسود تم العثورعليه وهو غائر لاكثر من نصفه في تراب  خرائب مدينة بابل الاثرية من قبل اهالي المنطقة و اول ذكر له على المستوى العالمي ورد في مقال للمبعوث البابوي والفلكي  الفرنسي جـوزيـف دو بـوشـام*   في جـريـدة الـعـلـمـاء الفرنسية عـام 1790 إثر زيارته للموقع انذاك و ارشاد اهلها له، ولكن من اظهر المنحوتة كان الـبـريـطـاني كـلـوديـوس جـيـمـس ريـتـش  وذلك في  عـام 1817 خلال رحـلـتـه الـثّـانـيـة الّـتي كـان قـد قـام بـهـا قـبـل ذلـك واسـتـطـلـع خـلالـهـا مـوقـع بـابـل. وقد ذُكر حينها ان هذا التمثال يبدو متآكلا .

وقد مر المقيم البريطاني ومندوب شركة الهند الشرقية كلاوديوس ريدج بمنحوتة الاسد فيالعام 1817م  وذكر بأنه قد وجده على تلة من الركام هي ربما بقايا قصر العاهل البابلي  الكلدي نبوخذ نصّر ( نبو كودوري اوصر الثاني ) ولم يأل اهل البلد جهدا بأن يبرزوه للمسافرين وكان مدفونا بالتراب ، وقد وصفه احد اعضاء البعثة بأنه يبدو وكأنه فيل وقد تحطم خرطومه. ولكن ريدج وصّف ما قام به بالضبط في العام التالي وورد في كتاب ** له ، النص التالي :

“واكـتـشـفـت مـا لـم يـسـتـطـع  دو بـوشـام أن يـراه بـوضـوح، وفـهـم مـن أهـل الـبـلـد أنّـه صـنـم. وأخـبـروني بـنـفـس الـشّئ، وأنّ رجـلاً عـجـوزاً مـن الـعـرب عـثـر عـلـيـه عـنـدمـا كـان يـحـفـر. وبـعـد أن رآه دفـنـه مـن جـديـد.وبـعـثـت مـن يـأتي لي بـهـذا الـرّجـل الّـذي أراني الـمـكـان. واكـتـريـت عـدداً مـن الـرّجـال لـيـحـفـروه. وبـعـد أن جـهـدوا في عـمـلـهـم يـومـاً كـامـلاً أزاحـوا مـا يـكـفي مـن الـتّـراب، ورأيـنـا أسـداً هـائـل الـحـجـم  مكتمل الشكل عـلى قـاعـدة، مـنـحـوتـاً في نـوع سئ مـن الـغـرانـيـت الـرّمـادي بـصـنـعـة رديـئـة. وكـانـت في فـمـه فـتـحـة دائـريـة يـمـكـن لـلـمـرء أن يـدخـل فـيـهـا قـبـضـتـه، وكان بابعاد :  طول 3 م و ارتفاع 2 م ويرتكز على قاعدة ضخمة من حجز البازلت.

 بعد سبعة سنوات من هذا التاريخ يمر عسكري بريطاني اسمه جورج  كيبل بالمنحوتة و يرسمها وهي مكسورة الانف ، وبذا يكون الكسر الحالي قد حصل ما بين  توثيق ريدج و كيبل . وكيبل هو ربما من اقترح لاول مرة ان هذه المنحوتة تمثل تسرد تفصيلة من قصة توراتية تمثل نبي اليهود دانيال وهو في حفرة مع اسد ( بحسب النصوص التوراتية ).

 

في 15 تموز 1852 جاءت بعثة فرنسية  برئاسة ( فرانل- ومعاونه اوبرت  ) و اعادت الكشف عن أسد بابل ووضعته في محله  الحالي ( الصورة لليسار لمنحوتة سد بابل في العام 1867)  و قامت بتجليسه على قاعدة من آجرات مبعثرة بجانبه  ،  ومنذ ذلك الحين اصبح احد شواخص المنطقة و تسمى بأسمها رغم الغموض الذي احاطه.

 

تلاهم المنقب الالماني روبرت كولدفي  في عام 1899 م ليضع افكارا حول هذه المنحوتة ( وقد نقّب في مدينة بابل منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى اندلاع الحرب العالمية الاولى وله مؤلف مهم بعنوان التنقيبات في بابل ).

lion of babylon1

 ومن الجدير بالذكر أن  دائرة الاثار القديمة قد  أجلست الاسد في محله الحالي  على قاعدة نصبتها في اربعينيات القرن الماضي باشراف د. طه باقر

  

 
الاراء المتداولة بخصوص المنحوتة  :


1- المدرسة الاولى قالت بانه منحوته حيثية - والحيثييون اقوام  من اواسط الاناضول في تركيا الحاليه، ظهرت في مطلع الاف الثاني ق.م واستوطنت الاجزاء الشمالية من سوريا مع اقوام اخرى ( ميتانية وحورية ) وفي مطلع القرن 16 ق.م انحدرت هذه الاقوام على نهر الفرات باتجاه عانة واسقطت الامبراطورية البابلية الاولى( دولة حمورابي ) والتي كانت في اواخر ايامها وينتابها الضعف ,كان يُعتقد انهم جاؤوا بالمنحوتة من بلدهم مسحوبا على طوف في نهر الفرات وهذا الظن يدعمه منحوتات حثية ضخمة اقيمت في تل بارسب في شمال سوريا وتل حلف على الفرات وفي بلاد الاناضول ( حتوشه - بوغازكوي الحالية ) تشبه هيئة و تصميم و حجم التمثال ( انظر الصورة المقابلة ) , وربما بسبب حصول اضطرابات سياسية في اسيا الصغرى - الاناضول (حيث موطنهم الاصلي ) فقد اجبروا على الانسحاب من بابل ووسط العراق وعند خروجهم سرقوا الكثير من كنوزها ( منها تمثال ذهبي للآله مردوخ وزوجته صربنيتم) و حاولوا اخراج هذا التمثال من بابل ولكنهم تركوه في عانة الحالية ربما لثقله و صعوبة نقله,
ما يدعم هذا التفسير - الاسلوب و نوع الحجر المستخدم و كذا كونه يرّمز لانتصارهم على بابل الاولى وربما كانت قد تُركت بعد خروجهم من العراق في موقع الى القرب من عكركوف الحالي الذي هو عاصمة الكيشيين المعروفة ب ( دور كور كالزو ), و الكيشيون هم اقوام نزحوا من الجبال الشمالية من منطقة لورستان ( ايران الحالية ) وحكموا بابل ما بين 1680 – 1157 ق م, وقد قاموا بطرد الحثيين من بلاد النهرين واسسوا عاصمتهم في عكركوف الحالية التي تُرك بها التمثال الى حين قيام الملك البابلي الكلدي الأخير نبونائيد بجلبه من عكركوف إلى قصره في بابل، او ربما يكون هذا التمثال قد تم جلبه  كغنيمه من المدينة الحيثية جوزانا التي كانت تحت الحكم الكلدي  .


2- تغيرهذا الظن وظهرت مدرسة ثانية في الرأي مستندة على استنتاجات الاثاريandrae 2 الالماني (روبرت كولدفي -  أضغط لزيارة صفحته ) و الذي نقب في بابل حتى العام  1917, وادعى بأنه اكتشف الاسد في بناية يُظن انها كانت  محترف لنحات بابلي من زمن العاهل الكلدي نبو كودري آوصر الثاني( نبوخذ نصّر ) ، وما يدعم هذه الفكرة ان التمثال غير مكتمل ـ وهو رأي لاقى شيء من القبول الخجل من بعض دارسي ومؤرخي الحضارة البابلية , ويذهب هذا الرأي الى تفسير العمل بانه يمثل الالهة عشتار التي كان رمزها الاسد( الصورة المقابلة  رسمة لاسد عشتار من شارع الموكب في بابل - للمنقب الالماني فالتر اندريه زميل كولدفي ) والتي كانت تمثل الحامية التقليدية للشعب البابلي،وهذا التمثال يمثل  تجسيد رمزي لاحتضانها لشعبها, البعض من الاثاريين العراقيين يدعمون هذا الرأي ( شاهد فديو برنامج د. بهنام ابو الصوف في نهاية الدراسة).

8 lion found in Eridu1

  أحدى دعائم مدرسة  الرأي الثاني، ان هنالك امتدادا تاريخيا للفكرة تجسدت في تنقيبات الاستاذ فؤاد سفر الذي اكتشف في فناء القصر الكبير في اريدو أسدا شامخ الهيئة من حجر البازلت منتصبا على قوائمه وهذا الاثر ينتمي الى عصر فجر السلالات السومرية في الالف الثالث ق.م ، ممل يدلل على حضور فكرة الاله الحامي الشامخ الراعي للبلد في وعي النحات العراقي القديم ( الصورة المقابلة لأسد أريدو  - محفوظ في المتحف العراقي ).

  ولذا استقر الرأي لدى هؤلاء الاثاريين بكون هذا الاثر بابلي (كلدي ) و يعكس اسلوب المدرسة العراقية في نحت الحيوانات الكبيرة ويرقى الى زمن العاهل البابلي الكلدي نبو كودري آصر الثاني والتي صُممت لتعكس عظمة ذلك العصر وقوة وشموخ بلاد النهرين في تلك الفترة.

وربما ما يعزز الاتجاه بالاستنتاج اعلاه ،  وجود ثقب مربع الشكل في وسطه ( و قد تم  تعبئته و اخفاءه  كما يظهر في الصورة ادناه - The Kasr Lion ) ، ومن المحتمل انه كان يستخدم كدعامة لباب كبير وهذا يستوجب وجود منحوتة اخرى مماثلة لتقابلها حيث يتم ادخال خشبة من خلال الثقب في كلا المنحوتتين (بحسب هذا الرأي ) لاحكام اغلاق الابواب، وقد وجدنا ذات الثقب المربع في  مثيلاتها من المنحوتات الآشورية التي سبقتها والتي تستعمل لوضع الخشب او المعدن، كمتراس ومغلاق للبوابات، كما في الصور أدناه

18788794 451010955258025 1092651671 n

18816317 451011078591346 2106544920 n

وقد ورد للعاهل الكلدي نابو كودوري اوصرالثاني مخاطباً " أسبيناز        " احد موظفي بلاطه في كتاب  " نبوخذ نصر "  لمؤلفه  ج . ر . تابوي، نصاً ( أدبياً - إبداعياً )  يقول فيه : 

" أريدُ ، أريدُ،  أريدُ يا أسبيناز ، هناك على أعلى سطح في القلعة ، أن يرتفع أسد لا أجمل منه ولا نحت النحاتون أكبر منه ! أسد فخور بنفسه وبمشيته ، له مظهر القوة النبيلة التي تليق بمجدي ! وتحت قدميه ، أريد أن يسجد ﺇنسان كرمز لهذا العالم الذي أخضعته لشريعتي ، وألزمته على الإنصياع لإرادتي  والآن ، ليتقدّم مني كاتب ، أريد أن أملي عليه ما يجب أن يكتب على النصب الأسود ، كي تعلم أجيال المستقبل عظمة مجدي ومجد مردوخ أبي ".

  وربما ان ما ورد في هذا النص يطابق مادة وشكل وموضوعة المنحوتة حيث انه من البازلت الاسود ويوجد تحت قدمي الاسد انسان ، وكذلك عدم وجود منحوتة لأسد  اكبر منها منها في بابل وجنوب بلاد النهرين ترقى الى تلك الفترة.

وفي حال اننا اتفقنا مع الرأي الثاني ، لابد من ان نطرح السؤال التالي , أن كانت هذه المنحوتة محلية الصنع فمن أين جلب النحات البابلي مادة البازلت التي صنعها منها وهي نادرة الوجود في العراق القديم ؟

المصادر
كولدفي ،روبرت  : التنقيبات في بابل 
  ج . ر  . تابوي . : نبوخذ نصر ، ترجمة عطا الله ، فيليب – ص 314
حميد الشمري: سرقة حضارة الحجر والطين ، الطبعة الثانية

(From Dieulafoy, “L’Art Antique de la Perse,” Vol. 3. Pl. 13)
د. بهنام ابو الصوف ، " اسد بابل"  برنامج - أحاديث في الحضارة - قناة التغيير الفضائية  
* Joseph de Beauchamp
 ** Memoir on the Ruins of Babylon, Volume 2، P 24.

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker