سلام طه

وصايا سومرية - عن الإرث والذاكرة عند العراقيين القدماء ( 2 )

Posted in سلام طه

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 
وصايا سومرية
عن الإرث والذاكرة عند العراقيين القدماء - ( الجزء الثاني)
نشرت في  جريدة بين نهرين عدد - 10 كانون الثاني 2019
عبدالسلام صبحي طه
 
 
ملوك مثقفون واراشيف مكتبية
مكتبة اشور بان ابلي نينوى رسم تخييلي
لا يخفى على مهتم بالتاريخ العراقي القديم ، سيرة احد أهم ملوكه الا وهو العاهل آشور بانِ ابلِ ( آشور بانيبال في العهد القديم ) و ما تعلق بمكتبته الشهيرة التي عُثر عليها في التل الاثري في قوي انجق حيث اطلال العاصمة الامبراطورية الآشورية العظيمة نينوى ، حفر في الموقع الاثري للمكتبة الحفار البريطاني اوستن هنري لايارد في العام 1841م ، و قد هاله ما وجد هناك ، فقد اخرج من ذلك الموقع ما يربو على 30 الف رقيم مسماري تقريباً ، كانت هذه المكتبة هي مستقر آداب و علوم العراق القديم والذي امر الملك آشور بانِ أبلِ ( الملقب ب المثقف و الكتبي ) بجمعه من انحاء الاقاليم التابعة للامبراطورية ، من مصر جنوبا الى ارمينيا شمالا ومن عيلام شرقا الى سواحل البحر المتوسط مرورا بكامل سوريا القديمة ، حيث يرد في نص له " انا كتبت ودققت هذه الألواح من خلال الموظفين والطلاب ، وقد جمعت وكتبت النسخ الاصلية القديمة "، ، حرص العاهل الآشوري على ارسال النساخين الى مراكز العلم والادب في حواضر العراق القديم ( بابل وبورسّبا واكد وكوثى ونيبور واشور )، حيث قاموا بنسخ معظم المؤلفات المهمة . من شعر واساطير و الواح اقتصادية و فلكية ، وقد عمل بدأب علي العناية بها ومتابعتها وتنظيمها طيلة مدة حكمه الطويلة و التي بلغت 42 سنة ، كانت بعض رُقم المكتبة تُقرأ عليه قبل ان يوافق على ايداعها في المكتبة ، وكان مهتما بتعلم اللغة السومرية القديمة وهي اللغة المقدسة للكهنة ، حيث اشتكى دوما من صعوبتها، وقد ورد في احد النصوص انه طلب من احد كتبة المعابد في سبّار ( حيث المكتبة الأولى القديمة التي ترقى الى العصر البابلي القديم ) ان يبحث له تحديدا عن احد الرُقم العائدة الى الملك ( المشّرع ) العظيم حمورابي و الذي كان يسبقه باكثر من الف ومائتي عام وطلب منه ان يرسله اليه ، ومن نفائس ما عُثُر عليه في المكتبة ايضاً ، نصوص من ملحمة العراق الخالدة التي حملت اسم احد ملوكه السومريين ( جلجامش ) ، و منها الرقيم الشهير المتعلق باسطورة الطوفان مدوناً باللغة الآشورية وهي لابد انها منقولة عن نص بابلي قديم يرقى الى عصور ما قبل العاهل حمورابي حيث عُثر على النسخة السومرية لتلك الملحمة ، وكانت ترجمة هذا اللوح فتحاً كبيراً، أسقط الكثير من الفرضيات الزافة التي رسختهاالنصوص التوراتيه وكشفت حقيقة نسخها للفكر العراقي القديم ، هذه المكتبة نقلت لنا معارف اسلافنا و منحت للبشرية دفقاً من عطاءهم.
لا نتوقف عند هذا الحد في امر المكتبات ، ففي العام 1986 كشفت بعثة تنقيبيه عراقية في تل ( ابو حبة)Sippar Libraary حيث موقع مدينة سُبار القديمة في منطقة اليوسفية الحالية قرب بغداد ، معبدا لاله المدينة ( شمش ) وهو اله الشمس عند العراقيين القدماء ، و في احد جدران المعبد وجدت رفوف تشكل مكتبة على شكل حرف U يربو عددها على 56 رف وبداخلها وجِد مئات من الارقم المسمارية ، وكانت مرتبة بطريقة تدعو للاستغراب ، و كأن القائمين عليها قد تركوها للتو بدلالة الفهرسة الدقيقة للالواح ، يرقى زمن هذا المنشأ الى العصر البابلي الحديث ( الكلدي – القرن السادس ق.م ) ، وهذا امر ذو دلالة مهمة تشير الى الحرص في نقل المعارف ما بين الاجيال و الحفاظ على التقاليد المتوارثة ، و ربما ان هذه المكتيةهي صدى لمكتبة نينوى العظيمة التي تناولناها آنفاَ ، والتي سبقتها بقرن من الزمان ( الصورة المقابلة لمكتبة سبار - 1986 ) .
 
 
بين الأمير السومري جودايا و الآرامي أدد نادين أخيAdad Nadin ahhe reduced
وردتنا نصوص لملك ارامي بالاسم ( أدد نادين أخي, عاصر فترة الحكم الفرثي في اواخر القرن الثاني ق.م ) ، و كانت مملكته تتمتع باستقلال شبه ذاتي ، حكم الملك آخي في جنوب بلاد النهرين ، وتحديدا في المواقع التي كانت تضم مملكة لكش ، في مدينة كرسو القديمة (تللو الحالية ) .حيث وجد بناؤو قصره الجديد خلال الحفر ، تماثيل تعود للحاكم الشهير جودايا ( أمير سومري من سلالة لكش الثالثة ، حكم من 2164 الى 2144 ق.م ) و الذي سبق الملك آخي بالفيتين من الاعوام تقريباً ، فيذكر النص ان الملك أخي " قد أمر البنائين بجمع اللُقى القديمة و عرضها في ركن خاص بالقصر وطلب من كتبته بقراءة النصوص التي دونت عليها باللغة السومرية وطلب منهم تقليد الكتابة بالأسلوب الأصلي وباللغتين الآرامية و اليونانية و أن يحاكي التصميم المعماري لقصره الطراز السومري للمنشأ القديم " .( الصورة ).
 
 
 
بعد هذا الزمن بألف وخمسمائة سنة تقريباً تبزغ شمس الحضارة على قارة اوربا، و في بدايات عصورها الوسطى نسمع عن عائلات ارستقراطية تهتم باقتناء الاثر الفني القديم وتوثيقه وصيانته (عائلة ميدي- تشي الفلورنسية في ايطاليا الحالية مثالا ).
 
***
اِن ما قمنا بأستعراضه في جزئي المقال هو سرد محدود لامثلة تُظهِر احترام العراقيين القدماء لاِرث اسلافهم الغني واهتمامهم بنقله جيلا بعد جيل كنوع من فخر وتوكيد لأمانتهم في صيانة الارث والذاكرة.
أن التراث الثقافي يعتبر ركناً اساسياً من اركان الوعي الانساني ولذا تبنت هيئات مختلفة من الامم المتحدة مبدأ حمايته والحفاظ عليه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ، ابتداء بمعاهدة لاهاي لحماية التراث الثقافي خلال العمليات الحربية في العام 1954 ، ومرورا بالتشريعات التي تبنتها منظمة العلوم والثقافة ( اليونسكو ) في العام 1970 والتي منحت غطاءاً دولياً لحماية التراث الثقافي في زمن السلم وتحريم الاتجار به، وصولا الى اتفاقية روما ( اليودونروا في العام 1995 ) والتي منحت القانون الدولي فضاءاً أرحب للتعامل مع التشريعات الخاصة بالحفاظ على التراث الثقافي.
ما نود ان نتلافاه حقا هو ان نفتح حوار مع جيل عراقي في المستقبل عن المنجز الحضاري لأسلافهم فنجدهم يحتارون بالرد جراء جهلهم بالامر، وهذا ان حصل فهو نتيجة طبيعية للتغييب الحاصل حالياً من جهة المناهج الدراسية والوضع الكارثي للاعلام المسيس والتجاري التافه الذي يسطح عقل المواطن، ناهيك عن عمليات المحو الممنهج لمكامن الحضارة في حواضر العراق القديم وشواهده كما حصل خلال فترة الحصار الظالم على العراق او مع الإرهاب الداعشي في محافظة نينوى وبشكل منهجي مخطط له ، يهدف الى قطع حبل المشيمة بين الماضي والحاضر وترك ذاكرة الاجيال لتتلاشى تدريجيا .
أن محاربة التجهيل الحاصل للأجيال الناشئة بل والمجتمع بشكل عام لهو هدف نبيل ومشرّف، يستلزم منا جميعاً كعراقيين ورثنا مساهمات اسلافنا القدماء في مسيرة البشرية، من ان نحفظ للعراق هيبته امام امم العالم المعاصر ومكانة اهله السامية في المنظومة البشرية ،لانهم والحق يقال وضعونا تحت مهمة جسيمة ولكنها مشرفة بتوريثنا محطة بلاد النهرين العظيمة التي تحرك منها التاريخ.
 
بين نهرين 10 كانون ثاني 2019 2
 
3بين نهرين 10 كانون ثاني 2019 2
 

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker