د. زهير صاحب

أول جدارية سومرية

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

الفن كالأخلاق يمتزج لدى السومريين بفاعلية معقدة ومختلطة نستطيع ان نسميها فاعلية دينية

 

 


إننا لا نفهم صلات الفن بالدين فهماً جيداً، إلا بدراسة تطور الفن من جهة، وتطور الفكر الديني من جهة أخرى. ذلك أن
قانون هذه الصلات هو بالدرجة الأولى قانون تمايز متزايد وتقييم عمل مستمر. فالفن كالأخلاق يمتزج لدى السومريين بفاعلية معقدة ومختلطة نستطيع ان نسميها فاعلية دينية، ولكنها تضم في الواقع بذرة مباديء سائر الفاعليات العليا معاً.
ففي
العام 1940 اكتشفت البعثة الآثارية العراقية، أحد المعابد المهمة في مستوطن العقير الذي يقع على بعد قليل شمال شرقي مدينة بابل الأثرية. وكان هذا المعبد بمثابة المتحف الدائم للإبداعات التشكيلية من العصر السومري المبكر (3200 ق.م). فقد ضم (بهو) هذا المعبد إعداد كبيرة من الفخاريات الملونة، ونموذج من الجداريات الفخارية. مع أمثلة من الواح التطعيم التي تمثل مواكب بشرية تؤدي فعاليات طقوسية وشعائر دينية، منفذة بتجميع عدد من الخامات الملونة على سطوح الجدران المشيدة باللِبن. وللأسف الشديد لم تعامل عوامل البيئة الطبيعة كالماء والأملاح هذه الروائع التشكيلية المهمة، بشيء من الصداقة، بل عملت على إتلاف معالمها وإزالتها من الوجود.
ومن الروائع التشكيلية المهمة المكتشفة في هذا المعبد، هو رسم جداري على واجهته يمثل زوج من الفهود Leopard، وقد أوكلت لهما مهمة حراسته، من أي متطفل خارجي تسول له نفسه الإساءة لقدسية رمزية المكان. وقد نفذ الرسم بعد طلاء سطح اللبِن بطبقة خفيفة من الطينة النقية، ومن ثم عاد الفنان لطلائها بقشرة خفيفة من الجص، والذي نفذ عليه المشهد مباشرة، بإستخدام عدد من الأكاسيد الترابية، وأهمها أوكسيد الحديد المتركز بنوع من التربة المعروفة بالمغرة الحمراء Red Ochre.
حُدِدَ كل من شكلي الحيوانين بخط أسود مهيمن الوضوح، فيما نُقطّت مساحتي الشكلين بنقاط باللونين الأسود والأحمر، وقد وزعت بشكل دقيق، وبما يتناسب مع دراسة الشكل الحيواني من ناحية التشريح وإبراز التكورات العضلية لتجسيم الشكل. وكأننا أمام لوحة من لوحات (سوراه) في رسومه من إتجاه ما بعد الإنطباعية. والمُحّير في الموضوع هو دقة حركة الخط وشدة حساسيتهِ وشاعريتهِ أيضاً. وكأن الفنان السومري مثل (بيكاسو) حين يرسم أشكالهُ، يبدأ من أحد قرني الثور لينتهي بالقرن الآخر، بعد دورة الخط حول كتلة الجسم دون أي تردد أو ضعف.
تشير الأكتشافات المادية الى ندرة حيوان الفهد في بطاح أرض الرافدين، إلا إن هذه الندرة، ربما كانت هي السبب في إنتقاء هذا الشكل الحيواني بالذات، وإناطتهِ بهذه المهمة الصَعبة. ذلك أن (غرائبية) المشهد كان لها الوقع الفاعل على نفوس المتعبدين، وبما يضفي أو يفعّل قداسة المكان في داخلية المتعبد السومري. فقوة الحيوان المعروفة وشراستهِ، قد تضاعفت ألف مرة حين دخل دائرة المعبد، إذ أصبح فهداً معبدياً من الدرجة الأولى. وذلك كفيل بتفعيل قوتهِ ليصبح بقوة أسود تل حرمل من العصر البابلي أو الثيران المجنحة الآشورية.
إن العملية الإبداعية في (منشأية) مثل هذه الأشكال الرمزية، تبدأ من تلك المحاولة، عن طريق إستثارة تلك الأنطباعات والأفكار التي وجدت صداها في تركيبية الفكر الإنساني. فقد سَبقَ للذات المؤولة معاناتها في ظل تأثير الواقع المحيط، فحيكت الأفكار المرتبطة بها في بنية نسيج الفكر الإجتماعي. فبدت في حقيقتها أشكالاً طقوسية تمتلك (عبِقها) من خلال بنية العلاقة بين صيرورتها الجديدة ومحركات الفكر الإجتماعي.
فقد هربَ أحد البدائيين ذات مرة، حين شاهد صورة أسد في أحد الشوارع، وحين سُؤلَ عن سبب هروبه، أجاب: إننا نستطيع قتل الأسود حين نراها كل يوم، إلا إننا لا نستطيع قتل صورها. وتفسير ذلك، هو أن (المنطق) البدائي، قد أوجد علاقات ذهنية بين الأشياء المتشابهة، معتبراً هذه العلاقات على أنها حقيقية وقائمة في الواقغ فعلاً. ويبرز من هذه الفكرة، نوع من الأستعاضة عن الأشياء بصورها. إذ تقوم فاعلية الشيء وخصوصيتهِ على الصورة ـ الكلمة ـ وتداعياتها في الذاكرة أو الصور الذهنية للجماعة. فقد كان هدف الفن في بنية هذه الأشكال، ليس التقليد، بل الكشف عن الصيغ التي تساند الفكر الإنساني للدخول بصلات وثيقة مع عوالمه الماورائية

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker