د. زهير صاحب

الجَدي وكرمة العنب - رائعة سومرية في المتحف البريطاني

تعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجومتعطيل النجوم
 

اكتشف السومريون إثرَ نُضج خبرتهم القائمة على التجريب، أن ظاهرة الخصب في الوجود الطبيعي، تنتمي إلى عنصرين هما الذكري والأنثوي. فتمكنوا بذلك من تصنيف الموجودات وإدراك ما بينها من علاقات، فجعلوا لكل قوة رمزاً، وعلى هذا المنوال تحولت الظواهر إلى رموز ومفاهيم

 

 






أستَلَم الفكر السومري رسائل مفردات بيئته الطبيعية بوساطة فعل (الحواس)، التي كانت مثابة ضغوط مُنبّهة لميكانيزمات موسوعته الفكرية. فَفعّلها الفنانون بقدراتهم الإبداعية التأويلية الى دلالات رمزية أَغنت كثيراً معجمهم الرمزي، فتلك التجارب في التلقي والإحالة، تعاملت مع مفرداتها على أنها (تمثلات) فكرية، أحالتها ماكنة الفكر إلى رموز ومفاهيم، بعد أن أَلصقت بها اشكالاتها المتحركة في الوعي الاجتماعي. فتلك الآليات الإظهارية المستندة إلى التجريب، ساهمت بفاعلية في تكامل الخبرة، وبدأت تعمل بوصفها محركات ضاغطة في بنية الفكر السومري بسياقاته العامة.
بفعل ثراء الفكر الحضاري السومري بهذه الخطابات الرمزية ذات الطبيعة الاجتماعية الجمعية، الأمر الذي فعّلَ ظاهرة تنوع الأشكال الرمزية في أجناس الفنون التشكيلية السومرية. فالفكر الحضاري في فرديته المشخّصة، يَجب أن يَتوافق مع حاضنهِ البيئي على وفق اشتراطاته الخارجية، لتحقيق معادلة وجوده. إذ ان خطابات الفن تحركت هناك في بيئة تَغصّ بالإشكالات الفكرية، فتبادلت معها الأثر والتأثير بعلاقة دينامية متفاعلة، من خلال إطار نوعي اكتسب طروحاتهِ الفكرية من مخاض التجربة الخارجية.
اكتشف السومريون إثرَ نُضج خبرتهم القائمة على التجريب، أن ظاهرة الخصب في الوجود الطبيعي، تنتمي إلى عنصرين هما الذكري والأنثوي. فتمكنوا بذلك من تصنيف الموجودات وإدراك ما بينها من علاقات، فجعلوا لكل قوة رمزاً، وعلى هذا المنوال تحولت الظواهر إلى رموز ومفاهيم. ولعل ذلك يُفسّر شيوع شكل الثور وذكر الماعز وغيرها في المنجزات التشكيلية، بوصفها دلالات تمثل الجزء الخاص من الفكرة بخاصيتها الطبيعية، التي تُخبّئ مغزى دلالياً كامن خلفها بحراك المفاهيم في الفكر الاجتماعي. لذلك اكتسبت صفة الديمومة في خطابها التداولي بين الأفراد.
إزاء ذلك الفهم التأويلي للظواهر، نَشطت في المجتمع السومري فعاليات طقوسية ذات صيغ سحرية خاصة، لتقديس ذلك النوع من الحيوانات الكثيرة التوالد أو ذوات الطاقة الجنسية الهائلة. إذ إن رؤية حيوان، ما هي إلا حالة امتلاء بعدد لا يُحصى من الأحاسيس الانفعالية السايكولوجية، وفكرة تَمثّلها تَقتضي إحالتها إلى (شكل) يَتقمصّها ويُغنيها ويُعلن عنها، فصور تلك الكائنات (الطوطمية) المعبودة، أكثر قدسية في التلقي الاجتماعي من الكائن نفسه، إذ يَشغل الحيوان نفسه منزلة أدنى في الشعائر السحرية، من مَنزلة تَمثلّه الشكلي ذو النجوع السحري الأعظم.
يُعدّ تمثالي الجَدي وكرمة العنب المكتشف بالمقبرة الملكية في أور والمحفوظ في المتحف البريطاني واحداً من أكثر التماثيل السومرية إثارة، فهو تمثال مزدوج من مُفردتين، أحدهما شجرة الكروم السومرية، التي ألتقى تحت أفيائها الظليلة الإله (دموزي) مع قرينتهِ الإلهة (إنانا) السومرية. وظهرت كذلك أوراق العنب بعدّها مفردة رمزية هامة في تاج الأميرة السومرية (بو-آبي) الذهبي، الذي أعاد تشكيله النحات العراقي الراحل (خالد الرحّال). فتلك النبتة ذات الأوراق الكثيفة والعناقيد الذهبية المعلقة في الهواء، إضافة لقدسيتها الشعائرية، فإنها تُنتج نَبيذ سومر اللذيذ، على حد قول الغانية لأنكيدو في مسيرتهما الطويلة نحو الوركاء.
فاستعارة المفردة الطبيعية في التكوين الفني ــ مجال التحليل ــ يستند الى دلالات طقوسية متحركة في الفكر الاجتماعي. ومثل تلك الاستدعاءات، لم تكن تقليداً لواقع مُعطى، بل كشفاً لظواهر الحياة بما يجتازها من قوى ومخاوف ورغبات، تَبثّه أشكالاً ذوات دلالات رمزية، كانت بدورها بمثابة اللغة التداولية او لنقل الخطاب التواصلي بين الأفراد، التي مَكنت الإنسان على أرض سُومر، أن يُعبّر عما يجتازه من خبرات وأحاسيس.
أما ذَكر الماعز، فأنه يَتميز بطاقة ذُكورية هائلة، إذ يُشاهد وهو يَقفز عدة مرات على أناث الماعز خلال دقيقة واحدة. فهو مَهووس بفاعلية جنسية هائلة في خصوصيته الطبيعية. وبدخول المفردتين نسق الفن، اكتسبتا قوة زخمية كبيرة في خطابهما الفكري، إضافة الى شكليهما الظاهريين الذي تعودته الحياة. فهذين الشكلين الرمزيين كانا قد حُرّرا في التكوين النحتي من شكليهما الطبيعيين المألوفين، ليصبحا حُرين من صيرورتهما الطبيعية، ليؤديا فعلهما في الوسط الحضاري كرمزين مُعبرين عن كل آمال وطموحات ومخاوف ومعتقدات الإنسان.
ولتبرير ظهور الجدي مع كرمة العنب في تمثل مزدوج واحد، مَردّهُ الى اقتران كل منهما بالآخر في فصل الربيع. فعندما تُورق كرمة العنب، فأنها سُرعان ما تَصبح قُوتاً مُفضلاً لهذا الحيوان. إنه اقتران ظاهرتين الى بعض، فالخصب هنا يُفّسر الخصب بذاته. إنها عودة الحياة المنتصرة ونموها وتجددها من جديد، الذي يُشير بدوره الى عودة إله الخصب (تموز) من ظُلمات العالم السفلي، مرة أخرى إلى الحياة ليؤكد زهوها وتجددها. وهذه الأستعاضات الرمزية المرتبطة بإرهاص التناسل والنمو والتجدد، تجد ديمومتها في طقوس دورية مرتبطة بالأعراف الاجتماعية، إذ وجدت فيها خاصية الفكر صورة ألبستها بعناية لأفكارها المُجردة. فمثل تلك الرموز، لا يمكن فصلها عن الفكر، كونها تمثل (الصيرورة) التي أصبحت بها الخبرة عارفة لذاتها.
وَقفَ الجدي مُستنداً على كرمة العنب وقفته المعروفة، إذ يَقضم أوراقها الطرية واحدة تلو الأخرى. إلا إن المتحول في التكوين النحتي، هو أن الشكلين قد تحرّرا من صفاتهما الطبيعية، ليؤديا فعلهما في الوسط الحضاري كرمزين. فهما يشبهان نفسيهما في حضورهما الطبيعي، لكنهما خارج حضورهما الواقعي، كونهما مثابة استنتاج للخطاب الذي يُلخصانه. إذ تحولا في إشكالية الشكل من حَيز الجزئيات الضيق، إلى فضاء الكليات الواسع، وعَملاّ بفاعلية على تحويل (الخطاب) المُمثل من خاصيتهِ الفردية الى الأعمام.
فنَضَجَ الفكر الإنساني في العصر السومري الذهبي (2800 ــ 2371ق.م)، ببلوغ صفتي التجريد والأعمام في المنجزات التشكيلية، الأمر الذي فعّلَ خاصية التحول من الإشارات المُحددة الدلالات، إلى الرموز المُنفتحة والمتعددة المدلولات والحرة الحركة في خطابات الفكر الاجتماعي، إذ أحلّ المفاهيم بدل الأشياء، وبدأ يتعامل مع منظومات رمزية دالة على شتى الأفكار.

ولعل فَرادة ذلك التكوين النحتي، تكمن في الاستدعاء الإبداعي للخامات المستخدمة في عملية النحت. فهي متنوعة بين حجر اللازورد والذهب والاحجار الكريمة. وبَقدر ما يُبلغ عنه تنوع الخامات من مظاهر جمالية، تقرّبه من منحوتات عصر الحداثة، فإن الأساليب التقنية المستخدمة في عملية الصَهر والصَب، تَعدّ مأثرة ابداعية في تاريخ فن النحت.
إذ نُحتت قاعدة التمثال من كتلة مستطيلة من حجر اللازورد الأزرق اللون، وطُعّمت من الخارج بمنظومة من الأشكال الهندسية المتنوعة الألوان، ما بين الأصفر والأزرق والأخضر، وكأننا أمام لوحة تصميمية من منجزات (ماتيس) الخالدة. في حين نُحت شكل كرمة العنب وجسم الحيوان من الذهب، وَشكّلت كتلة الشعر الكثيفة في رقبة الحيوان وأذنيه وقرنيه من حجر اللازورد. فقد وَجدَ الفنان في سومر أن بإمكانه قلب مظاهر العالم الخارجي باتجاه عوالمه الداخلية، وطرح الحلول المبنية من تركيبات لونية منفصلة عن أية حكائية.
فكان اللون اصطلاحاً يؤسس مفهوماً في حِراك الفكر الاجتماعي، ويعمل على تحويل مظاهر الوجود العابرة والفردية، الى معجم ذي اصطلاحات ثابتة في بنية المعتقدات الدينية. فَغَدت دلالة اللون إيحائية اكثر منها تقليداً للتجربة الخارجية، ففكرة تجميع الخامات في تركيب التمثال، استندت إلى مقولة النحات في التأويل الكيفي الإبداعي لمعالجاتها التقنية. إذ عرفَ عن قصد جمالي كيف يَبعث فيها نوراً مُرتعشاً أزال عنها ما عَلِقَ بها من قيم مادية، بوصفها دلالات تعبيرية يَبثّها الشكل، مُفرغةً تماماً من القصصية التي طالما اقترحتها المضامين في خطابات المنجزات الفنية.

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker