د. زهير صاحب

إلى ذكرى (ثور) مدينة نمرود المجنح

تقييم المستخدم: 5 / 5

تفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجومتفعيل النجوم
 

مقال للدكتور زهير صاحب عن  تدمير يد الارهاب وقوى الظلام واعدءا الحضارة للاماسو الحامي الاشوري لبوابات وقصور مدينة النمرود العظيمة

 

بغداد - أذار 2015


لم يأمن ملوك بلاد آشور: بحراسة فصائل جنودهم من القوات الملكية الخاصة، لمداخل قصورهم وعواصمهم .. إذ أيقنوا ان تلك القوات رغم تدريبها الممتاز وانضباطها العالي، فانها لا تعدو كونها قوات أرضية .. ذات قدرات محددة بقيود الزّمان والمكان. فكان توقهم شديداً لأبتكار اشكال اسطورية .. لها القدرة المطلقة في احكام السّيطرة على منافذ الأخطار التي تهددهم كل حين، فابدعوا اشكال الثّيران والأسود المجنحة .. وعهدوا لها تلك المهام الصّعبة .. فغدت تلك الاشكال الاسطورية التي توفر حماية كونية لقصورهم الضّخمة وعواصمهم الكبيرة، بمثابة (العلامة) المميزة للحضارة الآشورية، بنفس التّأثير الذي يُميز بهِ (ابو الهول) الحضارة الفرعونية، و(القنطور) centure الحضارة الاغريقية.
كان لتعاظم مُدركات الانسان الآشوري الفكرية .. المستندة الى الخبرة القائمة على التّجريب: أن أستعار مفردات طبيعية، ونسبَ لها مضامين فكرية متحركة في الفكر الاجتماعي، في صيغة من التّفاعل بين ظاهر الشّيء وجوهره من جهة .. ودلالتّه الاجتماعية من جهة أخرى. بفعل حيوية هذه الفكرة: دخلت مُعجم النّحت الاشوري قائمة طويلة من اشكال الحيوانات التي يختص كل منها بدلالة مُحددة .. أغدقها عليها الفكر الحضاري .. فغدت اشكالاً اسطورية .. متحررة من خاصيتها المادية .. لتأتي بحلول خارقة لاشكالات الشّعب الآشوري .. الذي أرّقه كثيراً قلقهِ الوجودي .. من خفايا القَدر.
يتركب شكل الثّور المجنح من جذع ثور .. وبورتريه إله .. وجناحي طائر عملاق، فقد استدعى الفنان شكل الثّور ليشكّل جذع الكائن الأسطوري: بوصفه شكلاً رمزياً مُعبّراً عن مفاهيم الذّكورة والقوة والخصب والتّكاثر في موسوعة الحضارة العراقية .. منذ اعماق التّاريخ في عصر ما قبل الكتابة بالألف السّادس قبل الميلاد وحتى سقوط بابل السّياسي في 539 قبل الميلاد.
فالثّيران كلها لم تكن مقدسة قط .. والثّور ما هو إلا حيوان .. وكذا الثّيران كلها، إلا إن للثور الواحد: بمظهره المحسوس صفات عجيبة .. في ضخامة حجمه وقوته الهائلة وقدرته الجنسية العجيبة بوصفه ملُقّحاً للقطيع، ومن هنا كان استدعائه وتأويل شكله ليعبر عن هذه الحزمة من الافكار في بنية التّكوين الاسطوري .
بغية تفعيل سرعة الثّور .. ذلك الكائن الثّقيل الذي يعدو على اربع قوائم .. غرس الفنان المُبدع في ظهره جناحين كبيرين، فتحول الكائن إثرَ هذا الحل الابداعي من خاصيتهِ الطّبيعية: الى صيرورة اسطورية بامكانها تحقيق الطّيران السّريع .. واجتياز حدود الامكنة والمسافات مهما تباعدت .. ومتى شاءت ذلك. وخوفاً من بطش تلك القوة الاسطورية .. ولغرض عقلنتها لتحقيق مأثرتها الاسطورية .. كان الحل بتتويج الكائن المركب (قيد الصّناعة) برأس إله .. بدلالة تمظهره بالتّاج المُقرّن .. تلك الوحدة الرّمزية التي تفصل عالم الآلهة عن عالم البشر .. او لنقل المقدس عن غير المقدس في الفنون الرّافدينية.
فاذا فهمنا تركيب شكل (الثّور المجنح) على انه منظومة من العلاقات المتبادلة التّفاعل، يمكننا قراءة دلالة الشّكل المتحركة في الفكر الآشوري على انه يمثل: (القوة الاسطورية-المتحركة-الحكيمة)، ذلك هو التّفسير العقلاني: لقراءة رمزية الكائن الاسطوري .. الذي شغل عقول النّاس .. منذ اكتشاف أول نماذجه في اواسط القرن التّاسع عشر، فقد جسد الفنان مخطط تركيبه الذي إرتسم في عقله .. عند تحويل الفكرة الى رخام، لايجاد نوع من التّوازن بين الاحساس الدّاخلي: (الذّات المنفعلة)، وعوالم التّجربة الخارجية: (قراءة الموجودات)، اذ كانت مهمة الشّكل المركب: ادراك هذه الموازنة الفكرية الصّعبة، بعدّه نوعاً من التّشفير عن الخاصية الرّمزية للفكر الحضاري، ليشكل طاقة رمزية غير متناهية .. وحضور سحري دائم، ومفردة من مفردات التّجدد، وهنا انبثقت روحية الفكر: ابداعاً وخلقاً، فصورة الثّور المجنح لم تكن دعامة معمارية .. وانما تمثالا لكل الانسانية .. بغية اخراس قلقها الوجودي .. الذي اجتازها منذ عهد (كَلكَامش) .. وحتى يومنا هذا.
سالت المرحوم العلاّمة الاستاذ (مدني صالح) في ربيع عام 1998: ماذا يعني لك (الثّور المجنح) الآشوري؟ اجاب بعد استغراق قصير: لقد تحول رأسه الى حاسوب، وجناحاه الى طائرة، وجسمه الى دباية، تلك هي خاصية التّواصل بين الحضارة الآشورية والفكر المعاصر.
تزن كتلة الثّور المجنح الواحد أربعين طناً .. وهو منحوت من الرّخام الابيض اللون المعّرق باوعية شعرية رصاصية وبنفسجية اللون، ويقارب ارتفاع رأسه الثّلاثة أمتار، فما أعظم الأنتصار الذي تحقق: بنقل كتلته الضّخمة من مقالعها حتى (استوديوهات) النّحاتين الكبيرة في احدى العواصم الآشورية، تلك العملية الاسطورية تشبه حالة نقل كتل الاحجار الضّخمة التي شيُدت منها اسس الاهرام الفرعونية، إذ اشتغلت شعوب باكملها لنقل كتل الرّخام على زلاجات تسحب بالحبال لايصالها الى ضفة نهر دجلة وقت ارتفاع مستوى المياه في فصل الرّبيع، ثم تُرحّل على سطوح طوافات خشبية كبيرة الحجوم الى مكان النّحت المطلوب. فاذا عرفنا ان الآشوريين قد انجزوا العشرات من تماثيل هذه الكائنات المدهشة، فلنا ان نتخيل المبالغ المالية التي صُرفت، والجهود البشرية العظيمة التي بُذلت، والاهم من هذا وذاك: قدرة ومهارة وابداع النّحاتين الآشوريين العظام في اخراج المظاهر الجمالية لتلك التّماثيل المركبة العظيمة .. التي قد لا يتكرر مَثيل لها في تاريخ فن النّحت.
بعد وصول كتلة الرّخام الضّخمة .. التي تَشبه دعامة أحد الجسور العملاقة، الى المَنحت .. يأتي دور (مايكل أنجلو) الآخر: الذي يُؤشر اولاً الخطوط الخارجية للشكل باللون .. معتمداً على احساسه الجمالي الرّفيع بتناسق وتناسب الشّكل .. المركب من ثلاثة عناصر مختلفة .. مستنداً الى (ماكيتات) طينية مصغرة أُعدّت مسبقاً لهذا الغرض. ليقوم تلامذته ومساعديهِ الذين يتوارثون صفة النّحات من بعدهِ .. بأزالة المساحات الزّائدة عن حدود الشّكل .. فيبدأ الشّكل بالظّهور شيئاً فشيئاً بفعل ضربات الأزاميل الحديدية الذّكية .. فيتعالى الغبار ليملأ فضاء الاستوديو، وتُصمَّ اسماع المبدعين بصيحات المطارق القوية .. بعدها تَسود حالة من الصّمت (تحبس الانفاس): لأن نُصباً نحتياً عظيماً قد أُضيف الى حصيلة الفكر الانساني.
عُدّت أشكال الثّيران المجنحة ضمن (فئة) المنحوتات البارزة، رغم ان اشكالها تتميز بصفة التّجسيم الكامل، فضربة أزميل واحدة .. كفيلة بان تُحيلها الى تماثيل مدورة، ولعل خاصية التّصاقها بالسّطوح الحجرية لدعائم بوابات القصور والمعابد: قد وفرَّ لاشكالها نوعاً من الحماية .. ازاء تأثير عوامل الطّبيعة .. وحافظ عليها من عوامل التّعرية والأندثار. وفي ملمح آخر: فان مكوثها الأسطوري الذي فاقَ حدود الأزمنة: عند منافذ العمارة الآشورية الوعرة .. قد جعل منها بمثابة (الرّسالة) التي تبثها الحضارة الآشورية: للآخر المختلف .. إنه (التّفوق) الذي لا يُقهرَ .. الذي جعل من امبراطورية الأله آشور: سيدة الشّرق دون منازع.
تمظهر (بورتريه) الأله: بتاج ملكي ضخم مُسنن من الأعلى، نُحتت على واجهتهِ الأمامية زوجين من قرون الثّور .. بترتيب متناظر تماماً، فيما دُرست تفاصيل الحاجبين على شكل سعفتي نخيل متلاقيتين اسفل الجبهة .. على وفق التّقنية العراقية المتوارثة عِبرَ الاجيال في نحت معالم الحاجبين بوجوه الملوك والآلهة، وأولى النّحات جُلّ اهتمامه .. في ابراز معالم العينين الجاحضتين اللتين تمثلان البصر والبصيرة بنفس الآن، اما شكل الأنف فقد حافظ على مظهره الضّخم المقوس الذي يميز (الرّسْ) الآشوري، لتنتهي سمات البورتريه بشفتين غليظتين ورطبتين. في حين تَخفّى شعر الرّأس تحت التّاج الأمبراطوري الثّقيل .. لينتهي بشكل كتلتين ضخمتين استقرت كل منهما على احد الكتفين، وإنساب شعر الذّقن بحرية تامة: على ثلاث مستويات من خصل الشّعر النّاعمة والخشنة والمنسابة على الصّدر .. على وفق التّقنية الآشورية المعروفة في دراسة تفاصيله في تماثيل الملوك والآلهة على حد سواء.
تحركت على السّطح النّحتي لجذع الثّور: منظومتان من التّقابلات الشّكلية .. ظهرت الاولى بشكل مساحات هندسية خشنة .. نَسجت معالم مناطق كثافة الشّعر على السّطح البصري لجسم الحيوان .. وتركزت في منطقة الصّدر وقوسي خطي الظّهر والبطن، تقابلها مساحات نحتية ناعمة شَكلّت معالم الجسم الاخرى، وبين ارتفاع وانخفاض: تَفعّلت خاصية السّطح النّحتي الجمالية، فيما تَخفّى أثر الأنارة الطّبيعية بين طيات المناطق الجيولوجية الوعرة، وتكسرَّ على المناطق الحيادية الملساء، وكاننا أمام لوحة من لوحات الرّسام الاسباني المعاصر (تابيس) التي شهدت سطوحها منظومات شكلية وعرة .. أشبه بالسّطح الجيولوجي لهضبة التّبت.
من السّهل على النّحاتين الاشوريين إنجاز تمثال لثور من خامة الرّخام الموصلي الهشة التّكوين، إلا ان من الصّعب ابداع تمثال هجين يتكون من ثلاث صفات، لفعل اشكالات العلاقات الشّكلية التي تضم تقابلات شكلية عديدة: ترتبط بعدم تآلف الحجوم وعلاقات التّناسب والانسجام ودراسة التّشريح. فكان حل النّحات الآشوري عظيماً .. أزاء تآلفات شكلية من هذا النّوع .. إذ عَمدَ الى المراوحة بين الأختزال والتّبسيط تارة .. والتّعقيد والتّضخيم تارة اخرى، فظهر الشّكل السّريالي: وكأنه كائن حقيقي .. يُفكّر ويَعدو ويَطير الى مسافات اسطورية بَعيدة عن متناول مدركات الفكر الأنساني.
في العام 1947م: وطأت احدى السّفن الفرنسية .. ضفة نهر السّين في باريس .. مُحملّة بمجموعة من اشكال الثّيران المجنحة، فأحتشدت الجماهير الباريسية التي كانت تعيش عصر الرّومانسية الذّهبي، حول اول نموذج تم انزاله على ارض باريس، وتدافع الجميع لمشاهدة ذلك الكائن الغريب القادم من كوكب آخر. فاشكالات التّلقي الجمالية .. إرتكزت هنا .. على ان الفكر المعاصر: فهم منظومة هذه الاشكال .. بوصفها (بنيات) ونتاجات ابداعية، تتكون من عناصر شكلية إنتظمت داخل نسق خاص، فتحول (الأثر): من وسيط تمثيلي لدلالات (اخلاقية) محددة: الى نسق مُشيد من عناصر .. تفعلّت دلالتّها من علائقها كل منها بالآخر، فالمثير في الموضوع لا أهمية له .. والاشتغال كامن بالقصيدة ذاتها .. بتوافق الكلمات والصّور وتناغمها الدّائم والثّابت، إن هذه الابداعات في بنية الفن: كالشّعر بالنّسبة للنثر .. والموسيقى في بنية الأدب، ذلك بمثابة الأنطلاق الى إبصارات أبعد مدى.
إذ شيدّت منظومة الثّيران المجنحة الآشورية: انظمتها الشّكلية .. بعيداً عن دلالالتّها المتحركة في الفكر الاجتماعي .. وحدودها التّاريخية، وقدّمت مقولتها: على انها الجذر التّاريخي للأتجاه السّريالي في الفن الحديث، تلك آفاق انطلقت لتأكيد الوجود الانساني .. بوساطة الأنسان نفسه .. بتأكيد حقه في إيجاد حقيقة أخرى .. خارج حدوده الزّمانية .. وتجاوزها اعتماداً على احكام نقدية أخرى .. وعلى مقاييس جمالية ومعايير تقييم جديدة.
إنها (رؤية) جُلّ اهتمامها كامن: باقامة سلسلة شكلانية للاشكال .. تُتاح فيها الفرصة لتماثيل الثّيران المجنحة لتأكيد ذاتها .. وتفعيل رؤيتها خارج اطرها التّأريخية، بدلاً من (صناعة) التّأريخية لها .. فاشكالها تفكر في عقولنا عوضاً عن تفكيرنا بها، أنه الطّابع الأنساني: الذي جعل من كل (إبداع) إنشودة يرددها التّاريخ.
فهم النّحات الآشوري .. وهو من النّحاتين العظام في تاريخ النّحت، ومن بعده (دالي) و(ماغريت) على ان السّريالية: عالم رَحب لا يعرف أي نوع من القيود، تتآلف فيه الأشياء وتنتظم بمنطقها الخاص .. فليست هناك فواصل زمانية او مكانية .. تحدد العلاقة بين الأشياء وتنظمها. فمن الممكن ان (تُجمع) في اللحظة الواحدة: اشياء متباعدة بالقياس للزمن الموضوعي كل التّباعد، أو اشياء متباعدة: لا يمكن ان يَضمها مكان واحد في عالم الواقع المحسوس.
فحين أبدع (دي كيريكو) لوحته: (أغنية حُب) في العام 1914، وهو من أوائل السّرياليين، كانت (موتيفات) لوحته: البورتريه الاغريقي الرّخامي الابيض اللون .. والقفاز المطاطي الاحمر .. والكرة الخضراء، التي اختارها بعملية عقلية واعية، إلا ان جمع هذه المركبات بتكوين موحد على سطح اللوحة: يُوحي بنوع من اللاوعي في تعرف الدّلالة ونظام التّكوين معاً. على وفق هذا التّجريب: الذي يُسلط الاضواء على أعماق الذّات الخفية .. بالتّركيز على الأيحاءات النّفسية، إذ تتقنع الصّور .. وتُحاط الاشكال بالغموض، رَكبَّ المبُدع الآشوري: بورتريه الأله .. الى جذع الثّور .. وجناحي الطّائر، بعملية تحليلية عقلية واعية، فيما يوحي دمجها في شكل موحد، الى تداعي الافكار .. بدون رقابة العقل او الوعي.
فابداع النّحات الآشوري .. ومن بعده لوحات وتماثيل السّرياليين:إنبنت على خاصية المفاجأة .. كونها محّملة بكل ما هو شاذ وغريب وعجيب .. لحد ولوج فضاء الأسطورة المتعالي، إذ إقتلعوا الاشياء من اوضاعها .. وانبتوها باوضاع أخرى مُغايرة .. واكتسحوا الرّؤى المعقولة .. واستبدلوها باشكال غير معقولة .. وغاصّوا في أعماق اللاشعور .. حيث الخليط العجيب من المتناقضات وعجائب الأمور، فَسّر الابداع في مثل هذه التّجارب التّشكيلية على حد سواء: هو الوعي الكامن في المخيلة اللاوعية .. للمُبدع الآشوري ومن بعده (ماك أرنست) بامتدادات زمنية طويلة.
تُدير بعض اشكال الثّيران المجنحة وجوهها .. وتلتفت: نحو جمهور المتلقين من زوار البلاط الآشوري: لتقيم حواراً اسطورياً معهم .. وتعلن عن سلطتها (الكونية) .. ازاء محدودية الحشود الأرضية وضالتّها. وفي (منعطف) آخر: فان مشاركة المتلقين في تفعيل (قوة) التّعبير الكامنة في مظاهر هذه الأشكال العجيبة .. قد جعل من آليات عرض المشهد البصري الآشوري وتلقيه: يشكل الجذر التّاريخي لفكرة إيداع الحكم الجمالي للمتلقي على حساب الفنان وعمله الابداعي في اشكالات الفن المعاصر.
سعى النّحات الآشوري: الى ابعاد كل ما هو تقليدي ومألوف عن الفن، إذ تمظهرت معظم اشكال ثيرانه المجنحة بخمس قوائم .. فقد فهم أسوة بـ(بوتشيوني): ان الطّاقة الحركية في الشّكل ليست مقيدة بوجوده الطّبيعي .. وانما هناك حركة ذاتية متدفقة فيه، مما جعل الثّيران تتحرك نحونا والى الامام أو الخلف، بفعل لعبة الخداع البصري، كي تستطيع ان تتراجع الى الخلف مع حركة تقدم الزّائرين الى الدّاخل، وان تتقدم الى الامام .. عند خروجهم من بوابة القصر أو المدينة، بغية ابراز اللقطات التّتابعية للشكل .. للتعبير عن خاصية الانتقال عِبرَ الزّمن، لتمتين مواطن القوة في الطّاقة الحركية للشكل، تمرداً على السّكون والجمود في المنجزات النّحتية.
حين رسم (جياكوموبالا) (1871-1958) صورة أبنتهِ: جعلها في حركة مستمرة وهي تعدو .. فرسم لها عدة أرجل بمجموعة من الاوضاع: التي تحدث في لحظات أشد ما تكون تقارباً وتداخلاً، إذ فهم (بالا) وصديقه الآشوري: ان كل لحظة من لحظاتنا تندفع الى اللحظة التي بعدها، لذلك اعطيا للمخيلة مداها الرّحب .. لتنسج ما يحلو لها من الحركات، بادخال الاشكال حَيز البعد الرّابع، لتفعيل طاقتها الحركية الدّيناميكية.
فالثّيران المجنحة (النّصُب): صور عظيمة في تاريخ الفن .. كونها تُرينا شيئاً نُبصرهُ بالعين مع شيء نُدركه بالبصيرة، فالمبدعون الآشوريون نَسجوا الحياة والفن .. والتّمثيل والاعمام في نسيج واحد، بهذا (الكيف): قَدمّت العقلية الآشورية لاشكالات الفكر المعاصر .. حلولاً هامة في مجالات التّشكيل. فالفن العظيم يتضمن بالذّات تخلصاً من التّشخيصية ومن حالة البشرية .. ليتمتع بصفة الأبدية.
إن حفراً عميقاً في اشكال هذه المنحوتات: يُظهر ان نظامها الشّكلي يُشكّل مَلمَحاً للجذر التّاريخي لنسق الاشكال التّكعيبية، فاشكالها ليس لها مماثلات في الوجود الشّيئي المُتعّين .. بوصفها نماذج معدّلة: ترتقي على المحاكاتية .. بعدّها كشوفاً حدسية متحررة من محدودية القيود الحسية، كونها لم تجد تحققها بالفعل ذاته، بل أعلنت ووسعت شكلاً شِعرياً من اشكال الفن.
قد لا نُضيف شيئاً جديداً في تَحري تاريخ التّكعيبية .. وخصوصياتها كاتجاه اساسي من اساليب الفن الحديث، إلا ان اهتمامنا مُنصب على كشف الجوهري في نظام الشّكل التّكعيبي وعلاقاته الشّكلية مع (تماثيل) الثّيران المجنحة .. فكلاهما يشتركان في آلية عمل الصّور الذّهنية للفنانين: التي سَعت الى تمثيل ما تُدركه عن الشّيء .. وما ينبغي ان يكون عليه، بدلاً من محاكاة ما تراه العين، واضعة بذلك التّجربة الحسية .. تحت سيطرة ومراقبة العقل.
فالفنان الآشوري وحفيديه (بيكاسو وبراك): سعوا الى بناء (منظومات) صورية .. فكان توجههم نحو المظاهر التّجريدية .. والتّوقف عند الصّور الذّهنية غير المادية: القائمة على التّنظيم الهندسي المتناغم، فهم لم ينسخوا الموضوع كما في الواقع .. بل أولّوهُ نحو الجوهر. فالموضوع (الشّيء) في عندية الفنانين الآشوريين والتّكعيبيين: لا شكل له في المطلق .. بل له عدة اشكال، على عدد ما في مقاطع التّأويل من زوايا النّظر، وعلى عدد العيون التي يمكنها النّظر الى الشّيء، فتمثيلهم الشّكل من مختلف وجوهه في آن واحد، يُبرز محاولاتهم التّعبير عن حقيقتهِ المطلقة.
ابدع الفنان الآشوري ثوراً اسطورياً يعدو باربع أرجل .. وما وجود الرّجل الخامسة: إلا تعويضاً عن احدى الارجل الامامية .. التي وُهبت لتمثيل شكل الأله .. إذا نُظر اليه من مسقط نظر امامي (شكل65)، إنه نوع من التّمسرح الزّمني: لتعالق المركبات الشّكلية .. الذي يَعقِد نظاماً مع الاستيعاب البصري .. بما يحدث في أية لحظة والتي تليها، بتجاوز دلالة الشّكل الظّاهرية التي طالما تراوحت بين الطّبيعي والرّمزي.
بذلك ابدعت العقلية الانسانية .. في آشور والتّكعيبية: نظاماً للاشكال مُثلت بموجبه معزولة عن العوالم المرئية .. كونها لا تستند الى الزّمان والمكان إلا بمقدار العلاقة التي يقيمها الأخيران مع المُتخيل، فالفنانون الآشوريون: بفعل الوعي والقصد القائم على التّجريب .. مثل بيكاسو وبراك .. لم يريدوا ان يَعرفوا سوى حدوسهم عن البناء الشّكلي للمَثل الاعلى في التّعبير، بل ويزعمون تطبيقه حتى درجة الأطلاق، ومن هنا: كانت تجزئة الشّكل الى مساحات هندسية مسطحة ومتداخلة .. وتمثيله من مختلف وجوهه في زمن واحد .. لتقديم صوراً عن (الاشياء) اكثر عقلانية من مجرد التّوقف عند مظاهرها الطّبيعية. إلى ذكرى (ثور) مدينة نمرود المجنح (6 photos)
إلى ذكرى (ثور) مدينة نمرود المجنح
لم يأمن ملوك بلاد آشور: بحراسة فصائل جنودهم من القوات الملكية الخاصة، لمداخل قصورهم وعواصمهم .. إذ أيقنوا ان تلك القوات رغم تدريبها الممتاز وانضباطها العالي، فانها لا تعدو كونها قوات أرضية .. ذات قدرات محددة بقيود الزّمان والمكان. فكان توقهم شديداً لأبتكار اشكال اسطورية .. لها القدرة المطلقة في احكام السّيطرة على منافذ الأخطار التي تهددهم كل حين، فابدعوا اشكال الثّيران والأسود المجنحة .. وعهدوا لها تلك المهام الصّعبة .. فغدت تلك الاشكال الاسطورية التي توفر حماية كونية لقصورهم الضّخمة وعواصمهم الكبيرة، بمثابة (العلامة) المميزة للحضارة الآشورية، بنفس التّأثير الذي يُميز بهِ (ابو الهول) الحضارة الفرعونية، و(القنطور) centure الحضارة الاغريقية.
كان لتعاظم مُدركات الانسان الآشوري الفكرية .. المستندة الى الخبرة القائمة على التّجريب: أن أستعار مفردات طبيعية، ونسبَ لها مضامين فكرية متحركة في الفكر الاجتماعي، في صيغة من التّفاعل بين ظاهر الشّيء وجوهره من جهة .. ودلالتّه الاجتماعية من جهة أخرى. بفعل حيوية هذه الفكرة: دخلت مُعجم النّحت الاشوري قائمة طويلة من اشكال الحيوانات التي يختص كل منها بدلالة مُحددة .. أغدقها عليها الفكر الحضاري .. فغدت اشكالاً اسطورية .. متحررة من خاصيتها المادية .. لتأتي بحلول خارقة لاشكالات الشّعب الآشوري .. الذي أرّقه كثيراً قلقهِ الوجودي .. من خفايا القَدر.
يتركب شكل الثّور المجنح من جذع ثور .. وبورتريه إله .. وجناحي طائر عملاق، فقد استدعى الفنان شكل الثّور ليشكّل جذع الكائن الأسطوري: بوصفه شكلاً رمزياً مُعبّراً عن مفاهيم الذّكورة والقوة والخصب والتّكاثر في موسوعة الحضارة العراقية .. منذ اعماق التّاريخ في عصر ما قبل الكتابة بالألف السّادس قبل الميلاد وحتى سقوط بابل السّياسي في 539 قبل الميلاد.
فالثّيران كلها لم تكن مقدسة قط .. والثّور ما هو إلا حيوان .. وكذا الثّيران كلها، إلا إن للثور الواحد: بمظهره المحسوس صفات عجيبة .. في ضخامة حجمه وقوته الهائلة وقدرته الجنسية العجيبة بوصفه ملُقّحاً للقطيع، ومن هنا كان استدعائه وتأويل شكله ليعبر عن هذه الحزمة من الافكار في بنية التّكوين الاسطوري.
بغية تفعيل سرعة الثّور .. ذلك الكائن الثّقيل الذي يعدو على اربع قوائم .. غرس الفنان المُبدع في ظهره جناحين كبيرين، فتحول الكائن إثرَ هذا الحل الابداعي من خاصيتهِ الطّبيعية: الى صيرورة اسطورية بامكانها تحقيق الطّيران السّريع .. واجتياز حدود الامكنة والمسافات مهما تباعدت .. ومتى شاءت ذلك. وخوفاً من بطش تلك القوة الاسطورية .. ولغرض عقلنتها لتحقيق مأثرتها الاسطورية .. كان الحل بتتويج الكائن المركب (قيد الصّناعة) برأس إله .. بدلالة تمظهره بالتّاج المُقرّن .. تلك الوحدة الرّمزية التي تفصل عالم الآلهة عن عالم البشر .. او لنقل المقدس عن غير المقدس في الفنون الرّافدينية.
فاذا فهمنا تركيب شكل (الثّور المجنح) على انه منظومة من العلاقات المتبادلة التّفاعل، يمكننا قراءة دلالة الشّكل المتحركة في الفكر الآشوري على انه يمثل: (القوة الاسطورية-المتحركة-الحكيمة)، ذلك هو التّفسير العقلاني: لقراءة رمزية الكائن الاسطوري .. الذي شغل عقول النّاس .. منذ اكتشاف أول نماذجه في اواسط القرن التّاسع عشر، فقد جسد الفنان مخطط تركيبه الذي إرتسم في عقله .. عند تحويل الفكرة الى رخام، لايجاد نوع من التّوازن بين الاحساس الدّاخلي: (الذّات المنفعلة)، وعوالم التّجربة الخارجية: (قراءة الموجودات)، اذ كانت مهمة الشّكل المركب: ادراك هذه الموازنة الفكرية الصّعبة، بعدّه نوعاً من التّشفير عن الخاصية الرّمزية للفكر الحضاري، ليشكل طاقة رمزية غير متناهية .. وحضور سحري دائم، ومفردة من مفردات التّجدد، وهنا انبثقت روحية الفكر: ابداعاً وخلقاً، فصورة الثّور المجنح لم تكن دعامة معمارية .. وانما تمثالا لكل الانسانية .. بغية اخراس قلقها الوجودي .. الذي اجتازها منذ عهد (كَلكَامش) .. وحتى يومنا هذا.
سالت المرحوم العلاّمة الاستاذ (مدني صالح) في ربيع عام 1998: ماذا يعني لك (الثّور المجنح) الآشوري؟ اجاب بعد استغراق قصير: لقد تحول رأسه الى حاسوب، وجناحاه الى طائرة، وجسمه الى دباية، تلك هي خاصية التّواصل بين الحضارة الآشورية والفكر المعاصر.
تزن كتلة الثّور المجنح الواحد أربعين طناً .. وهو منحوت من الرّخام الابيض اللون المعّرق باوعية شعرية رصاصية وبنفسجية اللون، ويقارب ارتفاع رأسه الثّلاثة أمتار، فما أعظم الأنتصار الذي تحقق: بنقل كتلته الضّخمة من مقالعها حتى (استوديوهات) النّحاتين الكبيرة في احدى العواصم الآشورية، تلك العملية الاسطورية تشبه حالة نقل كتل الاحجار الضّخمة التي شيُدت منها اسس الاهرام الفرعونية، إذ اشتغلت شعوب باكملها لنقل كتل الرّخام على زلاجات تسحب بالحبال لايصالها الى ضفة نهر دجلة وقت ارتفاع مستوى المياه في فصل الرّبيع، ثم تُرحّل على سطوح طوافات خشبية كبيرة الحجوم الى مكان النّحت المطلوب. فاذا عرفنا ان الآشوريين قد انجزوا العشرات من تماثيل هذه الكائنات المدهشة، فلنا ان نتخيل المبالغ المالية التي صُرفت، والجهود البشرية العظيمة التي بُذلت، والاهم من هذا وذاك: قدرة ومهارة وابداع النّحاتين الآشوريين العظام في اخراج المظاهر الجمالية لتلك التّماثيل المركبة العظيمة .. التي قد لا يتكرر مَثيل لها في تاريخ فن النّحت.
بعد وصول كتلة الرّخام الضّخمة .. التي تَشبه دعامة أحد الجسور العملاقة، الى المَنحت .. يأتي دور (مايكل أنجلو) الآخر: الذي يُؤشر اولاً الخطوط الخارجية للشكل باللون .. معتمداً على احساسه الجمالي الرّفيع بتناسق وتناسب الشّكل .. المركب من ثلاثة عناصر مختلفة .. مستنداً الى (ماكيتات) طينية مصغرة أُعدّت مسبقاً لهذا الغرض. ليقوم تلامذته ومساعديهِ الذين يتوارثون صفة النّحات من بعدهِ .. بأزالة المساحات الزّائدة عن حدود الشّكل .. فيبدأ الشّكل بالظّهور شيئاً فشيئاً بفعل ضربات الأزاميل الحديدية الذّكية .. فيتعالى الغبار ليملأ فضاء الاستوديو، وتُصمَّ اسماع المبدعين بصيحات المطارق القوية .. بعدها تَسود حالة من الصّمت (تحبس الانفاس): لأن نُصباً نحتياً عظيماً قد أُضيف الى حصيلة الفكر الانساني.
عُدّت أشكال الثّيران المجنحة ضمن (فئة) المنحوتات البارزة، رغم ان اشكالها تتميز بصفة التّجسيم الكامل، فضربة أزميل واحدة .. كفيلة بان تُحيلها الى تماثيل مدورة، ولعل خاصية التّصاقها بالسّطوح الحجرية لدعائم بوابات القصور والمعابد: قد وفرَّ لاشكالها نوعاً من الحماية .. ازاء تأثير عوامل الطّبيعة .. وحافظ عليها من عوامل التّعرية والأندثار. وفي ملمح آخر: فان مكوثها الأسطوري الذي فاقَ حدود الأزمنة: عند منافذ العمارة الآشورية الوعرة .. قد جعل منها بمثابة (الرّسالة) التي تبثها الحضارة الآشورية: للآخر المختلف .. إنه (التّفوق) الذي لا يُقهرَ .. الذي جعل من امبراطورية الأله آشور: سيدة الشّرق دون منازع.
تمظهر (بورتريه) الأله: بتاج ملكي ضخم مُسنن من الأعلى، نُحتت على واجهتهِ الأمامية زوجين من قرون الثّور .. بترتيب متناظر تماماً، فيما دُرست تفاصيل الحاجبين على شكل سعفتي نخيل متلاقيتين اسفل الجبهة .. على وفق التّقنية العراقية المتوارثة عِبرَ الاجيال في نحت معالم الحاجبين بوجوه الملوك والآلهة، وأولى النّحات جُلّ اهتمامه .. في ابراز معالم العينين الجاحضتين اللتين تمثلان البصر والبصيرة بنفس الآن، اما شكل الأنف فقد حافظ على مظهره الضّخم المقوس الذي يميز (الرّسْ) الآشوري، لتنتهي سمات البورتريه بشفتين غليظتين ورطبتين. في حين تَخفّى شعر الرّأس تحت التّاج الأمبراطوري الثّقيل .. لينتهي بشكل كتلتين ضخمتين استقرت كل منهما على احد الكتفين، وإنساب شعر الذّقن بحرية تامة: على ثلاث مستويات من خصل الشّعر النّاعمة والخشنة والمنسابة على الصّدر .. على وفق التّقنية الآشورية المعروفة في دراسة تفاصيله في تماثيل الملوك والآلهة على حد سواء.
تحركت على السّطح النّحتي لجذع الثّور: منظومتان من التّقابلات الشّكلية .. ظهرت الاولى بشكل مساحات هندسية خشنة .. نَسجت معالم مناطق كثافة الشّعر على السّطح البصري لجسم الحيوان .. وتركزت في منطقة الصّدر وقوسي خطي الظّهر والبطن، تقابلها مساحات نحتية ناعمة شَكلّت معالم الجسم الاخرى، وبين ارتفاع وانخفاض: تَفعّلت خاصية السّطح النّحتي الجمالية، فيما تَخفّى أثر الأنارة الطّبيعية بين طيات المناطق الجيولوجية الوعرة، وتكسرَّ على المناطق الحيادية الملساء، وكاننا أمام لوحة من لوحات الرّسام الاسباني المعاصر (تابيس) التي شهدت سطوحها منظومات شكلية وعرة .. أشبه بالسّطح الجيولوجي لهضبة التّبت.
من السّهل على النّحاتين الاشوريين إنجاز تمثال لثور من خامة الرّخام الموصلي الهشة التّكوين، إلا ان من الصّعب ابداع تمثال هجين يتكون من ثلاث صفات، لفعل اشكالات العلاقات الشّكلية التي تضم تقابلات شكلية عديدة: ترتبط بعدم تآلف الحجوم وعلاقات التّناسب والانسجام ودراسة التّشريح. فكان حل النّحات الآشوري عظيماً .. أزاء تآلفات شكلية من هذا النّوع .. إذ عَمدَ الى المراوحة بين الأختزال والتّبسيط تارة .. والتّعقيد والتّضخيم تارة اخرى، فظهر الشّكل السّريالي: وكأنه كائن حقيقي .. يُفكّر ويَعدو ويَطير الى مسافات اسطورية بَعيدة عن متناول مدركات الفكر الأنساني.
في العام 1947م: وطأت احدى السّفن الفرنسية .. ضفة نهر السّين في باريس .. مُحملّة بمجموعة من اشكال الثّيران المجنحة، فأحتشدت الجماهير الباريسية التي كانت تعيش عصر الرّومانسية الذّهبي، حول اول نموذج تم انزاله على ارض باريس، وتدافع الجميع لمشاهدة ذلك الكائن الغريب القادم من كوكب آخر. فاشكالات التّلقي الجمالية .. إرتكزت هنا .. على ان الفكر المعاصر: فهم منظومة هذه الاشكال .. بوصفها (بنيات) ونتاجات ابداعية، تتكون من عناصر شكلية إنتظمت داخل نسق خاص، فتحول (الأثر): من وسيط تمثيلي لدلالات (اخلاقية) محددة: الى نسق مُشيد من عناصر .. تفعلّت دلالتّها من علائقها كل منها بالآخر، فالمثير في الموضوع لا أهمية له .. والاشتغال كامن بالقصيدة ذاتها .. بتوافق الكلمات والصّور وتناغمها الدّائم والثّابت، إن هذه الابداعات في بنية الفن: كالشّعر بالنّسبة للنثر .. والموسيقى في بنية الأدب، ذلك بمثابة الأنطلاق الى إبصارات أبعد مدى.
إذ شيدّت منظومة الثّيران المجنحة الآشورية: انظمتها الشّكلية .. بعيداً عن دلالالتّها المتحركة في الفكر الاجتماعي .. وحدودها التّاريخية، وقدّمت مقولتها: على انها الجذر التّاريخي للأتجاه السّريالي في الفن الحديث، تلك آفاق انطلقت لتأكيد الوجود الانساني .. بوساطة الأنسان نفسه .. بتأكيد حقه في إيجاد حقيقة أخرى .. خارج حدوده الزّمانية .. وتجاوزها اعتماداً على احكام نقدية أخرى .. وعلى مقاييس جمالية ومعايير تقييم جديدة.
إنها (رؤية) جُلّ اهتمامها كامن: باقامة سلسلة شكلانية للاشكال .. تُتاح فيها الفرصة لتماثيل الثّيران المجنحة لتأكيد ذاتها .. وتفعيل رؤيتها خارج اطرها التّأريخية، بدلاً من (صناعة) التّأريخية لها .. فاشكالها تفكر في عقولنا عوضاً عن تفكيرنا بها، أنه الطّابع الأنساني: الذي جعل من كل (إبداع) إنشودة يرددها التّاريخ.
فهم النّحات الآشوري .. وهو من النّحاتين العظام في تاريخ النّحت، ومن بعده (دالي) و(ماغريت) على ان السّريالية: عالم رَحب لا يعرف أي نوع من القيود، تتآلف فيه الأشياء وتنتظم بمنطقها الخاص .. فليست هناك فواصل زمانية او مكانية .. تحدد العلاقة بين الأشياء وتنظمها. فمن الممكن ان (تُجمع) في اللحظة الواحدة: اشياء متباعدة بالقياس للزمن الموضوعي كل التّباعد، أو اشياء متباعدة: لا يمكن ان يَضمها مكان واحد في عالم الواقع المحسوس.
فحين أبدع (دي كيريكو) لوحته: (أغنية حُب) في العام 1914، وهو من أوائل السّرياليين، كانت (موتيفات) لوحته: البورتريه الاغريقي الرّخامي الابيض اللون .. والقفاز المطاطي الاحمر .. والكرة الخضراء، التي اختارها بعملية عقلية واعية، إلا ان جمع هذه المركبات بتكوين موحد على سطح اللوحة: يُوحي بنوع من اللاوعي في تعرف الدّلالة ونظام التّكوين معاً. على وفق هذا التّجريب: الذي يُسلط الاضواء على أعماق الذّات الخفية .. بالتّركيز على الأيحاءات النّفسية، إذ تتقنع الصّور .. وتُحاط الاشكال بالغموض، رَكبَّ المبُدع الآشوري: بورتريه الأله .. الى جذع الثّور .. وجناحي الطّائر، بعملية تحليلية عقلية واعية، فيما يوحي دمجها في شكل موحد، الى تداعي الافكار .. بدون رقابة العقل او الوعي.
فابداع النّحات الآشوري .. ومن بعده لوحات وتماثيل السّرياليين:إنبنت على خاصية المفاجأة .. كونها محّملة بكل ما هو شاذ وغريب وعجيب .. لحد ولوج فضاء الأسطورة المتعالي، إذ إقتلعوا الاشياء من اوضاعها .. وانبتوها باوضاع أخرى مُغايرة .. واكتسحوا الرّؤى المعقولة .. واستبدلوها باشكال غير معقولة .. وغاصّوا في أعماق اللاشعور .. حيث الخليط العجيب من المتناقضات وعجائب الأمور، فَسّر الابداع في مثل هذه التّجارب التّشكيلية على حد سواء: هو الوعي الكامن في المخيلة اللاوعية .. للمُبدع الآشوري ومن بعده (ماك أرنست) بامتدادات زمنية طويلة.
تُدير بعض اشكال الثّيران المجنحة وجوهها .. وتلتفت: نحو جمهور المتلقين من زوار البلاط الآشوري: لتقيم حواراً اسطورياً معهم .. وتعلن عن سلطتها (الكونية) .. ازاء محدودية الحشود الأرضية وضالتّها. وفي (منعطف) آخر: فان مشاركة المتلقين في تفعيل (قوة) التّعبير الكامنة في مظاهر هذه الأشكال العجيبة .. قد جعل من آليات عرض المشهد البصري الآشوري وتلقيه: يشكل الجذر التّاريخي لفكرة إيداع الحكم الجمالي للمتلقي على حساب الفنان وعمله الابداعي في اشكالات الفن المعاصر.
سعى النّحات الآشوري: الى ابعاد كل ما هو تقليدي ومألوف عن الفن، إذ تمظهرت معظم اشكال ثيرانه المجنحة بخمس قوائم .. فقد فهم أسوة بـ(بوتشيوني): ان الطّاقة الحركية في الشّكل ليست مقيدة بوجوده الطّبيعي .. وانما هناك حركة ذاتية متدفقة فيه، مما جعل الثّيران تتحرك نحونا والى الامام أو الخلف، بفعل لعبة الخداع البصري، كي تستطيع ان تتراجع الى الخلف مع حركة تقدم الزّائرين الى الدّاخل، وان تتقدم الى الامام .. عند خروجهم من بوابة القصر أو المدينة، بغية ابراز اللقطات التّتابعية للشكل .. للتعبير عن خاصية الانتقال عِبرَ الزّمن، لتمتين مواطن القوة في الطّاقة الحركية للشكل، تمرداً على السّكون والجمود في المنجزات النّحتية.
حين رسم (جياكوموبالا) (1871-1958) صورة أبنتهِ: جعلها في حركة مستمرة وهي تعدو .. فرسم لها عدة أرجل بمجموعة من الاوضاع: التي تحدث في لحظات أشد ما تكون تقارباً وتداخلاً، إذ فهم (بالا) وصديقه الآشوري: ان كل لحظة من لحظاتنا تندفع الى اللحظة التي بعدها، لذلك اعطيا للمخيلة مداها الرّحب .. لتنسج ما يحلو لها من الحركات، بادخال الاشكال حَيز البعد الرّابع، لتفعيل طاقتها الحركية الدّيناميكية.
فالثّيران المجنحة (النّصُب): صور عظيمة في تاريخ الفن .. كونها تُرينا شيئاً نُبصرهُ بالعين مع شيء نُدركه بالبصيرة، فالمبدعون الآشوريون نَسجوا الحياة والفن .. والتّمثيل والاعمام في نسيج واحد، بهذا (الكيف): قَدمّت العقلية الآشورية لاشكالات الفكر المعاصر .. حلولاً هامة في مجالات التّشكيل. فالفن العظيم يتضمن بالذّات تخلصاً من التّشخيصية ومن حالة البشرية .. ليتمتع بصفة الأبدية.
إن حفراً عميقاً في اشكال هذه المنحوتات: يُظهر ان نظامها الشّكلي يُشكّل مَلمَحاً للجذر التّاريخي لنسق الاشكال التّكعيبية، فاشكالها ليس لها مماثلات في الوجود الشّيئي المُتعّين .. بوصفها نماذج معدّلة: ترتقي على المحاكاتية .. بعدّها كشوفاً حدسية متحررة من محدودية القيود الحسية، كونها لم تجد تحققها بالفعل ذاته، بل أعلنت ووسعت شكلاً شِعرياً من اشكال الفن.
قد لا نُضيف شيئاً جديداً في تَحري تاريخ التّكعيبية .. وخصوصياتها كاتجاه اساسي من اساليب الفن الحديث، إلا ان اهتمامنا مُنصب على كشف الجوهري في نظام الشّكل التّكعيبي وعلاقاته الشّكلية مع (تماثيل) الثّيران المجنحة .. فكلاهما يشتركان في آلية عمل الصّور الذّهنية للفنانين: التي سَعت الى تمثيل ما تُدركه عن الشّيء .. وما ينبغي ان يكون عليه، بدلاً من محاكاة ما تراه العين، واضعة بذلك التّجربة الحسية .. تحت سيطرة ومراقبة العقل.
فالفنان الآشوري وحفيديه (بيكاسو وبراك): سعوا الى بناء (منظومات) صورية .. فكان توجههم نحو المظاهر التّجريدية .. والتّوقف عند الصّور الذّهنية غير المادية: القائمة على التّنظيم الهندسي المتناغم، فهم لم ينسخوا الموضوع كما في الواقع .. بل أولّوهُ نحو الجوهر. فالموضوع (الشّيء) في عندية الفنانين الآشوريين والتّكعيبيين: لا شكل له في المطلق .. بل له عدة اشكال، على عدد ما في مقاطع التّأويل من زوايا النّظر، وعلى عدد العيون التي يمكنها النّظر الى الشّيء، فتمثيلهم الشّكل من مختلف وجوهه في آن واحد، يُبرز محاولاتهم التّعبير عن حقيقتهِ المطلقة.
ابدع الفنان الآشوري ثوراً اسطورياً يعدو باربع أرجل .. وما وجود الرّجل الخامسة: إلا تعويضاً عن احدى الارجل الامامية .. التي وُهبت لتمثيل شكل الأله .. إذا نُظر اليه من مسقط نظر امامي (شكل65)، إنه نوع من التّمسرح الزّمني: لتعالق المركبات الشّكلية .. الذي يَعقِد نظاماً مع الاستيعاب البصري .. بما يحدث في أية لحظة والتي تليها، بتجاوز دلالة الشّكل الظّاهرية التي طالما تراوحت بين الطّبيعي والرّمزي.
بذلك ابدعت العقلية الانسانية .. في آشور والتّكعيبية: نظاماً للاشكال مُثلت بموجبه معزولة عن العوالم المرئية .. كونها لا تستند الى الزّمان والمكان إلا بمقدار العلاقة التي يقيمها الأخيران مع المُتخيل، فالفنانون الآشوريون: بفعل الوعي والقصد القائم على التّجريب .. مثل بيكاسو وبراك .. لم يريدوا ان يَعرفوا سوى حدوسهم عن البناء الشّكلي للمَثل الاعلى في التّعبير، بل ويزعمون تطبيقه حتى درجة الأطلاق، ومن هنا: كانت تجزئة الشّكل الى مساحات هندسية مسطحة ومتداخلة .. وتمثيله من مختلف وجوهه في زمن واحد .. لتقديم صوراً عن (الاشياء) اكثر عقلانية من مجرد التّوقف عند مظاهرها الطّبيعية.

Comments powered by CComment

Lock full review www.8betting.co.uk 888 Bookmaker